شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاثنين 03 اعسطس 2020م17:28 بتوقيت القدس

بعد انتهاء فترة الحجر..

المُحرَّر عنبر: باقي العمر هدية لـ "ريم"

06 يونيو 2020 - 10:34
الأسير المحرر رامي عنبر ووالدته
الأسير المحرر رامي عنبر ووالدته

غزة:

يَعُدُّ الأسير الفلسطيني المحرر رامي عنبر الدقائق كي تمر أيام الحجر الصحي التي يقضيها في فندق "بلو بيتش" بسرعة.

(21) يومًا ستكونُ مرهقة، وصعبةً، وثقيلةً على قلبه الملتاع شوقًا، لأمه التي حرمه الاحتلال من معانقتها طيلة 18 عامًا، ولزوجته (العروس وقتذاك) التي حرمها من مشاركته الحياة حتى في أصعب لحظاتها، حين أنجبت ابنتهما "ريم" بعد أشهرٍ من اعتقاله.

في اتصالٍ هاتفي أجرته معه "نوى"، بدا صوت المحرر عنبر مجروحًا متحشرجًا، كان يتحدث بعصبيةٍ شديدة كأنك تكاد ترى تقطّب حاجبيه، فهو حينما تم الإفراج عنه قبل أسبوع، طلب رؤية عائلته على بعد مسافةٍ آمنة، التزامًا بشروط السلامة، إلا أن طلبه هذا قوبل بالرفض، خشية أن تحن القلوب فيحدث ما لا يحمد عقباه.

يقول بانفعال: "من ضحى بعمره ومستقبله من أجل الوطن، لن يستهين بصحة عائلته لحظة الإفراج عنه، الحجر مقبولٌ نفسيًا، ولا اعتراض عليه انتصارًا للمصلحة العليا، لكن ليس لدرجة أن لا أرى أهلى ولو بالعين في اللحظة التي انتظرتها سنوات طويلة".

المحرر عنبر وهو من مدينة دير البلح وسط قطاع غزة؛ يحاول جاهدًا القفز على جرح هذا الموقف ليروي معاناة (18 عامًا) من الشوق للأهل والأحبة خلف القضبان، تنقّل خلالها بين سجن نفحة الصحراوي، ورامون، وإيشل، وعسقلان، الذي قضى فيه سنواته الأخيرة.

وكانت قوات الاحتلال الإسرائيلي اعتقلت رامي عنبر عام 2002م، وكان حينها يبلغ من العمر 22 عامًا، بينما كانت زوجته حاملًا في طفلته "ريم" التي تقدم اليوم امتحانات الثانوية العامة!

يتابع الأب يومًا بيوم، تفاصيل دراسة ابنته، وامتحاناتها عبر الهاتف، وتطبيقات الفيديو منذ لحظة خروجه، ينتظر بفارغ الصبر أن تفتح أبواب هذا السجن المؤقت الجديد، ليذهب إليها ويهبها باقي عمره، يعوضها عن مشاعر الأبوة التي افتقدتها مذ أبصرت نور الحياة.

يقول: "اعتُقِلتُ من أجل الوطن ولا شيء كثير على الوطن، نحن أصحاب حق وقضية هذا ما أؤمن به، لكن لكم أن تتخيلوا أنني حتى هذا اليوم أشعر بحسرة عدم وجودي إلى جانب زوجتي لدى ولادتها ابنتي (..) ريم التي رأيتها للمرة الأولى بعد أن بلغت من العمر 36 شهرًا".

رأيتها بعد هذه السنوات صبية، ورغم جمال الزيارة لكنها كانت صعبةً وقاسية، تمنيت أن يتوقف الزمن

لمدة ثلاث سنوات كان يشاهدها من خلال الصور التي تصله عبر الصليب الأحمر متأخرةً عن وقت تصويرها أشهرًا أخرى، كان يحالو مراقبة نمو طفلته عبر صورٍ متسلسلة، يعقّب: "لكن كل صورة كانت تحتاج إلى صورة أخرى، كي تكمل العمر الحقيقي لريم".

حين أصبحت ريم بعمر 8 سنوات، منعها الاحتلال –بالاسم- من زيارة أبيها، لكنه عاد فسمح لها بذلك بعد سبع سنوات، أي حين بلغت من العمر 15 عامًا! "كانت صدمة جديدة" يقول عنبر ويكمل: "رأيتها بعد هذه السنوات صبية، ورغم جمال الزيارة لكنها كانت صعبةً وقاسية، تمنيت أن يتوقف الزمن ولا تتحرك الساعة، 45 دقيقة غير كافية، أردت أن أحفظ ملامحها وأتأمل كل تفاصيل وجهها البريء".

