شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الثلاثاء 04 اعسطس 2020م19:34 بتوقيت القدس

بلا مناصب ولا ألقاب

هكذا ناضلت نساء المخيمات في الانتفاضة الأولى

04 يونيو 2020 - 21:28

غزة:

ثمة نساء حفرن أسماءهن بمداد من ذهب في صفحات النضال الفلسطيني ضد الاحتلال الإسرائيلي في كل المخيمات الفلسطينية، ليس لتبوئهن مناصبًا ولا لحملهن ألقابًا،  فقط باعتبارهن أمهات أو زوجات مناضلين؛ بل أيضًا لوقوفهن في المقدمة لمواجهة الاحتلال عند اعتدائه على المخيمات ولقيامهن بدور خط الدفاع الخلفي لحماية النضال الفلسطيني.

جولة لنوى في مخيم الشابورة بمدينة رفح جنوب قطاع غزة؛ تستمع من الناس عن عشرات الأسماء لنساء المخيم اللواتي مارسن النضال الشعبي، ذاكرة المناضلة سكينة الدربي "أم محمد" ما زالت تحتفظ بعشرات المواقف التي مرت بها؛ فقد استشهد في بيتها وأمام عينيها المناضل فارس أو زكار " وهو لبناني الجنسية "، كما فقدت المناضل سمير شعث شهيدًا والذي كانت تعدّه أحد أبنائها.

مناضلة بالخفاء

تقول السيدة الستينية :"في الانتفاضة الأولى كانت النساء تدافع عن المخيم عند اقتحامه، وتنقذ الشبان من قبضة الاحتلال عندما يتم اعتقال أي منهم، فتتصدر  النساء المشهد  مع الاحتلال ليحدثن الاشتباك  معهن ".

لم يكن الدفاع عن الشبان هو الدور الوحيد لنساء المخيم  في الانتفاضة الأولى؛ فللكثير منهن ذكريات في حماية المناضلين والدفاع عنهم، تقول الدربي:"هنا في بيتي استشهد المناضل فارس أبو زكار عام 1994، كان أحد المناضلين الذين كان يبحث عنهم  الاحتلال".

ة كان بيت أم محمد على بساطته يأوي عددًا لا بأس به من المناضلين، عدّتهم أبناء لها، سهرت على راحتهم ووفرت لهم الأمان بل وكثيرًا ما فحصت لهم الطريق قبل المغادرة لتتأكد أنه آمن، ذات ليلة بينما كان يتواجد في منزلها إلى المناضل فارس أو زكار ومجموعة من الشبان وفي أول ليلة لشهر رمضان، اقتحمت دوريات الاحتلال مخيم الشابورة وأضاءوا الكشافات صوب بيتها.

تقول:"كان مجموعة من الشبان مطلوبين للاحتلال، وعندما أضيئت الكشافات فهموا  ان الاحتلال يداهمهم، حاول فارس الفرار سريعًا صوب البيت المجاور لبيتي، ولكن كان الجنود قد اقتحموا البيت وأطلقوا النار فورًا نحوه واستشهد، اعتقل يومها باقي الشبان منهم  ابني محمد الذي كان حينها  17 عامًا ".

ورغم صدمتها مما حدث، وحزنها على فارس إلا أن أم محمد ذهبت باتجاه الصليب الأحمر لتسأل عن الشبان الذين اعتقلوا، أخبروها أنه تم نقلهم لسجن غزة، لتكتشف أن هذا غير صحيح وعادت لتخبر الصليب الأحمر بذلك.

تقول:"عرفت أنهم في خيمة بمعسكر الجيش القريب من المخيم، ذهبت إلى هناك، رفضوا أن أزور ابني، حتى لمحت الخيمة التي تم اعتقال الشبان بها، لم أتردد ودخلتها بسرعة فارتبك الجندي الذي يحرسها، كن معي زجاجة ماء فسقيت الشباب وقلت لابني محمد للشباب أن السجن للرجال وغادرت".

صُدم جنود الاحتلال من تصرف المرأة، فقد كانوا يعوّلون على انهيار الشبان ولكن دخولها إلى خيمتهم شدّ أزرهم وقوّاهم، أما بعد محاكمة محمد لعام ونصف فهنا شكل آخر للنضال.

