شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاثنين 03 اعسطس 2020م17:23 بتوقيت القدس

قانون المشاهدة..

عندما تصبحُ الأم "ضَيفةً" في حياة أبنائها!

28 مايو 2020 - 11:12

شبكة نوى، فلسطينيات: "كان الجواب باين من عنوانه"، طأطأت رأسها ثم أكملت: "لكنني لم أكترث.. لعله القدر"، ثم بدأت تسردُ الحكاية.

ليلى الفتاة الجامعية والفراشة الحرة –قبل 23 عامًا، هي ذاتها اليوم ليلى التي تحمل في طيات روحها وجعًا لا يوصَف.. وجعًا استشرى بروحها مذ كانت عروسًا في بيت ابن عمها، الذي لا يشبهها في شيء! لا علمًا ولا ثقافةً ولا تحضرًا.

"كان كثير الشك، دائم التعنيف" هكذا وصفته باختصار، ثم أكملت تحدّثُ "نوى": "تحملتُه طوال تلك السنوات من أجل عائلتي، وكونه ابن عمي، لكنني اليوم وبعد 25 سنة، أعترف بأنني تأخرت".

ترى ليلى أن القرار كان يجب أن يُتخذ منذ البداية، تمامًا قبل أن تنجب خمس بنات "هم اليوم ضحايا لهذا الزواج الفاشل" تقول.

عامان من المعاناة في المحاكم الشرعية، بدءًا من إجراءات الطلاق المرهونة بشكل أساسي برغبة الزوج، مرورًا بملحقات هذا القرار، من إشكاليات تتعلق بحضانة الأبناء، وانتهاءً بكارثة الذمة المالية غير منفصلة بين الزوجين، "لقد كانت تجربة غنية بالخيبات، والمعاناة.. ذكورية المجتمع، وظلم القانون، وإجراءات القضاء التي لا تراعي حق الأم في حضانة بناتها، وتفرض عليها رؤيتهن بأوقات ومواعيد وأماكن حيادية".

تعلق "ليلى" (اسم مستعار): "القانون ظالم حينما يجعل الأم مجرد ضيفة في حياة أبنائها، كأنها به يجبرها على دفع ثمن انفصالها عن زوجها بحرمانها من حضانة الأبناء إلا لسنٍ معينة".

منعت ليلى نفسها عن الزواج بعد الانفصال، كي لا يغلق في وجه بناتها الحضن الأخير، خصوصًا بعد زواج والدهن، تتساءل: "كيف لا يمنحني القانون حضانتهن علمًا بأنني أنفق عليهن حتى اليوم في دراستهن، ومواصلاتهن، وملبسهن؟ هل من الإنصاف أن يمنحني القضاء حق رؤية بناتي مرة كل أسبوعين في مؤسسةٍ لحل النزاعات بما لا يتجاوز ساعتين؟ أي قانون هذا؟ وأي ظلم؟!!".

استطاعت ليلى ان تحتفظ بحضانة أصغر بناتها، التي تكمل عامها التاسع خلال هذا الشهر! هي تحاول منذ اليوم أن تدرب نفسها على وجع البعد، قبل أن يقرر والدها ضمها لحضانته، هي تعرف أنه سيفعلها قريبًا.

الحيرة والعذاب نفسيهما تعيشهما هبة حسين منذ ثلاث سنوات، بعد أن وقعت ضحية اتفاقيةٍ تراها مجحفة، نُفذت بمعرفة دائرة الإرشاد الأسري في المحكمة الشرعية.

تجرَّأت هبة مؤخرًا، وكسرَت حاجز الصمت وبدأت تروي عبر منصات التواصل الاجتماعي معاناتها بسبب الاتفاقية.

تقول: "وفق الاتفاقية، يُسمح لي باستضافة أطفالي مرة كل أسبوعين، لكنني بعد توقيعها عرفت أن من حقي المشاهدة  مرة كل أسبوع وفي الأعياد أيضًا، ناهيك عن الاستضافة، لكنني حتى الآن عاجزة عن تعديل الاتفاقية، بعد أن خسرت القضية التي رفعتها في المرة الأولى من أجل التعديل، وها أنا الآن أنتظر".

تتابع: "مطالبي ليست خارقة"، تخرجُ الكلمات من شفتيها مبللة بدموع القهر والضعف، وتردف: "كل ما أطلبه حقي في مشاهدة أطفالي مرة كل أسبوع، وأن يتم تعديل الاتفاقية المبرمة بيني وبين والدهم بما لا يتنافى مع ما منحه لي القانون من حقوق".

"هل أجرمت لأنني خرجت أخيرًا عن صمتي وقررت أن أتكلم؟"، تساءلت هبة، وأجابت نفسها بنفسها: "أعتقد أنني تأخرت كثيرًا، فثلاث سنوات وأنا أنتظر أن يفصل القضاء في قضية مشاهدة أطفالي، وفي كل مرة يتم تأجيل القضية، وكأنه علي أن أخضع لابتزاز والدهم، وأن أتنازل عن حقوقي في قضايا أخرى من أجل منحي الحق في المشاهدة".

