شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الجمعة 10 يوليو 2020م08:17 بتوقيت القدس

نحو مشهدٍ ثقافي "وحدوي"

غزة.. كاتباتٌ يُلقين "الحصى" في مياه "الانقسام" الراكدة

27 يونيو 2020 - 17:38

شبكة نوى، فلسطينيات: "الثقافة" وفق أحد التعريفات العالمية، هي "إرثٌ اجتماعي" خزّنه الشخص في كتُبه، أو حتى ذاكِرته، حول مكنونات حياة الشعوب، لا سيما الشعب الذي ينتمي إليه. وبما أن "الثقافة" هي رصيد الثوابت الوطنية التي يتوارثها المجتمع عبر نتاج فكر المثقفين على مدار الزمن، فهل يمكن أن نتخيل المكنونات التي خزّنها الواقع الثقافي الفلسطيني عبر 14 عامًا من "الانقسام"؟ تلك النقطة السوداء في تاريخ القضية، التي أضحت كفكر "إرثًا" تتناقله الأجيال –إلا لدى من رحم الله- في كل تفاصيل الحياة: السياسة، والاقتصاد، والاجتماعيات، وحتى الثقافة!

المشهد الثقافي في قطاع غزة على وجه التحديد، يعاني "طغيان السياسة"، حين غُيبت المؤسسات الرسمية القادرة على النشر والإنتاج الأدبي عن المشهد الثقافي، ولم تساهم –إلا فيما ندر- بدعم الحالة الثقافية الفلسطينية، حتى أضحت آلاف الروايات والقصص والقصائد مدفونة في جوارير النسيان لدى أصحابها، الذين أمعن الإحباط في اغتيال أرواحهم، فقرروا أن الأولوية في غزة هي لـ "لقمة العيش" وحسب.

د.سهام أبو العمرين، أستاذة النقد وعضو الأمانة العامة لاتحاد الكتاب والأدباء الفلسطينيين، أكدت أن "الانقسام" هو أسوأ مرحلة مرت بها فلسطين على صعيد المشهد الثقافي برمته "كونه جزءًا من المنظومة الوطنية".

وقالت لـ "نوى": "يعيش المثقف أزمة اغتراب الذات، التي انعكست على قضاياه وواقعه، وجعلته مغيبًا عن المشهد الثقافي، وعن الواقع، فالنخبة غالباً تنسحب من المشهد الثقافي ولا تقوم بدورها في تنشيطه، في ظل وضعٍ سياسي غير مريح، كما الانقسام".

ولا يقل أثر الحصار سوءًا عن الانقسام كما تقول أبو العمرين: "فقد كان له أثر في انحسار الذات الثقافية الفلسطينية، لأنه قطع المثقف عن العالم الخارجي، وتركه مغيبًا عن المشاركة في معارض الكتاب السنوية التي تقام خارج فلسطين، باستثناء مشاركات فردية شحيحة".

تطلق أبو العمرين تنهيدة أسف، قبل أن تكمل: "الوضع السياسي ترك أثرًا على الواقع المعيشي، فاقتصرت كل طموحات المواطن الغزي في توفير لقمة العيش، وهذا انعكس على الوضع الثقافي: هل يشتري المواطن كتابًا أم رغيف خبز؟"، مطالبةً المؤسسة الرسمية الفلسطينية بالقيام بدورها في انتشال المشهد الثقافي من هذه الأزمة، والتواصل مع مثقفي قطاع غزة، وعدم اعتبارهم جسمًا غريبًا عن الوطن.

وتستدرك حديثها بالقول: "المثقف مطالب بالتعالي على الانقسام والحزبية المقيتة، وتكثيف كل الجهود للخروج من هذه الأزمة، والقيام بدوره في تحريك المشهد، والمساهمة في تشكيل الوعي  الجمعي وتحويله إلى ثورة".

تتفق معها الكاتبة يسرا الخطيب، حين قالت: "إن الانقسام أوجد واقعًا مأزومًا أضاع هوية المثقف والمبدع الفلسطيني، الذي يعد الأكثر استشرافًا وتنبؤًا بالمستقبل، فخلق جيلًا مهزومًا، يائسًا، عاطلًا عن العمل، وعاطلًا عن الأمل في مستقبلٍ يوفر له حياة كريمة بأدنى مقوماتها".

