شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاثنين 03 اعسطس 2020م18:24 بتوقيت القدس

الاحتلال والإهمال والعمران..

فلسطين.. عبثٌ بميزان البيئة يُخلُّ بالتنوّع الحيوي

08 يونيو 2020 - 20:30

غزة:

لن تُخطِئ عيناك ملامح الخراب الذي طال الطبيعة والبيئة في منطقة الوادي وسط قطاع غزة، تلك البقعة التي كانت مجرى للمياه العذبة والتنوّع الحيوي للطيور والحيوانات والأشجار، وباتت الآن مكبًا للنفايات المتكدّسة على طولِ مجراه الجاف.

تقول المواطنة أم كريم القيشاوي التي تسكن قرب مجرى وادي غزة جنوب مدينة غزة: "كانت المنطقة هنا جميلة والجو لطيف، أذكر أن متنزهًا للأطفال كان موجودًا هنا"، تشير بإصبعها نحو بقعةٍ قريبة، ثم تستدرك بعد لحظة صمت: "مع مرور الوقت، وإهمال المنطقة على صعيد الخدمات، اختفت الطيور الجميلة التي كنا نراها، وتحولت المنطقة إلى مكرهة صحية بسبب النفايات التي تُحرق بين الفينة والأخرى، وتجلب لنا المضار الصحية والحشرات".

على إحدى ضفتي الوادي، وتحديدًا عند الحدود الغربية لمدينة النصيرات وسط قطاع غزة، يسكن الستيني أحمد أبو معلا، الذي كان يعمل معلمًا للجغرافيا، ما منحه المعلومات الكافية حول طبيعة التنوّع الحيوي في هذه المنطقة، يقول: "كانت مياه الوادي تختلط بمياه البحر المالحة، فيقصده الصيادون لصيد السمك، هو من الأودية الجافة، لكنه كان محمية طبيعية رائعة، وأحد وجوه غزة السياحية"، يبتسم ويهز رأسه قبل أن يكمل: "كان يفترض أن يبقى كذلك".

والحقيقة أن وادي غزة، هو واحد من أبرز الملامح البيئية التي تضررت بفعل انتهاكات الاحتلال الإسرائيلي، وبسبب السلوك غير المتوازن من الإنسان تجاه البيئة.

في يوم البيئة العالمي الذي يحييه العالم في الخامس من يونيو كل عام، تُسلِّط الدول الضوء على أبرز القضايا البيئية، وفي هذا العام تم تخصيصه للحديث عن التنوّع الحيوي، التي تعد فلسطين جزءًا منه على النطاقين الحيويين النباتي والحيواني.

شبكة نوى، فلسطينيات: عن التنوع الحيوي الحيواني يوضح الخبير البيئي د.عبد الفتاح عبد ربه، أن قطاع غزة يتمتع بتنوّع الكائنات اليابسية، التي يتراوح عددها بين 150و200 نوعًا من الطيور، وحوالي 20 نوعًا من الثديات، وحوالي 25 نوعًا من الزواحف بمختلف أنواعها، ناهيك عن الكائنات البحرية المختلفة "إذ لدينا نحو ثلاثة أنواع من البرمائيات (الضفادع)، ونحو 200 نوع من الأسماك المتوطنة والغازية.

وتتمتع فلسطين بـ اكثر من 500 نوع من الطيور و100 نوع من الثدييات وحوال 100 نوع من الزواحف والبرمائيات وأكثر من 400 نوع من الأسماك.

وتعود أهمية التنوّع الحيوي وفقًا لعبد ربه إلى مساهمته في التوازن البيئي، "فكل كائن حي في الطبيعة له وظيفة، مثلًا الخفاش يمنع تكاثر البعوض، والبوم والأفاعي يمنعان تكاثر القوارض، وهما لا يضران الإنسان إلا إذا حاول إيذاءهما"، مؤكدًا أن الإنسان لا يستطيع العيش دون هذه الكائنات التي تؤدي دورًا أيضًا في تعليمه أساليب الحياة، مثلما علمه النحل النظام، والنمل تخزين الطعام.

