شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الثلاثاء 14 يوليو 2020م00:24 بتوقيت القدس

عمالة الأطفال.. أقدام الفقر تسحقُ "مستقبل" غزة

17 يونيو 2020 - 22:20

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

كان أصغر أطفال أم لؤي حنيدق، التي تقطن جنوب قطاع غزة، يجمع البلاستيك من مكب النفايات القريب من منزله، عندما باغتته لدغة عقرب.

برفقة أخويه يخرج الطفل يوميًا إلى المكب، فيجمع برفقتهم كل ما يستطيعون حمله من حجارةٍ وقطعٍ بلاستيكية، لبيعها بأسعارٍ زهيدة، بغرض توفير المال الذي بالكاد يكفي ثمنًا لطعام وشراب أسرتهم التي تعيش تفاصيل المعاناة بحذافيرها.

تقول حنيدق لـ "نوى"  بصوتٍ تخنقه الحسرة: "مرِض والدهم، وأصيبت يده اليمنى بالشلل الكامل، فاضطررت لإرسالهم إلى العمل كي يؤمنوا قوت يومهم"، مؤكدةً أن مهنة أطفالها هذه لا تخلو من مخاطر الإصابة بالجروح واللدغات وحتى من تعنيف المارّة، "ناهيك عن تلوث المكب، ومخاطره الصحية".

"أسمى أمنيات طفلي لؤي (15 عامًا)، أن يملك عربةً ينقل عليها ما يجمعه، فيخفف عنه وعن إخوته عبء العمل ومخاطره".

وتضيف: "باتت أسمى أمنيات طفلي لؤي (15 عامًا)، أن يملك عربةً ينقل عليها ما يجمعه، فيخفف عنه وعن إخوته عبء العمل ومخاطره"، ملفتةً إلى أن طفلها هذا يطمح إلى استكمال تعليمه، لعله يستطيع الحصول على وظيفةٍ جيدة يلبي راتبها احتياجات الأسرة البسيطة "وحتى ذلك الحين، عليه أن يستمر في هذا العمل المضني" تزيد.

"عمالة الأطفال" لا تزال معضلةً تحوم في شوارع القطاع، بل تتفاقم بصورةٍ متسارعة، رغم مرور عدة سنوات من النداءات للمطالبة بإيجاد حلولٍ جذرية لها، إذ قفز عدد الأطفال الملتحقين بسوق العمل من بضع مئات، إلى آلاف، لتبقى التساؤلات حول الحلول المنشودة؟ ومن الذي يتحمل المسؤولية؟ جدليّةً بلا إجابات قاطعة.

وتشير بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني عام 2019م، إلى أن (2%) من أطفال غزة، هم ممن يقعون في الفئة العمرية بين (10 و17 عامًا) ويُستخدمون في أعمالٍ بدوام كامل أو دوام جزئي، مرجحًا أن النسبة الحقيقية أعلى من ذلك، بالنظر إلى أن عدد الأطفال ممن تقلّ أعمارهم عن (10) أعوام وينخرطون في عمالة الأطفال غير معروف.

فقر وعجز اقتصادي

بالعودة إلى حنيدق، التي أوضحت أن كيلو البلاستيك الذي يجمعه أطفالها، لا يتجاوز سعره النصف شيقل فقط، "وحتى لو عملوا طوال النهار، فإنهم لن يحصلوا على مبلغ يكفي احتياجاتهم (..) لقد اعتادوا على هذا الواقع، واكتفوا بالمردود البسيط ليكملوا حياتهم" تردف.

أزمة "كورونا" أثرت على العائلة، عندما أثارت في قلب الأم هواجس قوية، حول إمكانية انتقال المرض لأبنائها من مخلفات المكب "الذي يمكن أن ترمى فيه مخلفات المصابين" على حد ظنها.

بلغت مستويات الفقر في القطاع مستويات قياسية، إذ يعيش (33.8%) من السكان تحت خط الفقر المدقع، في حين يعاني (70%) منهم  انعدام الأمن الغذائي.

وبلغت مستويات الفقر في القطاع مستويات قياسية، إذ كشفت وزارة التنمية الاجتماعية بغزة في أكتوبر/ تشرين أول 2019م، أن (33.8%) من السكان يعيشون تحت خط الفقر المدقع، وأن (70%) منهم يعانون من انعدام الأمن الغذائي.

وفي حديثه لشبكة "نوى"، يوضح الطفل عبد الحميد (17عامًا)، الذي يعمل في مشغل للخياطة، أنه يحاول بكل ما يملك من جهد مساندة والده في مصاريف البيت.

وحول ظروف العمل يقول: "أبذل مجهودًا كبيرًا، وأشعر دائمًا أنني في المكان غير الصحيح، هذا عبء كبير على من هو في مثل عمري، لكنني لا أستطيع رفضه في ظل الظروف التي تعيشها أسرتي".