تعود بذاكرتها وهي تروي تفاصيل تلك الأيام:"لم تكن الزيارة سهلة، والأشياء التي يتم السماح بإدخالها قليل، ولكن لأن الشبان كانوا يحتاجون خرز وإبر من أجل التطريز كنت أهربها لهم من خلال طرف الجلباب الذي ألبسه أما الكبسولات وهي عبارة عن رسائل صغيرة فكنت أضعها في فمي، وهذا أيضًا أحد أشكال النضال الذي مارسته الكثير من النساء".

أما أقسى المواقف على قلب أم محمد فهو استشهاد المناضل سمير شعث عام 1992 والذي كانت تعدّه ابنًا له، لدرجة أنها أقسمت أن تضرب العميل الذي أبلغ عنه وقد فعلت، هنا خيّم الحزن عليها وهي تقول :"كان وحيد والديه، اعتنيت به كأنه أحد أبنائي، حتى استشهد نتيجة غدر أحد العملاء الذي سلّمه للاحتلال وتم إعدامه،  وما هو إلا أسبوع حتى أمسكته المقاومة، وعندما جاءوا به إلى مدخل المخيم و وحينها ضربته بقوة".

سيدة عشقها المخيم

وإن كانت أم محمد تعمل في ذاك الوقت سرًا، فإن شقيقتها أمل عبد الله "أم سفيان" التي توفيت مؤخرًا كان تساعد المناضلين بشكل علني.

يقول ابنها محمد عبد الله وهو واحد من خمسة أشقاء:"تميزت تلك الفترة بوجود مطاردين للاحتلال من النسر الأحمر وسرايا القدس وحركة فتح، إخوتي كانوا مناضلين في إطار النسر الأحمر، ما ميّز هو احتضانها لهؤلاء الشبان".

كانت تعيش أمل في بيت متواضع بمخيم الشابورة لا يتجاوز 70 مترًا، لم تدخل مدرسة في حياتها لكن علّمت جميع أبناءها، عام 1982 هبّ المخيم عند استشهاد الشاب محمود أبو نحلة أثناء مظاهرت للاحتجاج على الهجوم لإسرائيلي جنوب لبنان، وعام 1986 شكّلت نساء المخيم ومن بينهم أمل أول تجربة للاشتباك المباشر مع الاحتلال بعد استشهاد الشاب محمود أبو لبدة أثناء مواجهات في ذكرى مجزرة صبرا وشاتيلا.

في ذلك اليوم تمكنت أمل وبعض النسوة منهن صفية الخياط "أم عادل"، وزينب البلبيسي "أم أحمد"، وسعدية بركات، وصبحية بركات الامساك بجندي إسرائيلي واجباره على خلع ملابس في حين هرب زملائه في جيبهم العسكري الإسرائيلي من المكان، قمن بإلقاء ملابسه وسلاحه داخل إطار سيارات مشتعل على مفترق أبو الصابر"احدى معالم مخيم الشابورة"، لتواصل أم سفيان  النضال بشكل أقوى بعد اعتقال ابنها مجدي ابن 16 عامًا.

كان الشارع الذي تعيش فيه أم سفيان  بمخيم الشابورة اسمها المكتب، كونه يضم مكاتبًا علنية للكل التنظيمات الفلسطينية؛ كان اثنين من أبنائها مطاردين، أما هي ذاتها فقد عملت كحلقة وصل بين شبان مطاردون وأهلهم، أما بيتها فقد كان عرضة للاقتحامات بشكل مستمر، لكن هذا الأمر لم يفتّ عضد السيدة التي قررت خوض النضال الشعبي.

عندما انطلق تنظيم الجبهة الشعبية كانت أم سفيان تعمل على خياطة أعلام فسلطين التي كانت محظورة، ومن منزلها ينطلق الشبان الذين يوزعون منشورات الإضراب والفعاليات ضد الاحتلال ومن يكتبون على الجدران.

ويضيف محمد "كانت أمي تراعي هؤلاء الشباب بحس الأم، تراقب لهم الطريق وتحافظ عليهم، فترة مرضها التي استمرت أربعة شهور قبل وفاتها، زارها المئات ممن قيادات ومناضلي الانتفاضة الأولى ومن مختلف التنظيمات" وبعد وفاتها نظمت  الجبهة الشعبية أمام بيتها البسيط في مخيم الشابورة حفل تأبين مّه العشرات من القيادات الحالية ممن يتذكّرون أم محمد كيف حمت وساعدت المناضلين.كلمات تحدث محمد عن والدته.

