شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الثلاثاء 14 يوليو 2020م00:21 بتوقيت القدس

لصرف مستحقات الأسرى..

"بنك حكومي".. خيار السلطة للخروج من عنق الزجاجة!

15 يونيو 2020 - 23:59

رام الله/ شبكة نوى- فلسطينيات:

مطلع مايو/ آيار الماضي، تلقت بهية النتشة زوجة الأسير ماهر الهشلمون، اتصالًا من أحد مسؤولي بنك الاستثمار الفلسطيني في مدينة الخليل، يطالبها بمراجعته فورًا لتصفير حسابها، مصرّا على إتمام الإجراء بسرعة رغم حالة الطوارئ التي فرضتها الحكومة منذ انتشار فايروس كورونا في فلسطين.

كانت الساعة تقارب الثانية وبقي المسؤول على اتصال معها، رغم محاولتها تأجيل الموعد ليوم آخر كي تتمكن من الوصول قبل نهاية دوام البنوك، إلا أنه أبلغها: "سيبقى موظفون بانتظارك، وسنعيد فتح الخزنة عند وصولك".

فور وصولها، طلب منها مدير البنك سحب رصيدها المتبقي (341 شيقلًا)، موضحًا أن الخطوة الحالية هي تصفير الحساب دون إغلاقه بسبب قرار عسكري إسرائيلي يحظر على البنوك الفلسطينية التعامل مع الأسرى، على أن يتضح مصير حساباتهم البنكية في الشهر التالي دون أن ينفي احتمالية إغلاقه كاملًا.

أبلغ البنك زوجة الهشلمون الذي يقضي حكما بالسجن المؤبد مرتين، مع غرامة مالية قدرها ثلاثة ملايين و(265) ألف شيقلًا، أن عليها الفصل بين حسابها كموكلة أسير وبين حسابها كمعلمة.

في اللقاء ذاته، أبلغ البنك زوجة الهشلمون الذي يقضي حكمًا بالسجن المؤبد مرتين، مع غرامة مالية قدرها ثلاثة ملايين و(265) ألف شيقلًا، وهي أم لطفلين أيضًا، أن عليها الفصل بين حسابها كموكلة أسير وبين حسابها كمعلمة، حتى "لا يتم وضع نقطة أمنية على الحساب".

وفي التاسع من مايو وجهت سلطات الاحتلال إلى البنوك الفلسطينية، قرارًا عسكريًّا يحمل الرقم (1827)، يطالبها فيه بإغلاق حسابات الأسرى والمحررين.

وتضمّن القرار تهديدًا بالملاحقة القانونية الجنائية للمطالبة بتعوضات، بذريعة أن هذه الأموال "تدعم الإرهاب"، تحت طائلة الاعتقال لمسؤوليها، لمدة تصل إلى سبع سنوات.

قررت عدد من البنوك الفلسطينية إغلاق حسابات الأسرى والمحررين فعلًا، دون التقيّد بتعليمات سلطة النقد التي توجب إعلامها بشكل مسبق بأي إجراء من هذا النوع.

وقررت عدة بنوكٍ فلسطينية، إغلاق حسابات الأسرى والمحررين فعلًا، دون التقيّد بتعليمات سلطة النقد التي توجب إعلامها بشكل مسبق بأي إجراء من هذا النوع، كما ورد في بيان لها تعقيبًا على تلك الإجراءات، وقد تزامن ذلك مع حالة من الاستياء والاحتجاج الشعبي.

عقب تلك الخطوة، شكّلت الحكومة الفلسطينية لجنة مشتركة ضمت هيئة شؤون الأسرى والمحررين، وسلطة النقد، ووزارة المالية، وجمعية البنوك، لدراسة الأزمة وتقديم توصياتها، مؤكدة أن عائلات الأسرى تستطيع تفعيل حساباتها البنكية.

وفي 21 من مايو/ آيار الماضي، عُقد اجتماعٌ ضمّ رئيس الوزراء محمد اشتية، ومستشار الرئيس للشؤون القانونية علي مهنا، واللجنة المشتركة، وتم الاتفاق على استمرار البنوك بصرف مخصصات الأسرى وذوي الشهداء إلى حين الانتهاء من تطوير مؤسسة مصرفية وطنية لتصبح بنكًا وطنيًّا. وتم رفع توصية بهذا الخصوص إلى الرئيس محمود عباس للمصادقة عليها.

وترى زوجة الأسير الهشلمون، أن تلك الخطوة تضمن لعوائل الأسرى والشهداء هامشًا من الأمان، إذ ستصبح تحت مسؤولية السلطة الفلسطينية، وليست ضمن بنوكٍ تخشى على مصالحها، ودون أن تضطر العائلات للاصطفاف على أبواب هيئة الأسرى والمحررين، كما ستجنبهم إعادة فتح حسابات في بنوك أخرى وإغلاقها من جديد.

