شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الثلاثاء 04 اعسطس 2020م20:31 بتوقيت القدس

المعاملات المدنية..

الضفة تحت أمر "المنسق" ولا بديل لـ "غزة"!

17 يونيو 2020 - 07:02

الضفة الغربية/ شبكة نوى- فلسطينيات:

تحتاج رانيا شقدم (34 عامًا) إلى إجراء "صورة فحصٍ نووي" ضرورية، لمتابعة حالتها الصحية بعد شفائها من سرطان الثدي قبل عامين، وهي صورة تجريها عادةً في مستشفى "المطّلع" بالقدس المحتلة.

وفيما تملك التغطية المالية "التحويلة الطبية" من وزارة الصحة الفلسطينية، أصبح عليها العمل لإيجاد سبيلٍ لاستصدار تصريحٍ أمني من قبل سلطات الاحتلال الإسرائيلي، لدخول القدس عبر حاجز "قلنديا" العسكري، بعد إعلان السلطة الفلسطينية في العشرين من شهر آيار/مايو الفائت، الانسحاب من أي اتفاقيات موقعة مع "إسرائيل"، ومن ضمنها قطع التنسيق الأمني، الخطوة التي ردت "إسرائيل" عليها بإعلان وقف كافة أنواع التنسيق المدني بين الجانبين. 

بالنسبة لشقدم، التي تسكن في مدينة رام الله وسط الضفة الغربية، لم يكن أمامها سوى خيار واحد؛ فقد جمعت تقاريرها الطبية وحصّلت ورقة رسمية بموعد الفحص الطبي من المستشفى المقدسي، ثم توجهت للحصول على تصريح مرور من "الإدارة المدنية الإسرائيلية" مباشرة، في مستعمرة "بيت إيل" المقامة على أرض مدينة البيرة، التي تسمى: (مقر قيادة الجيش الإسرائيلي في الضفة الغربية).

ليست شقدم فحسب، فجميع المرضى الذين يملكون تحويلات طبية سارية المفعول إلى مستشفيات القدس المحتلة، استصدروا تصاريح لدخول القدس والداخل المحتل، من خلال ما يعرف بالإدارة المدنية الإسرائيلية، بل إن بعضهم كانت هذه طريقته أصلًا للحصول على تصيح، حتى قبل إعلان وقف التنسيق المدني، كما حال "ندى" (اسمٌ مستعار).

ندى (45 عامًا) مريضة سرطان، تستعدُّ خلال أيامٍ للتوجه إلى مستشفى المطلع بمدينة القدس المحتلة، لإجراء عملية جراحية ضرورية لاستكمال علاجها.

قالت لـ "نوى": "أملك التحويلة الطبية التي تغطي تكاليف العملية، ولكن تصريح التنقل انتهت صلاحيته، وكعادتي، توجهت إلى الإدارة المدنية التي لا تبعد كثيرًا عن مكان سكني في مدينة البيرة، لاستصدار تصريحي مرور، لي ولمرافقتي".

العديد من أصحاب الحالات المرضية الذين يحتاجون إلى تصاريح مرور نحو مدينة القدس لاستكمال علاجهم، جميعهم لم يجدوا صعوبة في التوجه إلى "الإدارة المدنية" دون الحاجة إلى المرور بالجانب الفلسطيني!

خلال إعدادنا هذا التقرير تحدثنا إلى العديد من أصحاب الحالات المرضية الذين يحتاجون إلى تصاريح مرور نحو مدينة القدس، لاستكمال علاجهم، وجميعهم لم يجدوا صعوبة في التوجه إلى "الإدارة المدنية" دون الحاجة إلى المرور بالجانب الفلسطيني!

 لكن المرضى وعائلاتهم يبدون تخوفًا من إجراءاتٍ إسرائيليةٍ جديدة، قد تُتخذ في حال صادق الاحتلال على تنفيذ "مخطط الضم" مع بداية تموز/ يوليو المقبل، فهل سيبقى التوجه للإدارة المدنية متاحًا لاستصدار هذه التصاريح؟

أمجد حريبات من منطقة الخليل تعاني زوجته "تهاني" من سرطان الدم، ومنذ سنوات تتلقى علاجها في مستشفى المطلع بالقدس المحتلة، وتحمل تصريحا إلكترونيا ينتهي في الثاني من تموز/يوليو المقبل. 

"زوجتي خضعت في الأسبوع الفائت لفحص "الخزعة" لشكوك الأطباء بانتشار المرض إلى الكبد، وهو ما يعني حاجتها لعلاجٍ إضافي لا أستطيع توفير تكلفته بشكل شخصي".