مع مجيء الانتفاضة الأولى كانت امل وبعض النسوة يعملن  على جمع الطعام أيام الحصار وتوزيعها على البيوت، يقول ابنها فاخرًا بأمه :"كان منزلها كما غيرها من المناضلات مكانًا لصياغة البيانات وانطلاق الفعاليات وحياكة الزي الرسمي للمقاومة".

ويضيف محمد الذي يعمل حاليًا في مجال حقوق الإنسان وسبق له أن جرّب الاعتقال :"عندما كانت أمي تزورني أنا وإخوتي في الأسر تبّنت أربعة من الأسرى العرب، كانت تزورهم بشكل دائم ومن بينهم نبيه عواضة وهو لبناني كان عمره حين تبنّته 16 عامًا، وحتى اللحظة ما زال نبيه كأنه أحد أبناءها ونعتبره أخًا لنا".

أما في السجن فقد شكلت أم سفيان  حلقة الوصل بالخارج، فالكثير من القرارات المهمة كان من يتخذها هم الأسرى عبر الرسائل "الكبسولات" التي كانت تحملها النساء ومنهن أم غسان وتنقلها إلى قيادات خارج السجن.

الرشق بالحجارة 

الى شمال قطاع غزة حيث مخيم جباليا للاجئين الفلسطينيين وتجربة مشابهة للمناضلة سميرة موسى"أم أمير"، فقد كانت تعمل في اتحاد لجان العمل الصحي عندما انطلقت الانتفاضة الأولى وكان العمل مع هذه الجهة محظورًا من قبل الاحتلال الإسرائيلي.

تقول أم الأمير :"خاضت نساء الانتفاضة الأولى تجربة المقاومة الشعبية ضد الاحتلال، فما كنا نترك مواطنًا يقع أسيرًا إلا ونسعى لتحريره، ومن بين الأدوار المهمة كنا نتكفل بجميع احتياجات بيوت الشهداء والأسرى".

كان عددًا جيدًا من النساء يعملن ضمن اتحاد لجان العمل الصحي، هؤلاء الفتيات كانوا عند الاشتباك مع الاحتلال يشاركون بالرشق بالحجارة ولم يكن الأمر مستهجنًا، ورغم الخطورة التي تواجه الفتيات إلا أنهن واصلن، سميرة نفسها كانت مطلوبة بالاسم للاحتلال لكنها لم تعتقل.

تقول سميرة :"كان اسم الشهرة هو سميرة موسى، وعندما يبحث الاحتلال عني في المخيم لا يجدوني، كنت أعيش في بيت اخي وكان الناس يظنون أنني ابنته الكبرى، وعندما يستدعي الحاكم العسكري ابنته الكبرى باعتبارها مطلوبة يكتشف أنها صغيرة، هذه الأمور على بساطتها كانت حماية لي من الاعتقال".

درست سميرة إدارة الأعمال في رام الله، وكانت عند اندلاع الانتفاضة تبلغ27عامًا، تقدم زوجها أبو أمير العيلة والذي كان أسيرًا محررًا لخبطتها فوافق الأهل؛ وقبل أي إجراءات رسمية تم اعتقاله وحُكم لأربع سنوات.

تضيف سميرة :"قررت انتظاره حتى يتحرر، وكنت أقوم بزيارته بشكل مستمر، لبسنا خواتم الخطوبة في السجن، حتى تحرر عام 1991، تجربة الاعتقال كانت صعبة جدًا، لكن هذا قدرنا كفلسطينيين".

كم تخفي بيوتنا من قصص لمناضلات لم يتبوأن يومًا مناصب ولم يحملن ألقاب، ولكن كعادة النساء اللواتي يحملن هم قضية يردن لها الانتصار يكتفين بدور الجندي المجهول، ويتحملن من أجل ذلك كل هذه المشاق.

المناضلة أمل عبد الله

المناضلة سكينة الدربي

المناضلة سميرة موسى

 

كاريكاتـــــير