زوجة الهشلمون لا تخفي قلقها حول مصير مستحقات الأسرى، التي ستودع في هذا البنك، بالإضافة إلى خوف عائلات الأسرى من إمكانية مهاجمة الاحتلال لهذا البنك وقرصنة الأموال الموجودة فيه.

لكن زوجة الهشلمون لا تخفي قلقها حول مصير مستحقات الأسرى، التي ستُودع في هذا البنك، بالإضافة إلى خوف عائلات الأسرى من إمكانية مهاجمة الاحتلال لهذا البنك وقرصنة الأموال الموجودة فيه، "ما يعني أننا سنعيش في حالة ترقب كل شهر".

بنك استثماري أيضًا!

ويوضح الناطق باسم هيئة شؤون الأسرى والمحررين حسن عبد ربه أن البنك المقرر إنشاؤه سيقدم خدماته للأسرى والمحررين وذوي الشهداء والجرحى، ومن يرغب من موظفي السلطة وأبناء الشعب الفلسطيني بالانضمام له، ولن تقتصر مهامه على صرف الرواتب بل سيقدم خدمات أخرى كالقروض والمشاريع الاستثمارية.

وأوضح أن الفترة الزمنية المتوقعة ليصبح البنك جاهزا لتقديم خدماته للعملاء حوالي أربعة أشهر، بحيث سيتم تأسيس فروع له في كل محافظات الضفة، مع الإبقاء على صرف رواتب الأسرى داخل قطاع غزة عبر البنوك الأخرى التي لم تتخذ (حتى الآن) أية إجراءات لتجميدها.

عبد ربه: البنك الحكومي سيعمل وفق نظام فلسطيني داخلي، على عكس الآلية التي تعمل بها البنوك في فلسطين، والتي لها ارتباطات بنظام البنك المركزي الإسرائيلي، ولها امتدادات على المستوى الإقليمي والدولي.

وأفاد عبد ربه بأن البنك الحكومي سيعمل وفق نظام فلسطيني داخلي، على عكس الآلية التي تعمل بها البنوك في فلسطين، التي لها ارتباطات بنظام البنك المركزي الإسرائيلي، ولها امتدادات على المستوى الإقليمي والدولي وتخضع لسياسة البنك الدولي.

وضمن المقترحات التي كانت مطروحة، صرف رواتب الأسرى والشهداء، المهددة إسرائيليًّا، عن طريق البريد، لكن المتحدث باسم هيئة الأسرى قال: "إن البريد له آلية عمل مختلفة، بالإضافة إلى أنه لا يُقدم القروض والتسهيلات المالية أو المشاريع الاستثمارية".

ويبلغ عدد الأسرى والمحررين، الذين يتلقون رواتب من السلطة الفلسطينية  حوالي (12) ألف أسير، إضافة إلى آلاف الشهداء والجرحى، وفق عبد ربه.

مطلع شهر يونيو/ حزيران جمّدت سلطات الاحتلال العمل بالقرار العسكري مدة (45 يوما)، لحين إعادة دراسة الآراء حول أهمية الأمر العسكري في ظل الحساسية والتوتر في الميدان.

ومع مطلع شهر يونيو/ حزيران الجاري، جمدت سلطات الاحتلال العمل بالقرار العسكري مدة (45 يومًا)، لحين إعادة دراسة الآراء حول أهمية الأمر العسكري في ظل الحساسية والتوتر في الميدان، حسب الإذاعة العبرية الرسمية.

وبين عبد ربه، أنه وبرغم مطالبات الحكومة إلا أن هناك بنوكًا لا تقبل بفتح حسابات جديدة لأسير أو محرر، وأن الهيئة تعطي المراجعين من الأسرى وعائلاتهم كتبًا رسمية لفتح حسابات بنكية.

وحول احتمالية مصادرة الاحتلال للأموال المودعة في البنك الحكومي المقرر افتتاحه، أجاب: "كل الاحتمالات واردة، نحن نتعامل مع احتلال، لكننا على قناعة بأن ما يُقدم للأسرى والشهداء والجرحى هو حق وطني لمناضلين -لا إرهابيين".

لا إجابات قاطعة

رغم ذلك ما زال "مشروع البنك الحكومي" قيد الدراسة كما علمت "نوى"، ولا إجابات قاطعة حول آلية الرقابة التي سيخضع لها كي تبقى أموال الأسرى والشهداء بعيدة عن أي مس بها، علمًا بأن مصدرها سيكون الخزينة العامة، إلا أن عبد ربه قدّر أن توكل مهمة الرقابة لسلطة النقد الفلسطينية ذاتها.