داخل سجون الاحتلال تنقلب الحياة، يحاول الأسرى مَلء أوقاتهم مستفيدين من تجربة الحركة الأسيرة التي سبقتهم، يبدأ نهارهم بترتيب غرفهم والخروج إلى الفورة (الفسحة في ساحة السجن)، ثم لعب الرياضة، والإفطار، وممارسة البرنامج اليومي الخاص من قراءة ومتابعة أخبار وغيرها، وعند المغرب تكون وجبة العشاء، حيث تنقسم الوجبات الرئيسية إلى إفطار وعشاء فقط!

يشرح بقوله: "غرفة الأسير لها ثلاث وظائف، المبيت، والضيافة، والمطبخ، أما الغاز فهو عبارة عن بلاطة حرارية موصولة بالكهرباء، يقلل الأسرى استخدامها لأنها شديدة الحرارة، وفي الصيف يحاولون اعتماد وجباتٍ لا تحتاج إلى الحرارة بشكل كبير".

 يخوض الأسرى عادةً إضرابات عن الطعام في محاولةٍ لإجبار سلطات الاحتلال على الاستجابة لمطالبهم العادلة، عنبر خاض تجربة الإضراب أربع مرات، مرتان مع الجماعة، واثنتان بشكلٍ منفرد.

ما يدفع الأسرى للمواصلة على قلب رجلٍ واحد، هو شعورهم بأن أحدًا منهم لا يريد خذلان الآخر، ثانيًا: التزامهم الأخلاقي بأنهم سيبقوا أقوياء

في عام 2004م، خاض إضرابه الأول مع الأسرى مدة 14 يومًا، لكن أطول إضراباته كان في عام 2012م، الذي استمر 30 يومًا.

يروي عنبر معاناتهم –آنذاك- من صداعٍ وفقدانٍ للتركيز وضعفٍ عام، "فهم لا يشربون إلا الماء الذي يصبح مذاقه مرًا يشبه الدواء، ورائحته سيئة نتيجة تأثّر الأسير بمضاعفات حالة الإضراب"، مستدركًا: "لكن ما يدفع الأسرى للمواصلة على قلب رجلٍ واحد، هو شعورهم بأن أحدًا منهم لا يريد خذلان الآخر، ثانيًا: التزامهم الأخلاقي بأنهم سيبقوا أقوياء".

هذا الصمود الكبير –والقول لعنبر- يضعف معنويات جنود الاحتلال، "عندما تحرمهم إضرابات الأسرى من إجازاتهم الأسبوعية التي يقضونها في التنزه، لاضطرارهم إلى البقاء في حالة استنفار، ناهيك عن شعورهم بأنهم يواجهون أناسًا يصبرون على عذاب الجوع، وهذا يضعف معنوياتهم بشكل كبير، ملفتًا إلى أن آلام فك الإضراب قاسية مثل آلام خوضه، وكثير من الأسرى تعرضوا لمشاكل صحية، ونُقلوا إلى المتشفيات، نتيجة أخطاءٍ ارتكبوها خلال عملية فك الإضراب الذي كان يجب أن يكون تدريجيًا.

"في سجون الاحتلال الإسرائيلي، ما زالت الحركة الوطنية الأسيرة بخير، وإن تأثرت نسبيًا بفعل الانقسام الفلسطيني، فليس هذا الواقع الذي ضحّوا بأعمارهم من أجله، ناهيك عن تعامل قيادات الفصائل مع الأسرى وكأنهم حالات اجتماعية يحتاجون إلى الراتب فقط وهذا غير صحيح، هم يحتاجون إلى دعمٍ نفسي حقيقي يساعدهم على الصمود أمام الأفكار والمبادئ التي جعلتهم يقبعون خلف القضبان"، يزيد.

يتابع: "هناك أسرى قضوا 40 عامًا وأكثر في سجون الاحتلال، هذه الأعوام ليست أرقامًا، هي أيام عمرهم التي تمضي بكل عذاباتها، وهي ذاتها التي يقضيها قيادات الفصائل في زياراتٍ إلى بيوت الأسرى مع مرور كل عام جديد لهم في الأسر، والتقاط الصور مع عائلاتهم"، يصمت ويضيف: "هذا ليس الدور الطبيعي للفصائل، ولا الدور الصحيح، يفترض أن يرفعوا راية سوداء، ويذكروا العالم كله بأسمائنا وأعمارنا التي تضيع هدرًا عامًا تلو عام خلف قضبان الاحتلال".