قال حريبات لـ"نوى": "العائلة لا تعرف مصير هذا التصريح، خاصة وأن زوجتي خضعت في الأسبوع الفائت لفحص "الخزعة" لشكوك الأطباء بانتشار المرض إلى الكبد، وهو ما يعني حاجتها لعلاجٍ إضافي، إلى جانب الدواء الذي تحصل عليه في المستشفى، ولا يتواجد في مناطق السلطة الفلسطينية، وتبلغ تكلفته في كل مرة 25 ألف شيكلًا (أكثر من سبعة آلاف دولار).

مرضى غزة يدفعون الثمن

وإن كان توجه مرضى الضفة الغربية إلى الإدارة المدنية خيارًا متاحًا –حتى اللحظة على الأقل- فإن الأمر يعني لمرضى قطاع غزة معاناةً جديدة يواجهونها في معركة العلاج، بدءًا من الحصول على التغطيات الطبية، وانتهاءً بالوصول إلى المستشفيات للحصول على هذا العلاج.

وبعد قرار السلطة الفلسطينية وقف التحويلات الطبية إلى المستشفيات الإسرائيلية، وإعلانها توطين الخدمات الصحية في مستشفيات فلسطينية، ومن ضمنها مستشفيات القدس المحتلة، يتلقى المرضى هذه التحويلات إلى مستشفيات الضفة أو القدس، ولكن في كلا الحالتين يحتاجون إلى تصريح حركة.

 وبعد وقف التنسيق المدني، أصبحت خياراتهم محصورة بالتوجه إلى المنظمات الحقوقية والصحية، التي تصلها يوميًا طلبات بالمئات، ولا تستطيع مساعدة سوى حالتين أو ثلاثة، كما تقول غادة المجادلة، مديرة قسم الأراضي المحتلة في جمعية أطباء لحقوق الإنسان.

عشرات طلبات المساعدة، أكثرها كانت من غزة، وتخص الذين حصلوا على التحويلات إلى المشافي الفلسطينية، ورفضت الشؤون المدنية الفلسطينية استقبال طلباتهم، لاستصدار تصاريح من أجل الوصول إلى الضفة والقدس لتلقي العلاج".

وتابعت تحدّث "نوى": "وصلتنا منذ الحادي والثلاثين من شهر آيار/مايو الفائت، عشرات طلبات المساعدة، من قبل مرضى توقفت تحويلاتهم الطبية إلى المستشفيات الإسرائيلية، من كل من الضفة والقطاع"، مستدركةً بالقول: "لكن الجزء الأكبر كان لمرضى القطاع، الذين حصلوا على التحويلات إلى المشافي الفلسطينية، ورفضت الشؤون المدنية الفلسطينية استقبال طلباتهم، لاستصدار تصاريح من أجل الوصول إلى الضفة والقدس لتلقي العلاج".

 تتابع: "في قطاع غزة المرضى هم أول المتضررين من أية أزمة سياسية، سواء مع "إسرائيل" أو نتيجةً لأي خلاف سياسي داخلي".

لا أفق ولا تصور لدى مجادلة، حول ما ستكون عليه الأمور خلال الأيام المقبلة، فهم ينقلون طلبات التصاريح للسلطات الإسرائيلية، ولكن هل سيتم إصدار التصاريح أم لا؟ "لا أحد يعلم" تعلق.

الشؤون المدنية الفلسطينية

والتحويلات الطبية والتنسيق المدني المتعلق بها، هي أحد أنواع التنسيق المدني الذي تقوم به "الهيئة العامة للشؤون المدنية"، التي أسست وفق اتفاقية طابا "أوسلو 2" في العام 1995م، بديلًا عن الإدارة المدنية في الضفة الغربية، التي كان يجب حلها وفقًا للاتفاقية.

وحسب تعريف مهام هذه الهيئة كما هو موضح على صفحتها الإلكترونية، فإنها "تعمل على تنفيذ الاتفاقيات الموقعة مع الجانب الإسرائيلي، وتحديدًا الملحق المدني من خلال كونها حلقة الوصل بين السلطة الوطنية الفلسطينية، وكافة مؤسسات السلطة المدنية، مع الطرف الإسرائيلي، لحل الإشكاليات المختلفة، من خلال ما تم نقله منذ تأسيس الهيئة من صلاحيات، وسلطات مدنية، من الجانب الإسرائيلي إلى الجانب الفلسطيني".

وذلك إلى جانب العمل على ملف تسجيل السكان، وهو من أهم ملفات العمل في الهيئة، ويشمل دوائر متعددة في "لم الشمل" والتسجيل المتأخر (لم الشمل الداخلي)، ومنح التصاريح، والإشراف على المعابر ونقاط العبور في معبر العودة، ومعبر الكرامة، والمعابر القطاع. وأيضًا الإشراف على دخول البضائع القادمة إلى المناطق الفلسطينية، والمنح المختلفة المقدمة للسلطة الوطنية الفلسطينية. 

