شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الجمعة 10 يوليو 2020م08:42 بتوقيت القدس

سياق غير بريء لـ "أم هارون"

05 يونيو 2020 - 16:21

لم يستطع مسلسل "أم هارون" أن يصل بنا إلى أيّ مكان، ليس في الدراما أو حتى في السياسة، فالمسلسل أراد أن يتناول فكرة جريئة كموضوع اليهود في الخليج ليحدث ضجة، فيصنع أصدقاء بالخارج، والكثير من الأعداء في الداخل.

ولقد وقعنا جميعاً في الفخ، فقد قمنا بالدعاية العكسيّة للمسلسل، إذ أنّنا نشرنا "أفيشه" بموازاة الإعلان الرسميّ على مجموعات قنوات "إم بي سي" التي أنتجته واحتكرت عرضه، وفعلنا ما لم تفعله القناة فقد روجنا لواحد من أتعس الأعمال الدراميّة، بل وحمّلناه أجندات وخطط وهو من السطحيّة في القصة والحوار والإخراج إلى درجة أنّه لم يصل حتى إلى هدف التسلية.

وستبقى تنتظر لترى مشاهد ذكيّة أو أي لمحات حقيقيّة من زمن الأربعينيات في دولة الكويت، لكنّك لا ترى سوى أستوديو وديكورات لحيّ ربما يكون من مخيّلة يوتوبية، حيث يعيش المسيحيون والمسلمون واليهود بسلام، ومشاكلهم اجتماعيّة بحتة كالزواج الثاني والميراث وقصة حب يائسة، كما أنّ لكل طائفة معبدها المعلن والمقدّس لدى البقيّة.

 ناهيك عن أنّ الأزياء والحقوق الممنوحة للمرأة وقتها، لا تشكّل أيّ لمحة حقيقيّة أو حتى اقتربت من ذلك الزمن، وكان على كُتّاب العمل والباحثين أن يضعوا صورةً حقيقيّة لما كانت الحياة وقتها، ومدى التقاطع الكبير بين الاجتماعيّ والسياسيّ، وليس الصورة الكاريكاتوريّة حين كانت تحدث الصراعات حيناً، وحيناً آخر في مشَاهد الوطنية حين يأتي ذكر فلسطين، كالمشهد الذي كان أحدهم يجمع فيه تبرعات لأهل فلسطين من سكان الحي.

 وهذا المشهد أيضا أوضح التضارب الذي يعمل وفقه المسلسل، فلا يوجد تصاعد هرمي بالأحداث بل متناثرة هنا وهناك، ففي النصف الأول من المسلسل يركّز على أنّ الحاخام ليس صهيونياً بل يكره إسرائيل، ومع ذلك نراه في هذا المشهد عصبيّاً ويتعامل بغضب مع جامع التبرعات أمام الحيّ بأكمله، على الرغم أنه من المفترض أن تظهر صهيونيته نهاية الحلقات.

 وهكذا يسير المسلسل في تكرر لصراعاتٍ غير منطقيّة، كما يوجد مطٌ غريبٌ بقصة حب كانت حبكة ثانويّة في بداية المسلسل لتصبح رئيسيّة وتعاد وتتكرّر المواجهات بين الشخصيات، الحبيبة اليهوديّة ووالدها الحاخام، ثم هي وحبيبها محمد، والأخير مقابل والده دون عبارة واحدة ذات عمق أو دلالة موحية بصراعٍ جذري، وهناك مشاهد هرب الحبيبين وعودتهما ثم هربهما من جديد، وعودتهما، وبعدها زواجهما وطلاقهما ومحاولة إرجاع الحب، أمر لا يُصدق كيف أنّ المسلسل قام على فكرة وضع يهود بمسلسلٍ دراميّ بأيّ طريقة كانت، وبعدها تمت حياكة الخيوط الدراميّة حوله؛ لذلك نجدها ضعيفة ودون أيّ أحداث تعيد اكتشاف التاريخ.

