شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الثلاثاء 04 اعسطس 2020م20:42 بتوقيت القدس

على جُثّتها.. ستُغادرُ صفاء "خربة الدير" هذه المرة!

01 يوليو 2020 - 19:46

الأغوار الشمالية/ شبكة نوى- فلسطينيات:

"توقعنا أن (إسرائيل) بدَأت بتنفيذ خطة الضم، جلسنا في منازلنا وأغلقنا الأبواب، لم نكن نعلم ما سنفعله، كل ما كنا متأكدين منه، أننا لن نترك أراضينا" بصوتٍ بدا رهين تلك اللحظة، بدأت صفاء إياد دراغمة تصف لـ "نوى" لحظة وصول خبر إغلاق حاجز "تياسير" شرق "طوباس" في الأغوار الشمالية قبل عدة أيام، وتجمع قوات كبيرة من جنود جيش الاحتلال هناك.

صفاء ابنة تجمع "خربة الدير" في رأس المثلث الفاصل بين الضفة الغربية والأردن والأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948م، عادت وعائلة زوجها، برفقة أربع عائلاتٍ أخرى إلى الخربة، بعد أن هدم الاحتلال الإسرائيلي منازلهم في قرية "عين البيضا" القريبة، أكثر من مرة، وصادر الأراضي الزراعية والمراعي لصالح المستوطنات المقامة حولها.

الاحتلال الذي هجّر سكان "خربة الدير" مع احتلال ما تبقى من فلسطين عام 1967م، حوّل أراضيها بعد تدمير منازلها إلى مناطق تدريبات عسكرية.

تشير صفاء إلى منزلها والمنطقة المحيطة به، التي تبدو مثل واحةٍ خضراء وسط أرض قاحلة، وتقول: "أصبح لون التراب رماديًا بسبب مخلفات التدريبات العسكرية، أعدنا تعمير بعض الأراضي لتصبح صالحةً للزراعة والحياة، وبعد كل هذا التعب يلاحقوننا من جديد بمخططات الضم التي لا نستطيع التنبؤ بمصيرنا بعدها".

خربة الدير، من القرى الفلسطينية التي اشتهرت بالزراعة والمراعي على مساحةٍ تجاوزت 18 ألف دونمًا، بينما تكثر فيها الينابيع العذبة، لا سيما في "عين الساكوت" التي تسيطر عليها "إسرائيل" الآن بالكامل، وتمنع السكان من الاستفادة منها.

"خربة الدير" وفق مسؤول ملف الاستيطان في منطقة الأغوار معتز بشارات، هي من القرى الفلسطينية التي اشتهرت بالزراعة والمراعي على مساحةٍ تجاوزت 18 ألف دونمًا، بينما تكثر فيها الينابيع العذبة، لا سيما في "عين الساكوت" التي تسيطر عليها "إسرائيل" الآن بالكامل، وتمنع السكان من الاستفادة منها.

يضيف بشارات: "إن القرية هُجّرت بالكامل في العام 1967م إلى منطقة عين البيضا القريبة، التي كان عدد سكانها أقل بكثير من سكان "خربة الدير"، ولكن مع ملاحقة الاحتلال والمستوطنين لهم في عين البيضا أيضًا، بدأت العائلات تعود إلى أراضيها من جديد.

ورغم أن هذه الأراضي مسجلة بأسماء أصحابها، إلا أن الاحتلال هدم في مراتٍ عديدة منازل و"بركسات" من عادوا للعيش في الخربة، وأعادوا بنائها من جديد بعد أن نفِذت خياراتهم في "عين البيضا".

بالعودة إلى صفاء دراغمة، تضيف: "هذه الخربة هي آخر خياراتنا للعيش في المنطقة، نخاطر مع أطفالنا للعيش في منطقة عسكرية تحيط بها حقول ألغام، لأنه ليس أمامنا خيارات أخرى".

تحاصرهم المعاناة

وتتحدث صفاء عن معاناة مركبة يكابدها أهل الخربة يوميًا في أبسط حقوقهم "فلأن التدريبات العسكرية الإسرائيلية في تلك المنطقة لا تتوقف، تراقب الطائرات تحركاتهم، وفي حال بنى أحدهم عريشةً من الخيش أو الصفيح، ليقي نفسه وأهل بيته حر الصيف الشديد، تقوم قوات الاحتلال بهدمها فورًا"، تصمت قليلًا وتتابع بأسى: "ناهيك عن حالة الرعب التي تسببت بها تلك التدريبات لأطفالنا (..) نحن نُمنع من زراعة شجرة أمام البيت، وليس فقط البناء هناك".

وتعتمد العائلات في تحصيل الكهرباء على وحدات الطاقة الشمسية، التي لا تكفي لسد حاجتهم، "ففي فصل الصيف تزيد الحاجة إلى الكهرباء، بينما لا تكفي الطاقة المُنتجة في الشتاء لسد الحاجة، كما يعاني السكان طوال أشهر السنة من نقص حاد في المياه" تردف.