يقول د.حسن الجوجو رئيس مجلس القضاء الأعلى في قطاع غزة: "الأصل أن يعيش الطفل بين والديه، وفي حال حدوث الانفصال، تكون الحضانة من حق الأم حتى سن السابعة للولد وسن التاسعة للبنت، فيما يمكن أن يضيف القاضي عامين ضمن ما يسمى " الفترة الجوازية" التي يقدرها القاضي".

وأوضح الجوجو أن القانون أوجد مراعاة لحضانة الأم المتوفى زوجها، وحبست نفسها لتربية أطفالها، إذ تبقى الفتاة في حضانة أمها إلى أن تتزوج.

وقال: "موضوع سن الحضانة يخضع للاجتهاد ولم يرد فيه نص شرعي، سواء في الزيادة أو النقصان، وللحضانة شروط: بأن يكون الحاضن موجودًا حقيقة، وأن يكون أهلًا للحضانة"، موضحًا أن هناك حقوق للحاضنة، والمحضون، وطالب الحضانة (..) فحتى لو تنازلت الحاضنة عن حضانة أطفالها في وقتٍ من الأوقات، ثم عادت لتطلبها، يمكنها القضاء من حقها في الحضانة بمجرد طلبها".

ويتمنى الجوجو أن يتم مساواة الأم المنفصلة قانونًا بالأم الأرملة في حال حبست نفسها لتربية أطفالها.

ووفقًا للقانون يزيد الجوجو: "يوجد ثلاثة مصطلحات في موضوع الحضانة، المشاهدة والاستضافة والاستزارة، إذ تتم المشاهدة مرة أسبوعيًا لعدة ساعات، فيما ترتكز الاستضافة على أن يقوم طالب الاستضافة باستضافة الأبناء 24 ساعة كل أسبوعين، فيما تتم المشاهدة الطارئة في المناسبات والأعياد، حتى لا ينقطع حبل التواصل والتراحم، ويتم تحديد وقتها حسب عمر الطفل".

وتابع: "إذا قدّر القاضي أن المشاهدة يترتب عليها ضرر فإنه يرفضها، وإذا كان مجرد توقع، فإن القضاء لا يعمل وفق التوقعات".

وبخصوص الاستزارة- يكمل- فإنه مصطلح تم استحداثه، ويمكن العمل به عندما ينتهي السن القانوني للمشاهدة، أي عند بلوغ الطفل 15 سنة، ويتم بناء على "طلب استزارة" تتم الموافقه عليه وتبليغ الحاضنة والمحضون إذا كان هناك اتفاق بين الأبوين، أما إذا كانت هناك خلافات، فيتم رفع دعوى يبت فيها القاضي".

ووفقاً للجوجو تنتهي مهمة القضاء بإصدار الحكم القضائي، ويبقى التنفيذ  لدى الشرطة القضائية، في حال استعصى الحاضن عن تنفيذ قرار القاضي بالمشاهدة، مؤكدًا أن الإشكالية ليست في القانون بل في أزمة إدارته، ما يطيل أمد التقاضي، بسبب العجز في عدد القضاة.

وفي العام الماضي –تبعًا للجوجو- فقد تم تعيين 7 قضاة جدد، وهو ما انعكس إيجابا على إنجاز القضايا بوتيرة أسرع.

وفيما يتعلق بمحاولات بعض المواطنات الضغط على القضاء من خلال نشر قضاياهن عبر مواقع التواصل الاجتماعي، فعلّق بالقول: "يضرها أكثر من ما ينفعها، سيما لو كانت توجه اتهاماتها المباشرة للقضاء بالتقصير، فهي تدخل بذلك في قضايا تشهير، لأن أي اتفاقية تتم بين المنفصلين عبر القضاء، يتم تحويلها للإرشاد الأسري الذي يدرسها من جميع جوانبها، ويوضح للطرفين حقوقهما وواجباتهما وفق القانون، والعقد شريعة المتعاقدين (..) هناك الكثير من الحلول، على رأسها خطوة "تعديل الاتفاقية" التي يمكن أن تأخذ وقتًا حتى يتم البت فيها، وهنا ليس عليهن إلا الانتظار".

وتابع: "يوجد في القضاء ما يضمن النزاهة والشفافية، فإذا لم يقتنع أحد الطرفين بحكم القضاء في المحكمة يمكنه الاستئناف، والدرجة الأخيرة هي المحكمة العليا، ما يضمن أن هناك درجات من التقاضي تضمن للمواطن الحصول على حكم عادل وفق الأدلة والبراهين".

ورغم قناعة الجوجو بضرورة رفع سن الحضانة لـ 15 سنة للأم كما هو مطبق في القانون الأردني، "لما في ذلك من مصلحة كبرى للطفل نفسه، إلا أن هذا الأمر منوطٌ بالمجلس التشريعي وقراراته التي لا يمكن تجاوزها في هذا الخصوص" يتمم.