شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الجمعة 10 يوليو 2020م10:09 بتوقيت القدس

تترقب بقلق قرار "ضم الأغوار"

"رفقة" تُعاهدُ "كردلة": لن أُكرر "غلطة النكسة" (فيديو + صور)

22 يونيو 2020 - 05:22

الأغوار/ شبكة نوى-فلسطينيات:

تستحضر الحاجة رفقة القاسم "أم نبيل" كلما تحدث أحدهم عن نية الاحتلال ضم قريتها "كردلة" الواقعة في منطقة الأغوار، معاناتها التي عاشتها عام 1967م، عندما اضطرت إلى تركها والنزوح نحو الأردن، بعد أن اندلعت حرب حزيران "النكسة".

تتذكر أم نبيل (75 عامًا) المشهد كأنما تراه للتو، حين خرجت من منزلها بعد قصفه بقذيفة مدفعية هدمَت أجزاءً منه، كانت حينها تحمل ابنتها البكر على كتفها، وتمسك طفلها الرضيع بين يديها، في الوقت الذي كان فيه طفلها الثالث يهرول خلفها ممسكًا بطرف ثوبها.

مشَت طويلًا في الأراضي الوعرة لتهرب بهم من القصف والنار، هكذا حتى وصلت إلى الأردن "هذا قبل أن يقرر زوجي، ومعه خمسة عشر رجلًا، العودة إلى القرية وتعميرها من جديد" تقول.

أكثر من خمسة عقود مرت على "النكسة"، رغم ذلك تتذكر أم نبيل كافة تفاصيلها بألم، وتسرد مشاهدها بارتجافةٍ تكسو نبرة صوتها، الفرق هذه المرة يكمن في أنها "لن تكرر التجربة هذه المرة مهما كانت العواقب" في حال نفذت "إسرائيل" خطة الضم التي تستهدف منطقة الأغوار، وقريتها على وجه التحديد.

تضيف: "قلتُ لأبنائي لن أخرج من بيتي، لو هدموه على رأسي هذه المرة".

كانت تجلس في منزلها الذي يعتلي تلة، ويطل على بساتين العنب والنخيل والخضار، تروي "رحلة العذاب" كما تصفها خلال حديثها لـ"نوى" في تلك الحقبة، فبدأت حينما خرجت من منزلها آخر أيام الحرب، حيث تقدمت كتيبة من جيش الإنقاذ إلى قريتها، ولاحقتها القوات الإسرائيلية بالقذائف، وقتلت عناصرها جميعًا، "كانوا 26 مقاتلًا كلهم قضوا على مسافةٍ ليست ببعيدةٍ عن بيتها" تؤكد.

هُدمت أجزاء من منزلها بعد سقوط قذيفة عليه، فخرجت في عتمة الليل بأطفالها الثلاثة (نبيلة (4 أعوام)، وسمير (شهران)، ونبيل (3 أعوام))، و"بكجة" ملابسهم وطعامهم على ظهرها.

خلال ذلك هُدمت أجزاء من منزلها بعد سقوط قذيفة عليه، فخرجت في عتمة الليل بأطفالها الثلاثة (نبيلة (4 أعوام)، وسمير (شهران)، ونبيل (3 أعوام))، و"بكجة" ملابسهم وطعامهم على ظهرها، بينما كان زوجها يجر البقرة التي كانوا يملكونها، ويحمل بعض الأواني والطحين.

من قريتها إلى منطقة المالح، كانت الطائرات الإسرائيلية تحوم فوق رأسها، ومن معها من أهالي القرية، تقصف كل ما تلاحظه يتحرك، تذكر كيف استشهدت أمامها ابنه القرية "مريم خليل" وهي تحمل أواني المطبخ التي "كانت تلمع على رأسها"، وبقيت من الخوف كلما مرت طائرة، تلقي بابنتها التي كانت ترتدي آنذاك ثوبًا مزينًا بخيوطٍ فضية إلى الأرض خشية أن ترصدها الطائرات فتقتلهم.

