شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الجمعة 10 يوليو 2020م10:08 بتوقيت القدس

"تأخر الرواتب" صخرةٌ على ظُهور نساء غزة!

30 يونيو 2020 - 17:33
من الأرشيف
من الأرشيف

قطاع غزّة:

لم يعُد أحدٌ هنا يبتسم! الكل عابسٌ يؤدي دوره بإتقانٍ في تمثيلية "الحياة" داحل قطاع غزة، يسيرون بين الأزقة يتساءلون: "متى موعد الرواتب؟ قولك راح ينزل راتب هذا الشهر؟ راتب ولا راتبين؟" ثم يرفعون أيديهم نحو السماء، فالأمر في هذه البلاد حقيقةً متروكٌ للسماء.

"لا جدوى من الأسئلة، تعوّدنا على "القِلة"" تقول سهى التي تمرّ أمام بسطة خضار، انتقت منها أكثرها ضررًا كي تجبر صاحبها على مراعاتها في سعر الشراء.

"بالطول بالعرض مطلوب منّي أدبر أمور المنزل"، تعقب بعد تنهيدةٍ، وتخبرنا "أنا ربة منزل وأم لثلاث بنات وولدين، وزوجي موظف بالسلطة الفلسطينية، لم يتقاضَ راتبه منذ شهرين (..) ليس من السهل أن تتأقلم أسرة مكوّنة من سبعة أشخاص، بينهم طالبين في الجامعة مع راتب لا يتجاوز الـ 1500 شيكل، فما بالكم وهو الذي لم يحصل على راتبه هذا منذ أكثر من شهرين؟".

تقرير "مساحة الموت" الصادر عن المرصد "الأورومتوسطي" لحقوق الإنسان في يناير/ كانون الثاني من العام الجاري، كشف عن أن الفقر ضرب أكثر من نصف سكان قطاع غزة البالغ عددهم نحو مليوني نسمة، تزامنًا مع انقضاء 14 عامًا من الحصار الإسرائيلي المطبق على أنفاس هذه البقعة من الأرض.

يوثق التقرير تضاعف نسب ومؤشرات الأزمة الإنسانية في القطاع "بشكلٍ صادم"، مشيرًا إلى أنه في الوقت الذي كانت نسبة البطالة بين السكان تبلغ نحو 23.6% عام 2005م، وصلت اليوم -مع بداية عام 2020م- لأكثر من ضعفها بنسبة 52%، لتكون من بين أعلى معدلات البطالة في العالم بسبب إغلاق عشرات الشركات والمنشآت والمؤسسات.

"أعتقد أن الكلام لن يفي الوضع حقّه" تتابع سهى وهي تفتح أكياس الخضار التي اشترتها قائلة: "ربّما الصورة هنا أبلغ، فهذه برارة السوق -تقصد أردأ بضاعة فيه- أشتريها بسعرٍ زهيد كي أدبّر طعام يومنا، لكن ما يهوّن علينا أن الحال ليس علينا وحسب، وإنما كل الموظفين يعيشون نكبة الرواتب".

الرئيس محمود عباس، كان أعلن في 19 مايو/ آيار الماضي، أنّ السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير الفلسطينية، في حلٍ من الاتفاقات والتفاهمات مع الحكومتين الأميركية والإسرائيلية، ومن جميع الالتزامات المترتبة عليها بما فيها الأمنية. وذلك رداً على مخططات الضم التي تتهيأ دولة الاحتلال الإسرائيلي للبدء بتنفيذها على الأرض، لتبتلع ما يزيد عن 30% من مساحة الضفة الغربية، وهو الأمر الذي ردت عليه "إسرائيل" بوقف التنسيق المدني مع السلطة، ووقف تحويل أموال الضرائب.

لعل الشوارع تكشفُ جزءًا من تأثير الأزمة على حياة الناس، فكيف هو الحال داخل المنازل؟ وكيف يقع أمر التدبير هذا على عاتق النساء تحديدًا؟ 

"الأثر المباشر لعدم صرف الرواتب، يأتي فوق رؤوسنا نحن"، تعبّر أماني حسين بنبرة غضب، مضيفةً: "المتضرر الأكبر نفسيًا وبشكل مباشر هن النساء، كونهن "الحاضنة والمدبّرة" للمنزل بكل الأحوال".

أماني أمٌ لتسعة أفراد، تسكن في بيت إيجاره ٥٠٠ شيكل شهريًا، راتب زوجها ١٧٠٠ شيكلًا يخصّص منهم مقتطعات: ماء وكهرباء، وحليب، وحفاضات لطفليها التوأم، ثم للاحتياجات الأساسية من المأكل والمشرب، قبل نصف الشهر بالكاد يتبقى معنا بضعة شواكل".

تضيف: "منذ بداية الخصم على الرواتب في العام ٢٠١٧م، وصولًا إلى عدم الحصول عليه لمدة شهرين متتالين اليوم بسبب أزمة "كورونا"، باتت مشاكلي مع زوجي تزداد كلما فكرت بطلبٍ ما لاحتياجات العيش".

وتتابع: "من أشهر العبارات التي أسمعها منذ ثلاثة أعوام: "من وين أجيب مصاري؟ أحرق حالي وأجيب مصاري؟ إعملي أي شي، إنتِ بتعرفيش تدبري أمورك في الموجود؟" ثم يتطور الأمر بعد الصراخ إلى الضرب أحيانًا، تستدرك: "أقدر الحالة النفسية التي يعيشها في ظل كثرة التزاماتنا، لكن ماذا عن حالتي أنا أيضًا؟ من يقدرها؟".

وفي قصّةٍ ثالثة، تخبرنا نصرة أحمد أنها أُجبرت على العمل في المنازل كمساعدةٍ للهرب من الفقر من جهة، وللهربِ من "عصبية زوجها" من جهة ثانية، تحاول تأمين مبلغٍ إضافي من المال لمساندة أسرتها، تعلق: "لست مخيرة بل مجبرة على العمل بهذه المهنة، لديّ من الأمراض ما يهدّ جبال، خاصة أنني أعاني من غضروف في الرقبة والظهر، إلا أن هذا العمل يكاد يكون الحل الوحيد للحصول على المال، وتدبير احتياجاتنا الملحة".
تقول: "الناس هنا يظنون أن موظفي السلطة وأسرهم سعداء، كون رواتبهم ثابتة، وإن تضررت بعض الشيء، فإنها تعود كمستحقات لهم، لكنهم لا يعلمون أن الراتب يُصرف -كله- في أول يومين من الشهر، ما بين تلبية احتياجات وسداد ديون".

إيجار المنزل واحتياجات الأبناء، وربما أدوية طفلٍ مريضٍ بالفشل الكلوي، وأيضاً مستلزمات المأكل وغيرها، تكاليفٌ لا تقوى عليها الطبقة الوسطى في غزّة. الموظفون هنا لا يملكون سندًا إلا رواتبهم، وعلى نسائهم يقع حمل "التدبير".. كيف يمكن لكل هذا أن يمر بسلامٍ أخبرونا؟

صــــــــــورة