وتضيف: "الانقسام أعاد القضية الفلسطينية إلى نقطة البدء، فهو لا يقل سوءًا عن النكبة والنكسة، بل هو نكبتنا الحديثة التي لم نستطع حلها منذ 14 عامًا ويزيد"، ملفتةً إلى أن "الانقسام" أضحى همًا جمعيًا طال المثقف والمبدع، كما طال قليل الحظ من التعليم في قطاع غزة، فدفع جلهم إلى الهجرة بحثًا عن وطنٍ بديل، يمنحهم "فسحة من أمل" في تأسيس حياة تليق بهم.

"وهذا أصعب من الانقسام ذاته، حين يرى المفكر والمثقف والمبدع الوطن مقبرةً  لفكره وأحلامه وطموحاته وإنسانيته بالتحديد، يذهب بعيدًا ليصطدم بواقعٍ آخر في خضم البحث عن وطن جديد، حين لا يمنحه إلى الذل والتسول والقمع" تزيد.

 ومن تبعيات "الانقسام" وفقاً للخطيب، أنه جعل من المثقف أسيرًا لأجندة البعض، محاصرًا ومحجوبًا عن العالم، فخضع لنكران ذاته الحرة، وسار عكس تياره وقناعاته، حتى لا يخضع للمساءلة، ولا تطاله يد القمع  والاعتقال، "وهذا ما جعل المشهد الثقافي في ظل الانقسام، أكثر هزالة وتشوهًا، بلا ملامح وبلا رؤية مستقبلية بنيوية" تردف.

تكاد الخطيب تجزم، أن المشهد الثقافي والتوعوي في فلسطين –وفي قطاع غزة على وجه التحديد- يكاد يلفظ أنفاسه –لولا الحراكات الخجولة- التي يحاول أن يصنعها المبدعون المؤمنون بالصمود، وبالقضية العادلة، "هؤلاء لم يكفّوا عن إلقاء الحصى في المياه الراكدة، لتنبيه المؤسسات الثقافية، والاتحاد العام للكتاب إلى عدالة مطالبهم"، منبهةً إلى أن المثقف الغزي يعاني من "حصار" آخر غير المفروض على قطاع غزة منذ أكثر من عقد، "فهو يعيش أزمة نشر لنتاجه الأدبي، وغياب أدوار المؤسسات الداعمة لفكره".

ولا تختلف الكاتبة رشا فرحات في رأيها عن رأي سابقاتها، حين تحدثت عن الانعكاسات التي تركها الانقسام وتبعاته من حصار وتضييق، "فالانقسام –تقول لـ "نوى"- أفرز وزارتَي ثقافة، وجسمين نقابيين، وجمهور منقسم ما بين الكُتاب التابعين لهذا الفصيل أو ذاك"،  "وكل هذه الانقسامات، ألقت بظلالها على الكاتب الفلسطيني، الذي وجد نفسه أسيرًا لوضعٍ سياسيٍ مأزوم" تتابع.

تحاول فرحات، أن تفرض استقلاليتها ككاتبة بأن تظل على مسافةٍ واحدة من الجميع، وأن لا تحسب على طرف أو آخر ،لأن هذا من شأنه وفق رأيها أن يُخسرها جمهور، ناهيك عن قناعتها الخاصة، بأن الكاتب يجب أن يبقى طليقًا لا يتبع أحد، وعليه، تمتنع فرحات من الانضمام لأي نقابة أو رابطة أو اتحاد يحسب على أي طرف متحزب كان.

أمام الوضع الثقافي المأزوم الذي لم يتغير منذ 14 عامًا، تبدو فرحات حزينةً للغاية، وهي تقول: "نحن من دفعنا الثمن، نحن لا نستطيع أن نشارك في أي فعاليات خارج الوطن، نحن محرومون من المشاركة في أي فعاليات محسوبة على وزارة الثقافة في رام الله، بسبب  الانقسام، والحصار، أو حتى التبعية السياسية في بعض الأوقات".

وتختم بالقول: "أنا لا أستطيع التواصل مع المؤسسات الثقافية خارج الوطن، كُتُبنا يمكن أن تشارك في معارض خارجية، أما نحن الكُتّاب، فلا نملك حرية السفر بسبب الانقسام والحصار الذي ندفع ثمنه –نحن المواطنون- ونحن فقط، حتى هذا اليوم".

صــــــــــورة