شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الثلاثاء 14 يوليو 2020م00:17 بتوقيت القدس

غزة.. الأمومة هنا تجربة قاسية!

13 يونيو 2020 - 07:27

قطاع غزّة:

تبدو قصص الأمهات في هذه البلاد بائسة؛ "لماذا ننجب أطفالًا؟" سؤالٌ جديرٌ بالتمعّن، ثمّة تخيلاتٌ قاتلة تمرّ على الأمهات قبل الولادة تحديدًا، فما بالنا لو تحدثنا عن أمهات قطاع غزة المحاصر منذ 14 عامًا، الذي لا تنفك "إسرائيل" عن شنّ عدوانها عليه، حتى بات قبرًا يطبقُ على سكّانه مع وقف التنفيذ؟

أمٌ، عاملةٌ، تعيش في غزّة، تحملُ في أحشائها طفلًا للمرّة الأولى، ربّما تضعه على وقع ضربات صواريخ الاحتلال التي يمكنها مباغتة الأرواح هنا في أي لحظة، وربّما تخسره وهو في رحمها، فالاحتلال يلاحق حتى الأجنة في بطون أمهاتهم.. وقد تلد بسلام، لكنها حتمًا ستمر بتجربة قاسية للتعامل مع الطفل ومع نفسها. وبالنظر إلى الظروف السابقة، فإنها تجربةٌ مضاعفة الألم بالتأكيد.

"كان خبر الحمل مفرحًا، لكن صدمتي بما بعده كانت عظيمةً ومهولةً"، هكذا وصفت سميّة رضوان تجربتها بعد أن وضعت طفلها الأول في فترة تصعيدٍ استهدفت غزّة في إبريل/ نيسان من العام الماضي.

بين رعب الفقد واكتئاب ما بعد الولادة، وخليطٌ آخر من المشاعر التي يصعب وصفها، كانت تتساءل الأم: "لماذا أنجبتُ طفلاً؟ كيف غامرتُ بحياة كائنٍ جديدٍ وأنا أعلم أن الاحتلال لا يرحم؟". 

من ناحية أخرى لم تكن تعرف كيف تتعامل معه، لم تعرف كيف تحمله، ولا كيف ترضعه، بل إنها صارت أسيرة كائن جديد يدعى "ابني".

تقول سمية لـ "نوى": "بعد حوالي شهرين من الولادة بدأت أتعايش مع الوضع الجديد، وبدأت أتقبل وجود طفلي"، لكن في الوقت ذاته، تقف أمامي عوائق العودة إلى العمل، برغم التهاون مع ساعات دوامي كـسكرتيرة في إحدى الشركات التجارية".

وتضيف: "عدتُ بعد شهرين من إجازة الأمومة، أدور بين البيت والعمل والطفل والعلاقات الاجتماعية، لكنني حرفيًا تحولت إلى ماكنة، روبوت وليس إنسان، لم أتجاوز الأمر تمامًا لكنني أحاول".

وبالنسبة إلى البيئة المحيطة تتابع: "يحاولون مساعدتي قدر الإمكان باحتضان الطفل في أوقات عملي، ومن باب الدعم النفسي بإلزامي للخروج من أجل الترفيه عن نفسي"، مردفة: "نحن حقًا بحاجة إلى برامج مؤسساتية توعوية لهذه المرحلة الحساسة من قبل الولادة، صدمتي كبيرة أنا وغيري من النساء، ولم يشعرنا أحد بحساسية هذه الفترة".

قصّة سمية تشبه قصّة أسماء خضر وهي أم ثانية، تشكو ضعف الوعي والمعرفة قبل الولادة، وتلوم العيادات وبعض المؤسسات، لعدم تقديمها برامج تأهيل للأمهات الجدد.

تقول: "في المرة الأولى من حملي أجهضت بعد شهرين، وفي حملي الثاني كان الخوف مضاعفًا على إثر ذلك، التعب الجسدي ما بين فترة الوحام والآلام الأخرى كان عنيفًا في الأشهر الأولى، ثم خفَّ تدريجيًا حتى وصلت الثلث الأخير من الحمل وبدأت تجهيز نفسي للولادة".

أي حملٍ بمدته الصحيحة داخل قطاع غزة، يمكن أن يمر بفترة عدوان إسرائيلي مرعب، كيف كنتِ تشعرين؟ سؤال وجهناه لها، لاحظنا ارتباكها ثم أجابتنا: "بعد العدوان على غزة في صيف العام 2014م كانت فترة حملي، كل تفكيري كان بكيفية الهرب عندما تضربنا صواريخ الاحتلال، كنت أقول لو لم أمت من الصواريخ ستقتلني أصواتها، لم يكن لدي أمل أنني سأضع صغيري بسلام".

"طلق 12 ساعة، بأوجاع العمر كلها" تصف أسماء تجربة الميلاد وتكمل: "أنجبتُ من هنا، واعتقدت أنني سوف أرتاح، لكنني ابتلعت الصدمة بمُرّها بعد أيام، عندما تركتني أمي في البيت وحدي، وعادت إلى بيتها، هنا صرت أتساءل: من هذا؟ ولماذا تركوه معي لوحدي؟".

لم تكن تحب طفلها! نعم، هذه حقيقة، كانت تخشى الاقتراب منه، وتهرب كلما سمعت صوته، تشعر بالوحدة والقلق، تبكي باستمرار، وزوجها أيضًا لم يعرف كيف يتعامل معه! كانا يطلبان باستمرار أن تبقى والدتيهما معه بدلًا منهما.

وفي تجربة ثالثة، لهديل عامر وهي أمٌ جديدة كذلك، تقول: "إن أصعب موقفٍ مرّ علي، كان عندما أنجبت ابنتي وقرر الطبيب وضعها على صدري، إلا أنني قابلته بالصراخ والرفض المطلق لأن أراها حتى".

وتضيف: "الأمومة حلوة، وتجربتها حلوة، لكن ما بعد الولادة كانت معاناة، وخاصة في الشهر الأخير، حيث لم أكن أتصور ألم المخاض برغم التجارب التي سمعت عنها".

"بكرا بس تشوفي البيبي بتنسي كل شي" هذه العبارة التي تسمعها كل أم جديدة، هي هي صحيحةٌ فعلًا؟ قبل أن نكمل سؤالنا، ردّت هديل: "هذه كذبة، ما شعرت به بعد الولادة، الصدمة والوحدة والاكتئاب، يلازمني حتى اليوم رغم أن طفلي بلغ من العمر أربعة أشهر"، هنا توقفت عن الحديث وقررت أن لا تتابع فختمت: "التجربة قاسية، بديش أتذكر باقي التفاصيل".

صــــــــــورة
كاريكاتـــــير