وأردف وفي عينيه نظرة أمل: "وضعي أفضل بكثير من أوضاع أطفال آخرين يجوبون الشوارع ليل نهار لبيع بعض الحاجيات، هم يتعرضون لكافة أشكال الابتزاز والاستغلال التي لا يطيقها أحد".

أسباب متعددة وفوقها كورونا!

و"تتعدد الأسباب التي تدفع الأطفال إلى اللجوء للعمل في ظل ظروف صعبة، وأجور لا تنصفهم، ولكنه الحل الوحيد –كما يراه البعض- لتفادي الموت جوعًا، أو مد اليد للناس في كل وقت تصرخ فيه أمعاؤهم" يعقب رئيس اتحاد نقابة العمال في غزة سامي العمصي.

العمصي: حالة الركود التي يمر بها الاقتصاد الفلسطيني، وارتفاع نسب البطالة، هي أهم الأسباب التي تدفع أهالي الأطفال إلى توجيههم نحو العمل.

ويضيف في حديث لـ"نوى": "تكمن الأسباب الرئيسية لظاهرة عمالة الأطفال، في حالة الركود التي يمر بها الاقتصاد الفلسطيني، وارتفاع نسب البطالة، التي تدفع أهالي الأطفال إلى توجيههم نحو العمل"، منوهًا إلى أن ارتفاع نسبة الخريجين العاطلين عن العمل يعد سببًا آخرًا يدفع الأشبال وصغار السن، إلى اختصار الطريق والتوجه للعمل مباشرةً، "فهم يرون مستقبلًا مجهولًا وغير مضمون هنا" يكمل.

ويرى العمصي أن جائحة كورونا أثرت في كبرى اقتصاديات العالم، والاقتصاد الفلسطيني ليس بمنأى عن ذلك "فهناك حوالي (140) ألف عامل توقفوا عن العمل، مما يعني زيادة نسبة الفقر والبطالة، وبالتالي لن يتردد أرباب الأسر في إلحاق أبنائهم بسوق العمل إن أتيحت لهم الفرصة".

تقول منظمة العمل الدولية: إن هناك (102000) طفلًا، ممن هم دون (18 عامًا)، تركوا مقاعد دراستهم في الضفة الغربية وقطاع غزة مع نهاية العام 2019م، أي مطلع فترة وصول الجائحة.

وكانت منظمة العمل الدولية، حذرت من مؤشرات خطيرة تنمو تحت ظلال الانعكاسات المدمرة لجائحة "كورونا"، حيث أن هناك (102000) طفلًا، ممن هم دون (18 عامًا)، تركوا مقاعد دراستهم في الضفة الغربية وقطاع غزة مع نهاية العام 2019م، والتحقوا بسوق العمل المحلي، في محاولةٍ منهم لمساعدة ذويهم على مواجهة تحديات الفقر.

ويرى العمصي، أن معالجة ظاهرة عمالة الأطفال تبدأ من مسبباتها قبل أي شيء، وذلك بتحمل المؤسسات مسؤولياتها تجاه العمال المتضررين، خاصةً في ظل جائحة "كورونا" المفاجئة، فما قُدِّم للعمال لا يساوي شيئًا أمام الضرر الذي أصاب عوائلهم.

تقصير واضح

ولفت إلى أن عمالة الأطفال تحت سن (15 عامًا)، مخالفة للقانون في الأصل، "ومهما حاولنا  تحسين ظروف العمل، يبقى هذا طفل، ويمكن استغلاله، لأنه يعمل في ظروفٍ غير طبيعية، إضافة إلى أنه غير مدرك لقانون العمل، وهناك نماذج كثيرة لاستغلال الأطفال من قبل أرباب العمل" يعقب.

عمالة الأطفال تحت سن (15 عامًا)، مخالفة للقانون في الأصل، "ومهما حاولنا  تحسين ظروف العمل، يبقى هذا طفل، ويمكن استغلاله، لأنه يعمل في ظروفٍ غير طبيعية".

وعن دور المؤسسات المعنية في متابعة ظروف عمل الأطفال والمساهمة في تحسينها، أكد العمصي وجود تقصير كبير من جانبها جميعًا، فالضبطية القضائية لمفتشي وزارة العمل داخل الأماكن التي يعمل فيها الأطفال غائبة عن المشهد، مما يشجع أصحاب العمل على انتهاك حقوق الأطفال العاملين لديهم بشكل أكبر.

ونبه إلى أن القانون الفلسطيني الذي يتيح عمل الأطفال من سن (15 إلى 17 عامًا) ضمن قانون عمالة الأحداث "هو ظلم  بحد ذاته، مما يدفع لاستغلال الطفل تحت مظلة هذا القانون".

وذهب رئيس اتحاد النقابة بغزة للقول: "الأصل ألا تتواجد عمالة الأطفال في الأراضي الفلسطينية التي تزخر بالأيدي العاملة، فلماذا نلجأ لسن قوانين تسمح بعمالة الأطفال وهناك الآلاف من الشباب بحاجة للعمل؟".