عبد ربه:هذه الكائنات -والحديث لعبد ربه- لم تسلم من تدخل الإنسان الذي ألحق بها الضرر، كما أن انتهاكات الاحتلال الإسرائيلي تسببت في الأذى للكائنات الحية،

هذه الكائنات -والحديث لعبد ربه- لم تسلم من تدخل الإنسان الذي ألحق بها الضرر، كما أن انتهاكات الاحتلال الإسرائيلي تسببت في الأذى للكائنات الحية، "حين شيد الاحتلال سدودًا في أوائل سبعينيات القرن الماضي على حدود وادي غزة الذي جفّ، فنقصت الكائنات الحية فيه بشكل كبير، وأدى جفاف الوادي إلى فقدان الكثير منها"، ملفتًا إلى أن الاحتلال أقام السدود على الحدود الشرقية لقطاع غزة، ما أدى إلى منع تنقّل بعض الحيوانات مثل الغزلان والظبيان، ناهيك عن أن تواصل القصف الإسرائيلي، وإطلاق القذائف، والتجريف، كلها عوامل قضت على أماكن تعشيش الطيور.

كما أن إقامة ما سُمي بالسياج الأمني منع تدفق الحيوانات الكبيرة والمتوسطة إلى قطاع غزة مثل الذئاب والغزلان وغيرها.

أما داخليًا، فالإنسان واصل الصيد الجائر دون تفكير في أهمية هذه الكائنات، ودورها في حفظ توازن الطبيعة، وقطع الأشجار، بغرض التوسع العمراني، والتعدّي على الكثبان الرملية التي كانت تُعدُّ مظهرًا جماليًا، بالإضافة إلى استخدام المبيدات بشكل كبير، "وكلها ممارسات تؤدي إلى تدهور التنوع الحيوي الحيواني".

ويوصي عبد ربه بضرورة وجود قانون ضمان اجتماعي، يمنع الإنسان من العودة للاعتماد على الطبيعة لتغطية حاجته من الطعام، فإذا ضمن وضعًا اقتصاديًا مناسبًا، لن يلجأ للتعدي على الحيوانات، إضافةً إلى ضرورة اعتماد عملية توعية شاملة في المدارس والجامعات، وعبر وسائل الإعلام، بأهمية هذه الكائنات وخطورة التعدّي عليها، وإيجاد شرطةٍ بيئيةٍ تضع خطوطًا حمراء لعملية الصيد.

الغطاء النباتي في قطاع غزة أيضًا تأثر بشكل كبير، إذ شهد التنوّع الحيوي النباتي تراجعًا كبيرًا، في الوقت الذي تتميز فيه فلسطين بوجه عام بالتنوّع الحيوي النباتي بسبب تنوّع التضاريس، فهي من البلدان القليلة التي يوجد فيها الغور والساحل والهضاب والجبال، وتتمتع بالموائل البيئية "وهي أماكن نمو النباتات".

"لكن قطاع غزة بشكل عام يفتقر إلى الغطاء النباتي الحقيقي" كما يؤكد الخبير البيئي المختص بالتنوع الحيوي النباتي د.أيمن دردونة، فهو منطقة ساحلية تتميز بوجود الكثبان الرميلة، وبعض الأودية الصغيرة مثل وادي غزة، ووادي السلقا، ووادي بيت حانون، وتزدهر فيها النباتات الحولية التي تنمو كل عام شتاءً، وتجف صيفًا، وتبقى البذور التي تنمو مرة أخرى.

"لكن الأشجار غير موجودة بشكل كبير، وقد بدأت تختفي بسبب اختلاف البيئة الملائمة لها، مثلًا هناك مناطق كانت تتواجد فيها الأشجار المعمرة مثل الأكاسيا، والجميز، والتوت، وغيرها، كلها تعاني الآن من الزحف العمراني، ولم نعد نرى هذه الأشجار سوى في المناطق الشرقية للقطاع التي لا يصلها الزحف العمراني" يقول.