ولما كانت المستوطنة القريبة تستولي على الأراضي الزراعية في المنطقة، اعتمد الأهالي على تربية المواشي كمصدر رزق لهم، "وهو الخيار الذي لم يكن سهلًا أيضًا في ظل عراقيل الاحتلال ومستوطنيه"، كما يؤكد الشاب ياسر بني عودة (23 عامًا).

يرعى الشاب مواشي عائلته، لكن مقابل مواجهةٍ يومية مع جنود الاحتلال الذين يمنعون وصوله إلى المراعي بحججٍ مختلفة "يطاردُنا الجنود بشكلٍ مستمر، ويمنعُوننا من الوصول إلى المراعي القريبة من محيط المستوطنة، كما نُمنع من سقي المواشي في عين الساكوت".

يرعى الشاب مواشي عائلته، لكن مقابل مواجهةٍ يومية مع جنود الاحتلال الذين يمنعون وصوله إلى المراعي بحججٍ مختلفة.

يقول: "يطاردُنا الجنود بشكلٍ مستمر، ويمنعُوننا من الوصول إلى المراعي القريبة من محيط المستوطنة، كما نُمنع من سقي المواشي في عين الساكوت".

ليس فقط جنود الاحتلال، فالمستوطنون الذين استولوا على أراضٍ شاسعة من الخربة، حولوها إلى بيارات، يطاردون السكان فيها، وينغّصون حياتهم.

يذكر بني عودة قيام حارس مستوطنة "مخولا" القريبة بملاحقته قبل شهور، ودهس بقرةٍ من ضمن قطيعه، معلقًا بالقول: "إن سلمنا من الجنود والمستوطنين وملاحقتهم المستمرة، قد لا نسلم من مخلفات التدريبات العسكرية التي يتركها الجنود وراءهم، تلك التي لطالما شكلت خطرًا كبيرًا علينا كسكان، وعلى مواشينا أيضًا".

هواجس الضم

صفاء دراغمة تعود لتكمل: "حياتنا هنا صعبة جدًا، ولا نستطيعُ أن نتخيل ظروفًا أصعب من التي نعيشها الآن".

وتتابع: "العائلات في المنطقة تعيش حالة رعب حقيقية هذه الأيام، فكل ما يعرفونه عن "مخطط الضم" هو ما يصلهم عبر وسائل الإعلام، ولكن ما هو؟ وكيف سيكون تأثيره على حياتهم؟ فلا تصور لديهم أبدًا، وهو ما جعل لكل منهم هواجسه الخاصة".

وشخصيًا، تخشى صفاء من أن يتم إغلاق المنطقة وفصلها عن محيطها، ومن صعوبة الوصول إلى عائلتها في قرية عرابة بمنطقة جنين، أو زيارتهم لها، أو أن يصبح التنقل بتصاريح كما في القرى التي عُزلت بالجدار.

خلال حديثها مع "نوى"، كانت ابنة شقيق زوجها "سارة"، التي تبلغ من العمر عامين فقط، تجلس إلى جانبها مُحاولةً الإمساك بهاتفها، وتنادي "إيات إيات"، توضح صفاء ضاحكة: "إنها تقصد زوجي إياد "عمها" الوحيد في العائلة، الذي يعمل في مدينة طوباس ويجلب لها الحلوى يوميًا، وتنتظره طوال النهار". ففي المنطقة لا يوجد محال أو دكاكين لشراء حاجاتهم الأساسية.

وإن كان كل ما تتطلع إليه هذه الطفلة هو أبسط تفاصيل الحياة العادية لغيرها من الأطفال، تبدو والدتها أشد خوفا من هذا "الضم"، فهي حامل في شهرها السابع، وأقرب مقر صحي يقع في مدينة "طوباس" التي قد تنقطع الطريق إليها في حال بدأت "إسرائيل" فعليًا بتطبيق خطة الضم.

تقول أم سارة: "أعيش حالة رعب دائمة منذ بدء الحديث عن الضم، هل سيكون متاحًا لنا التنقل؟ أم سننضم إلى "إسرائيل" ويصبح عليّ الولادة في المستشفيات الإسرائيلية؟ أو سيكون علينا الخروج إلى المستشفى بطوباس بتصريح، أفكر بهذه التفاصيل يوميًا دون أن أجد إجابة تريحني".

هذا الخوف وإن كان مضاعفًا لدى أم سارة، إلا أنه شعور دائم لأهالي المنطقة، الذين يتوقعون خطرًا قادمًا دون تحديد شكله، وخاصة مع عدم تواصل أحد من المسؤولين الفلسطينيين معهم، أو تقديم نصائح لهم حول ما الذي يمكن فعله في حال فرض عليهم الضم.

ورغم هذا الخوف، فإن البحث عن خيارات أخرى غير هذه الأرض بالنسبة لهم غير مطروح، كما تقول صفاء.

توافق على حديثها أم سارة عندما قالت: "نحن اخترنا العودة إلى هذه الأرض، ومنذ البداية كان على من لا يستطيع مواجهة هذه الصعوبات والصمود في أرضه عدم العودة، فلم يعد أمامنا أي مكان للانتقال إليه".

كاريكاتـــــير