معايير عمل الأطفال

وفي السياق يقول نائب مدير عام التفتيش وحماية العمل في وزارة العمل شادي حلس: "إن نسبة عمالة الأطفال في الضفة الغربية وقطاع غزة تقدر بنحو (5%)"، مشددًا على أن القانون يحظر تشغيل الأطفال دون سن (15 عامًا).

وأفاد لشبكة "نوى"، أنه في حال تم رصد عمل أي طفل داخل منشأة دون هذا السن، فإنه "يتم توجيه صاحب العمل بضرورة تسريحه فورًا تحت طائلة المساءلة القانونية، ثم تحويله للنيابة فيما بعد".

المادة (14) من قانون الطفل الفلسطيني، والمادة (93) من قانون العمل، تحظران تشغيل الأطفال دون سن الخامسة عشرة؛ ويسمح بعمل الأطفال ما بين 15 و17 سنة، بشروط معينة.

وبيَّن أن المادة (14) من قانون الطفل الفلسطيني، والمادة (93) من قانون العمل، تحظران تشغيل الأطفال دون سن الخامسة عشرة؛ ويسمح بعمل الأطفال ما بين 15 و17 سنة، بشروط معينة منها (والحديث لحلس): ألا تكون هذه الأعمال خطرة، وأن تكون ساعات العمل قصيرة، وأن يتوفر الكشف الطبي فيها للأطفال كل 6 أشهر، مضيفًا: "لقد تم تعديل قانون الطفل الفلسطيني، وإدراج عمل الطفل لدى الأقارب من الدرجة الأولى ضمن عمالة الأطفال".

وذكر أن هناك (240) منشأة يعمل فيها أطفال أحداث (ضمن السن القانوني المسموح له بالعمل)، وتقوم الوزارة كل فترة بزيارة هذه المنشآت للتأكد من تطبيق شروط السلامة.

أما عن الأطفال الذين يعملون خارج المنشآت وبشكل حر، فأشار حلس، إلى أن وزارة العمل لا تمتلك أي صلاحية بالرقابة عليهم، "فالقانون حدد دور الوزارة كضابط بين علاقة العمل التي توجد بين عامل وصاحب عمل وفيها أجر".

حلس: نمارس دورنا بالتعاون مع النيابة، ونتدرج في العقوبات حسب القانون، ونعطي مهلةً لصاحب العمل من أجل تحسين الظروف في حال التقصير.

وختم نائب مدير عام التفتيش وحماية العمل حديثه بالقول: "نمارس دورنا بالتعاون مع النيابة، ونتدرج في العقوبات حسب القانون، ونعطي مهلةً لصاحب العمل من أجل تحسين الظروف في حال التقصير"، ملفتًا النظر إلى أن المخالفات التي قد تهدد الأطفال بشكل كبير يكون التعامل معها على مبدأ العقوبة الأقصى، التي قد تصل إلى إغلاق المنشأة.

دور للمؤسسات الحقوقية

بدوره، يقول مدير مركز الميزان لحقوق الإنسان في غزة عصام يونس: "المراكز الحقوقية لا تمتلك برنامج خاص للرقابة على المنشآت وحماية الأطفال من استغلال أرباب العمل"، مشيرًا إلى أن هذا الأمر "يندرج ضمن المطالبات العامة التي نسعى لتحقيقها باستمرار، فمن حق الطفل الابتعاد عن كل خطر قد يشكل تهديدًا على صحته ونموه".

وشدد يونس في حديثه لشبكة "نوى"، أن العوز الاقتصادي يجب ألا يشكل سببًا لتشغيل الأطفال، "وتلك مهمة تقع على عاتق الدولة والسلطات المعنية والحكومة، في منع قيامهم بأي عمل خطير".

يونس: القانون الفلسطيني الذي يسمح بعمل الأطفال عند سن (15 عامًا) يستوجب التعديل، "فالطفل مستقبل المجتمع، ويجب أن يبقى بعيدًا عن كل تعب وخطر.

ورأى يونس أن القانون الفلسطيني الذي يسمح بعمل الأطفال عند سن (15 عامًا) يستوجب التعديل، "فالطفل مستقبل المجتمع، ويجب أن يبقى بعيدًا عن كل تعب وخطر، بل ويجب توفير كل الظروف لخلق شخصية سوية وسليمة".

وينص قانون الطفل الفلسطيني المعدل، المادة (14)، على مراعاة المعايير والضوابط الواردة في قانون العمل، واللوائح الصادرة بموجبه.

ويعاقب القانون كل من يخالف أحكام هذه المادة، بغرامةٍ مالية لا تقل عن ألف دينار أردني، ولا تزيد عن ألفي دينار أردني. في حين تتعدد العقوبة بتعدد الأطفال الذين وقعت في شأنهم المخالفة، وتتضاعف في حالة التكرار.

صــــــــــورة
كاريكاتـــــير