يوم وليلة، استغرق نزوح أم نبيل وعائلتها بين الجبال حتى وصلت إلى قرية تدعى "خباريس" الحدودية، وبقيت فيها أسبوعًا، ومنها انتقلت إلى منطقة تسمى "وادي اليابس" في الأغوار الأردنية، وعاشت وعائلتها مدة شهر ونصف، على ما تنتجه بقرتهم من حليب ولبن وما تصنع هي من "خبز حاف".

تقول:" لم أستطع الاستمرار بالعيش هناك، كانت الظروف قاسية جدًا، حتى قرر زوجي وعدد من أبناء القرية العودة من جديد، بعد أن هدأت الحرب". حينها، تكمل: "عندما وصلوا إلى القرية، صُدموا بجزءٍ كبيرٍ من منازلها قد هدم، بينما طال التدمير معظم الأراضي الزراعية، لقد باشروا بإعادة تعميرها فورًا".

يصل عدد أبناء قرية "كردلة" اليوم إلى 600 مواطن، فيما استقر العدد الأكبر من عائلاتها المهجّرة في الأردن منذ عام "النكسة".

"أم نبيل" وزوجها عادا إلى زراعة أرضهم، وإنتاج الخضراوات التي اشتهرت بها القرية، حتى صارت جزءًا هامًا من سلة خضار الضفة الغربية.

كانت أجود الأصناف تخرج منها حتى السنوات العشر الأخيرة، حينما بدأت سلطات الاحتلال بتضييق الخناق على الأهالي، ليس بمصادرة أراضيهم فقط لصالح المستوطنات التي بنيت حول القرية، وإنما بسرقة المياه وإعادة بيعها لهم وبكميات شحيحة.

بالنسبة لأم نبيل وأبنائها الخمسة، الذين يسكنون بالقرب منها، ويعملون جميعًا في الزراعة، فإن "مخطط الضم الإسرائيلي الذي يستهدف الأغوار أساسًا"، وكيف سيؤثر على حياتهم؟ هو حديثهم اليومي، الذي يتداولونه فيما بينهم، دون أن يجدوا إجابة شافية.

يتساءل الجميع هنا: "هل ستُغلق القرية بالكامل ويُمنع الأهالي من التواصل مع باقي أقاربهم في الضفة الغربية؟ أم سيكون عليهم المرور عبر بوابات عسكرية تتحكم بحركتهم، وحركة من يزورهم ؟ أم سيتم ضمهم إلى "إسرائيل" وحينها سيصبح تنقلهم عبر التصاريح؟

يتساءل الجميع هنا: "هل ستُغلق القرية بالكامل ويُمنع الأهالي من التواصل مع باقي أقاربهم في الضفة الغربية؟ أم سيكون عليهم المرور عبر بوابات عسكرية تتحكم بحركتهم، وحركة من يزورهم على غرار القرى التي بنت "إسرائيل" حولها الجدار؟ أم سيتم ضمهم إلى "إسرائيل" وحينها سيصبح تنقلهم عبر التصاريح؟.. "لا أحد يعلم" تقول أم نبيل.

ولكن أكثر ما يشغل بالها، ابنتها "سميرة"، المتزوجة من أحد أبناء العائلة الذين استقروا في الأردن بعد نزوحهم. تفكر كثيرًا في مصيرها بعد الضم. هل ستتمكن من زيارتهم أم ستُحرم من رؤيتها؟ "لن نعيش كما كنا بالتأكيد، سيطروا على حياتنا بالكامل، لن نستطيع أن نتحرك أو أن نبني ونزرع" تزيد.

وعن البدائل التي تملكها عائلة أم نبيل، فتكمن في خيارٍ وحيد يتلخص في "البقاء في أرضهم ومنازلهم، ولو هدمت فوق رؤوسهم، وعدم تكرار ما عاشوه قبل اليوم من أحداث مرعبة، خلال عام النكسة.

"طيب مش خايفة على أولادك وأحفادك؟"، سألناها، فردت: "ربنا بحميهم، ولكن لن نخرج ونترك أرضنا لليهود مرة أخرى".

 

 

صــــــــــورة