دردونة:تحتاج البيئة في فلسطين إلى خطةٍ استراتيجية وطنية، يتم من خلالها إنشاء حديقة وطنية لتوطين النباتات البرية، ومشتل بيئي يحفظ بذور هذه النباتات

أما أبرز المشاكل التي يعانيها التنوّع الحيوي النباتي في قطاع غزة، وفقًا لدردونة، فهي انتهاكات الاحتلال الإسرائيلي وتجريفه المستمر للأراضي الزراعية، حيث قضى على آلاف الدونمات من الحمضيات والأشجار المعمّرة، بالإضافة إلى الزحف العمراني الذي تسبب في تدهور التربة، وما يمكن أن نطلق عليه مجازًا بداية التصحّر، "فالكثير من النباتات التي تنمو صيفًا لا نراها الآن إلا نادرًا، مثل شقائق النعمان، وأقحوان البحر، والقطف البحري، وكلها تساعد في تثبيت الكثبان الرملية.

وبعيدًا عن الجهود الفردية التي يبذلها باحثون، تحتاج البيئة في فلسطين إلى خطةٍ استراتيجية وطنية، يتم من خلالها إنشاء حديقة وطنية لتوطين النباتات البرية، ومشتل بيئي يحفظ بذور هذه النباتات، ومعشبة وطنية يتم فيها حفظ وتحنيط النباتات حتى يتم دراستها لاحقًا وتراها الأجيال القادمة حال تعرضت للاختفاء.

التنوّع الحيوي كمصطلح يطلق على كل أشكال الكائنات الحية الموجودة في نظام بيئي معين، والتفاعل فيما بينها بدءًا بالكائنات الدقيقة وانتهاءً بالأشجار الكبيرة والحيتان الضخمة، كما توضح د.هالة الحرازين أستاذة الجغرافيا البيئية ورئيسة قسم الجغرافيا في جامعة الأقصى.

الحرازين:فلسطين تتميز بالتنوع الحيوي لتنوّع الطبيعة فيها، وهي تتوزع إلى أربعة أقسام رئيسية تتطابق مع الأقاليم المناخية في فلسطين

وتضيف الحرازين: "إن فلسطين تتميز بالتنوع الحيوي لتنوّع الطبيعة فيها، وهي تتوزع إلى أربعة أقسام رئيسية تتطابق مع الأقاليم المناخية في فلسطين، وهذه الكائنات لها دور مهم في حفظ النظام البيئي".

والأقاليم المناخية لدينا هي: إقليم البحر المتوسط، والإقليم الإيراني، والإقليم الصحراوي، وإقليم نباتات التداخل السودانية، حيث يشهد الإقليم الأول الأشكال الشجرية دائمة الخضرة، وأشهرها الصنوبر والبلوط والسنديان، ثم الإقليم الساحلي، ويشهد وجود نباتات مثل السرو والكائنات البحرية والبرمائية كما في قطاع غزة.

ووفقًا للحرازين فقد تأثر التنوّع الحيوي في فلسطين باختلاف المناخ والصيد الجائر، لكنها ذكّرت بأهميته البيئية الاقتصادية والاجتماعية، إذ يساهم في تطور الزراعة، والطب، وهو أساس لرفاهية المناطق الريفية، ناهيك عن كون التنوّع الحيواني مصدرًا أساسيًا للبروتين.

وأكدت ضرورة الحفاظ على المحميات الطبيعية مثل وادي غزة وغيرها لما لها من دور في حماية الكثير من الكائنات الحية، خاصة تلك المهددة بالانقراض، ومراقبة المحتوى الحيوي في بيئة صالحة، فهي تعطي معلومات صحيحة عن سلوك هذه الكائنات، وهي مخزون استراتيجي لهذه الكائنات، ومركز طبيعي للأبحاث والباحثين، وتساهم في منع ظاهرتي التعري وتصحر التربة وتلعب دورًا في فلترة الجو من الغازات الضارة، والحد من الاحتباس الحراري، وهي مصدر مهم للتنمية المستدامة.

ومع تواصل انتهاكات الاحتلال وحصاره لقطاع غزة، يتضح أهمية إنشاء حديقة وطنية تحفظ الأنواع النباتية من الاختفاء كليًا، إلا أنه يتوجّب ضرورة إحياء المحميات الطبيعية، والاهتمام بتوعية وتثقيف الجمهور بأهمية الحفاظ على البيئة.