عودةٌ إلى يوم الحرية، 28 آيار/ مايو 2020م، حين أقلّت السيارة رامي من سجن "عسقلان" باتجاه معبر "بيت حانون" شمال قطاع غزة، ساعة ونصف في الطريق، حمل خلالها ألبوم الصور الذي بحوزته، وتفحص الصور فيه صورةً صورة، 90 دقيقة مرّت كل ثانية فيها كالجبل على قلبه وهو يمنّي نفسه بلحظة اللقاء ورؤية العائلة وسماع أصوات أفرادها عن قرب، دون جدارٍ زجاجيٍ، ولا هاتفٍ مهرّب تتقطّع فيه المكالمة.

"لم أتحرر بعد"، هكذا يعقّب الأسير بضحكة عالية :"حريتي حين أكون في بيتي في دير البلح، حين أعانق أمي وأقبّل طفلتي ريم وأعوّض صبر زوجتي، كل هذا فكرت فيه وتخيلته وأنا في الطريق، حاولتُ كتم دموعي التي بقيت عالقة في العين، لكن القلب بكاها فعلًا، لا سيما بعد ما شهدته من استقبال بعيدٍ المستوى المطلوب على المعبر".

أنشأ عنبر حسابًا على "فيس بوك"، وبدأ بالتواصل مع عائلته، ولدى سؤاله عن أول ما طلبه من والدته، قال بضحكة عالية: “قلت لها افتحي الكاميرا"، فقبل اعتقاله لم يكن هناك مواقع تواصلٍ اجتماعي.

تمكّن عنبر من مشاهدة كل أفراد عائلته عبر الكاميرا التي دارت في البيت كله كي يراه، هو لا يحمل أي ذكرى لهذا البيت الذي سكنته العائلة عام 2008م، بينما منزلهم السابق كان في مدينة "خانيونس" جنوب قطاع غزة، حيث توفي والده صقر عنبر أثناء أحداث الانقسام الفلسطيني.

تحاول أم رامي التخفيف عن ابنها رامي، بإرسال ما يحبه له وهو داخل الحجر الصحي، أول ما تناوله من يد والدته هو وجبة من المفتول، وهنا يستمر بالضحك، ويقول :" القصة ليست بالطعام فهو متوفر، ولكن كل لقمة من يد الأم فيها راحة نفسية، فيها طعم مختلف للدنيا (..) كأن طعام الأمهات يعيد ترتيب صحتنا ونفسيتنا".

أطفالٌ لا يعرفهم رامي عنبر رآهم عبر الكاميرا، اثنان من أشقائه كانوا صغارًا لدى اعتقاله وهم الآن لديهم أطفال، بينما شقيقته الصغيرة، التي كانت تبلغ من العمر 5 سنوات، هي الآن أم لطفلين، يستجدي رامي الوقت حتى ينتهي حجره، فليحملهم مثلما حمل شقيقته عندما كانت في عمرهم حين اعتقل.

ويحضّر عنبر الآن لجدول خروجه من السجن، فهو سيغادر الفندق باتجاه مدينة خانيونس حيث قبر والده، ومن ثم قبور الشهداء أحمد أبو الريش، وعمرو أبو ستة، وأحمد عبد الهادي، ثم زيارة بيت الشهيد عمرو أبو ستة، ومن ثم العودة إلى دير البلح، حيث بيت العائلة وخيمة الاستقبال للضيوف والمهنئين بالإفراج عنه.

لكن أكثر ما ينتظره بعد الانتهاء من كل هذه الواجبات، هو كيف سيعوّض زوجته عذابات 18 عامًا قضتها بكل هذا الصبر، كانت تبلغ حينها 20 عامًا، وللمفارقة فهي أيضًا ابنة أسير محرر، والدها هو موسى العقاد الذي اعتقل في الثمانينات وتمت محاكمته بالحبس المؤبد، لكنه تحرر بعد عدة سنوات، هذا ما جعل والدتها الأكثر دعمًا لصمودها في مواجهة الحكم الإسرائيلي الظالم.

أم رامي عنبر

الأسير المحرر رامي عنبر