"هل هناك ضمانة بعد إنشاء البنك أن لا يكون عرضة للاقتحام والإغلاق الإسرائيلي؟، هذا غير متوفر في ظل واقعنا، خاصة أن المشكلة عند (إسرائيل) هي مبدأ الصرف ذاته ليست طريقة الصرف للأسرى.

لكنه نفسه يتساءل: "هل هناك ضمانة بعد إنشاء البنك أن لا يكون عرضة للاقتحام والإغلاق الإسرائيلي؟، هذا غير متوفر في ظل واقعنا، خاصة أن المشكلة عند (إسرائيل) هي مبدأ الصرف ذاته لا طريقة الصرف للأسرى وذوي الشهداء باعتبارهم "إرهابيين" وهو الأمر الذي تحوّل إلى نوع من الضغط والابتزاز للفلسطينيين".

رسالة سياسية

من جانبه، بيّن الخبير الاقتصادي نصر عبد الكريم لـ"نوى"، أن سلطات الاحتلال تخصم مستحقات الأسرى التي تقدر بـ(40) مليون شيقل شهريًا من أموال المقاصة، (الأموال المحولة شهريًا للسلطة من عائدات الضرائب).

وحسب تقديراته، ليس من الوارد حاليَّا أن تُضيّق سلطات الاحتلال على الفلسطينيين أكثر، وتدفعهم اقتصاديًا نحو الحائط، لكنه يؤكد أن التهديدات الإسرائيلية للبنوك هدفت إلى بناء رسالة سياسية للفلسطينيين والعالم بتجريم نضالهم.

ويعتقد عبد الكريم أن احتمالية ملاحقة سلطات الاحتلال للبنوك غير واردة حاليًا، "لأن البنوك تصرفها وفق إجراءات رقابية تنسجم مع المعايير الدولية"، عادًا توجيه أمر عسكري إسرائيلي للبنوك "تجاوزًا لصلاحية وسياسة سلطة النقد الفلسطينية.

إن تأسيس بنك وطني يمثل أحد الخيارات الممكنة لاستمرار صرف مستحقات الأسرى والشهداء، حيث تريد السلطة من خلاله إخراج هذه الحسابات من النظام المصرفي الرسمي، وتجنب البنوك أي تداعيات أو عقوبات بسببها.

ويشير الخبير الاقتصادي إلى أن تأسيس بنك وطني، يمثل أحد الخيارات الممكنة لاستمرار صرف مستحقات الأسرى والشهداء، حيث تريد السلطة من خلاله إخراج هذه الحسابات من النظام المصرفي الرسمي، وتجنب البنوك أي تداعيات أو عقوبات بسببها.

وقال عبد الكريم: السلطة اختارت بهذه الآلية (أهون الشرّين)، فهي لا تسطيع مطالبة البنوك بإغلاق حسابات الأسرى والشهداء، وتقوم بالدفع النقدي المباشر لهم وهو ما يُعدُّ إذعانا للاحتلال، كما لا تستطيع أن تُبقي الحسابات المصرفية قائمة تحت التهديد الإسرائيلي".

وأضاف: "كان من الممكن أن تستفيد السلطة من بنك البريد كما تفعل السلطة الحاكمة في غزة، التي أنشئت بنك الانتاج، وهو بنك لا مقاصة له، ولا يتعامل مع البنوك الإسرائيلية، لكن في الضفة الوضع يختلف، لأن مؤسسة البريد تتعامل مع بنوك محلية ومانحين وممولين، وبالتالي ستكون عرضة لمضايقات وعقوبات، فليس بالضرورة أن تكون بنكًا حتى يتم ملاحقتها".

مخاوف

وأشار عبد الكريم إلى أن المخاوف المتعلقة بإنشاء بنك حكومي وطني، تتعلق بمقاطعة دولية تقودها أمريكا بتهم مختلفة للسلطة، وإخضاعها لتحقيقات وقضايا تعويضات من هذه المخصصات.

لكن الخبير الاقتصادي قدّر أن يكون تأثير البنك الحكومي، في حال نجح تشكيله، محددًا بفتح حسابات مصرفية، وصرف مخصصات (26) ألفًا من الأسرى والمحررين والجرحى وعائلات الشهداء.

وكانت أموال الأسرى والشهداء تصرف عبر مؤسسة الشهداء والجرحى التي اتخذت مقرًا لها في الأردن طيلة سنوات الثورة الفلسطينية، ثم انتقلت المهمة إلى وزارة شؤون الأسرى بعد تأسيس السلطة الفلسطينية، التي تحولت إلى هيئة الأسرى بعد ضغوط إسرائيلية وأمريكية لا تزال مستمرة لوقف هذه المخصصات.

صــــــــــورة
كاريكاتـــــير