خطورة وضبابية

أسئلة جدية يطرحها الفلسطينيون، وتحيط ببدائل التنسيق المدني المطروحة حاليًا في الضفة الغربية خاصة، منها خطورة توجه آلاف المواطنين إلى الإدارة المدنية ومنسقها الإسرائيلي، والتي عملت على توسيع صلاحياتها في الضفة الغربية، على حساب مؤسسات السلطة التي ظهرت "كسلطة ظل" لتسيير أمور حياتهم خلال السنوات الأخيرة.

تبدو باقي تفاصيل المرحلة القادمة ضبابية، خاصةً فيما يتعلق بتسجيل المواليد وسجل السكان، وآليات السفر عبر المعابر، بعد انتهاء أزمة "كورونا"، ومع استمرار وقف التعامل بين السلطة و"إسرائيل".

وإن كانت هذه الإدارة تملك حلولًا تتعلق بالتصاريح، وتسوية القضايا المتعلقة بالتجار والبضائع الداخلة إلى المناطق الفلسطينية، والخدمات المقدمة للبلديات والمجالس البلدية، تبدو باقي تفاصيل المرحلة القادمة ضبابية، خاصةً فيما يتعلق بتسجيل المواليد وسجل السكان، وآليات السفر عبر المعابر، بعد انتهاء أزمة "كورونا"، ومع استمرار وقف التعامل بين السلطة و"إسرائيل".

"عقب إعلان الرئيس التحلل من الاتفاقيات مع الاحتلال الإسرائيلي، ووقف التنسيق الأمني، توقفت وزارة الداخلية عن تزويد الاحتلال بالبيانات الخاصة بالسجل السكاني".

وكان وكيل وزارة الداخلية يوسف حرب، قال في تصريحات صحافية لموقع "العربي الجديد" (الأحد 14 حزيران/ يونيو): "عقب إعلان الرئيس التحلل من الاتفاقيات مع الاحتلال الإسرائيلي، ووقف التنسيق الأمني، توقفت الوزارة عن تزويد الاحتلال بالبيانات الخاصة بالسجل السكاني، وهو الأمر الذي نصّت عليه اتفاقية أوسلو، والتزمت به السلطة الفلسطينية طيلة السنوات الماضية".

وهو ما يعني عدم اعتراف "إسرائيل" بجميع المواليد الجدد خلال هذه الفترة، وعدم تمكن الوزارة من الحصول على أوراق رسمية معتمدة للسفر والتنقل من قبل الجانب الإسرائيلي.

كل هذه التفاصيل أبقتها السلطة الفلسطينية ضبابية، في وجه المواطن العادي، دون تقديم توضيح أو بدائل، وفي حال مراجعة مقرات هيئة الشؤون المدنية، يكون الجواب: "نحن ملتزمون بالقرار السياسي من القيادة الفلسطينية"، وأن "عودتهم إلى لعمل ستكون بقرار سياسيٍ جديد"، وهو ما أكده لـ"نوى" الناطق الإعلامي باسم الشؤون المدنية وليد وهدان.

مناورة سياسية

من جانبه يقول الباحث في مرصد السياسات الاجتماعية والاقتصادية إياد الرياحي: "إن إعلان السلطة الفلسطينية، وقف التنسيق الأمني والمدني مع حكومة الاحتلال، والتحلل من الاتفاقيات معها، ما هو إلا مناورة سياسية دون وجود نية جدية بالمضي قدمًا فيها"، مستدركًا: "وإلا لكانت اتخذت إجراءات أكثر صرامة وجرأة، فالتنسيق الأمني يعني حل الأجهزة الأمنية، وإعادة تعريف الدور الوظيفي للسلطة تحت الاحتلال".

حذر الرياحي مما ترتكبه السلطة الآن بحق المواطنين الفلسطينيين، الذين تركت تسيير أمور حياتهم لأوامر منسق الإدارة المدنية الإسرائيلية.

وحذر الرياحي خلال حديثه لـ"نوى"، مما ترتكبه السلطة الآن بحق المواطنين الفلسطينيين، الذين تركت تسيير أمور حياتهم لأوامر منسق الإدارة المدنية الإسرائيلية، الذي تضاعفت صلاحياته في السنوات الأخيرة دون أي اعتراض من قبل السلطة.

وبحسب الرياحي، فإن كانت السلطة جدية في قطع التنسيق الأمني مع الجانب الإسرائيلي، كان عليها الإعلان عن حل الهيئة العامة للشؤون المدنية، وليس تجميد عملها، لتعود للعمل خلال شهرين أو أكثر، "في الوقت الذي يدفع المواطنون فقط، ثمن هذه المناورة" يعقب.

كاريكاتـــــير