 وهو أمرٌ مخيّب للآمال وليس الخيبة نابعة من المسلسل بمقدار ما هي نابعة ممن أعطاه القيمة وأحدث الضجة التي أرادها صانعوه منذ البداية بل والمناداة بمقاطعته، وكان الأجدر تبيان ضعفه وهشاشته على جميع المستويات، والأهم ملاحقة أخطائه التاريخيّة منذ أن بدأ بإعلان على الراديو لقيام دولة إسرائيل والتي لم تكن وقتها، إلى هوية القابلة أم هارون، التي تؤكّد الكتب في التاريخ البديل أنّها من أصولٍ تركيّة وقضت فترة حياتها في العراق والبحرين ولم تصل الكويت وهو ما بيّنه الكاتب شادي لويس بإسهاب في مقالٍ له بعنوان "أم هارون: تزييف التاريخ".

وربما الشيء الوحيد الذي نقله المسلسل من الموروث العالميّ هي الحكايات المكرّرة عن صفات اليهود والتي نراها في هوليوود وبعض كتب الأدب العالميّ كالطمع والبخل والغش لكنها جاءت مثل أيّ كليشيه آخر في المسلسل منفصلة عن السياق، بل مجرد بضعة حوارات ومواقف مع الباعة، وهذا لا يعني أنّه كان مطلوباً من المسلسل جرعة كراهيّة مضاعفة لليهود كما حاول أن يفعل وكأنّه يُزيل عنه ذنب مسبق، بل أن يقدم لنا حكاية مقنعة من جميع الجوانب.

وهذه الركاكة تجعلني أتذكر نقيضها في تناول اليهود تاريخهم في الدول العربيّة والغربيّة في الأفلام التي أصبحت جرعة سينمائيّة إجباريّة في أوروبا وأميركا وكثير من دول آسيا، وكيف يُروّجون لمظلوميتهم بحرفيّة وذكاء، ونحن نخرج مسلسلاً لم نعرف حتى نريد أن نكون ضد مَن أو مع مَن؟ والأهم من الذي نروي حكايته؟.

وهل يكفي أن نأتي بحاخام، ونبثّ بضع كلمات كـ شالوم وشبات شالوم في مسلسلٍ عربيّ لنقول إننا تحدثنا عن تاريخ اليهود في بلادنا؟! ثم نباهي بقنواتنا العظيمة وإنتاجنا الحر؟ وفوق هذا نصنع أعداءً لنا يُروّجون لما لم نستطع فعله؟، بالتأكيد هذا كافياً لدى مجموعة قنوات "إم بي سي"، بَيد أنّ المنطق تقول إننا بحاجة لتقديم دراما حقيقيّة أولاً قبل نقاش أيّ أفكار.

 والغريب أنّ ممثلةً بخبرة حياة الفهد تقع في هذه الفداحة من التسطيح، حتى في أدائها، لكن لا يجب أن نستغرب كثيراً منها منذ أن كشفتها أزمة فايروس كورونا؛ ورأت الحل لعلاج الحالات المصابة بالكويت والاهتمام بأهلها هو رمي الوافدين خارجها.

أما ما هو الأكثر غرابة أنّ ذاته المخرج محمد العدل، من أخرج قبل ذلك مسلسلاً مصرياً عن اليهود اسمه "حارة اليهود" لم يحدث الضجة ذاتها، بل شاهدته الجماهير كما تقرأ مئات الكتب في الأدب العربيّ فيها الشخصيّة اليهوديّة، وكانت الخطوط العريضة ذاتها للقصة، مع ترجيح الحرفيّة لمسلسل "حارة اليهود" 2015.

إذن ماذا حدث منذ ذلك العام؟، ما حدث أنّ السياقات اختلفت، والسعودية أعلنت كونها جزء من صفقة القرن التي يرفضها الجميع، وهي تُرّحب بها، ناهيك عن التطبيع العلنيّ السياسيّ، لذلك من الصعب جداً أن تمر حكاية اليهود مجرد حكاية طائفة عاشت بالأربعينات، بل هي الحكاية التي أرادت اليوم أن تُبرزها السعوديّة لتقول عبرها للعالم "تغيرنا، لسنا عنصريّين ضدكم، ونحن ننتج دراما حرة، وحان وقت الصفقة".

 لذلك يأتي سياق المسلسل غير بريء، لكن هذا لا يعني أنّه من المعقول أن نعتبره بالأساس مسلسلاً بل هي اسكتشات مرسومة على يديّ الكاتبَين الشقيقَين علي ومحمد شمس لتناسب السعوديّة الحديثة، لكن السعوديّة الحديثة لم تأخذنا حتى الآن لأكثر من القشور في الانتهاج الدرامي والفني.

________

نقلًا عن مجلة رمان الثقافية

صــــــــــورة