شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الثلاثاء 04 اعسطس 2020م19:40 بتوقيت القدس

لا عذر للمعايدين حتى "تلبك المعدة"..

"ها.. كيف معمولاتنا هالسنة؟"

25 مايو 2020 - 10:55

شبكة نوى | غزة:

"كان همًّا ثقيلًا وانزاح"، قالها خالد صقر بعد تنهيدةٍ طويلة، "من زمااان" كان يجب أن يصل "كورونا" إلى قطاع غزّة، "كي أستطيع أن أعتذر عن تناول الكعك والمعمول في منزل كل أسرةٍ أزورها دون الشعور بأي حرج، استنادًا إلى إجراءات الوقاية والسلامة" يضيف.

ربما لن تكون لدى صقر أي مشكلةٍ في تبادل الزيارات هذا العام، لكن مشكلته الأعظم التي تأتيه على شكل "كابوسٍ مخيف" قبل كل عيد، هي: كيف سيردّ كعكةً، أو حبة معمول، قُدّمت له في منزلٍ ما، دون أن يأكلها ويعطي رأيه بها؟ كيف سيقول لعمته "شكرًا"، وهي التي يمكن أن تتنبأ بتناوله واحدةً في منزل أختها قبل قليل؟! القصة كبيرة يا أصدقاء، استمروا بالقراءة:

في العيد، وفي قطاع غزّة الذي يغطيه هذا التقرير تحديدًا، لا توجد طاولة ضيافةٍ إلا وتتربّع في صدرها مضيفة الكعك والمعمول، بالإضافة إلى ضيافة العيد الأخرى من قهوة عربية مرة وشوكولاته، هذه الطقوس التي إن اختفت أو تغيرت لا تشعر بعض العائلات بأن العيد حَل! "الكعك تحديدً" يصنعونه بحبٍ وفرح، ويخططون لجلب مكوناته قبل شهر، حتى وإن اضطروا إلى استدانة ثمنها، بسبب سوء الأوضاع الاقتصادية.

تحفظ السيدات الغزّيات والفتيات هنا، طريقة صنع معمول العيد وكعكه "بصم" كما تقول العامية الغزّية (أي عن ظهر قلب)، بينما يتجهزن لطقوس صناعته المبهجة بطلب "الفزعة" (العون) من كل أفراد العائلة، صغيرها وكبيرها، نساءها وأحيانًا رجالها، تمضي الساعات سريعةً وسط "اللمة" وتفوح رائحة خبزه لتصل الحواري المجاورة، أبعد كل هذا، يمكن أن تسمح امرأة بردّ معمولاتها بدعوى أن "زائرها المُعايد أكل الكثير منه في بيوتٍ سبقت بيتها"؟! 

نعود إلى صديقنا خالد، الذي أخبر "نوى" أنه يزور في يوم العيد الأول ما لا يقل عن 20 منزلًا، "والجميع يقدم الكعك"، والمفروض على كل زائر تناول كعكةٍ على الأقل إن لم يكن هنالك أصنافًا أخرى أيضاً، يتابع: "أقسم بالله، يصيبني تلبك معوي صعب، في ذلك اليوم لا أتناول أي طعامٍ في منزلي، رغم أنني أنتظر انتهاء رمضان، وقدوم أول أيام العيد كي أستمتع بأصنافٍ أخرى كالفسيخ والسماقية مثلًا، لكن (مئة يمين) من الأقارب بأن أتذوق ضيافتهم، تجبرني على الاستسلام".

"ها، شو رأيك في معمولاتنا هالسنة؟" هذا السؤال الأشهر على الإطلاق، يُسأل لخالد في كل المنازل التي يزورها، بعد أن يُرغم على تناول الكعك والمعمول فيها.

يردّ برغم أنه لم يعد يشعر بأي نكهة: "بالطبع لذيذ، أنت معلمة، ويجب أن تفتحي محل حلويات لتصنعي وتبيعي منه".

في قصّةٍ ثانية، وقبل العيد بوقت، يبدأ محمد إدريس بالتلميح لكل من يصادف من أقاربه، أن معدته تؤلمه، وأن الطبيب يمنعه من تناول تلك الأصناف التي تحتوي على الدهون والزيوت ومن ضمنها الكعك والمعمول، "لكن على مين؟ لا يخرجوني من المنزل إلا وقد تذوقت جميع الأصناف، وشربت فوقها قهوة!" يحدّث "نوى".

ولا ينفي الشاب أن طقوس العيد ومواسم الحلويات هذه جميلة، لكنها متعبة في الوقت ذاته، حين يجبر على تناولها كي يُجامل وليس لأنه يحبّها، بل إنه بسبب ذلك بات يكرهها، يقول: "أحبّ المعمول في كلّ أوقات السنة إلا في توقيته الصحيح، في عيد الفطر وفي عيد الأضحى، أشعر أن معدتي تصرخ في تلك الأيام.. كفاك أرجوك.. إرحمني!".

 

وفي بيت أهله عندما يتجمّعون كأشقاء وشقيقات وعمّات وأعمام، يقول تلميحًا: "ليش تعملوا معمول؟ جيبوا جاهز أحسن وأريح" للتهرب من تناوله، إلا أنهم يجيبونه: "ولا مرة كان الجاهز أطيب، يعني إنت ما اشتقت لكعكنا ومعمولنا يا محمد؟ طيب راح نعمله، وذوقه، وساعتها بتقرر الجاهز ولا شغل البيت"، وهنا تكون "جنت على نفسها براقش".

لا مفرّ، مهما حاول خالد فإنه لن يستطيع تغيير أيٍ من طقوس هذه العائلات، لا في صنع الكعك والمعمول، ولا في إجباره على تناولها.

ما أكثر شيء تحبين تقديمه للناس في العيد؟ سألنا سهى مطر وهي ربّة منزل تبلغ من العمر ٦٠ عامًا فأجابتنا: "بالطبع الكعك والمعمول! ما فيها كلام".

وترى أن العيد عبارة عن كعك ومعمول، لا شيء غيره يهمها بقدر احتفالها بهذه الطقوس، تحب أن تأتي الناس لزيارتها ولتناوله، وحين سألنا ما إذا كان المعيدين يتململون من كثرة تناوله في كل منزل يزورنه تقول "من أول ما يجلسوا عندي أحلف عليهم اليمين لتذوقه، فأنا صنعته من أجلهم كيف لا يأكلون منه؟ فكلمة منهم تنسيني كل تعبي به".

وينبه الأطباء قبل عيد الفطر كل عام، من التحول المفاجئ من الصيام إلى الإفطار، وتأثير ذلك على الجهاز الهضمي والمعدة، اللذان يتفاجآن بعد 30 يومًا من الصيام، ودون سابق إنذار بالكثير من المأكولات ذات الطابع الدسم والحلو، ما يتسبب بالانتفاخات والتلبك المعوي، والإسهال، والتسمم الغذائي.

فعند انتهاء شهر رمضان يكون الصائم قد اعتاد على نمطٍ غذائي مختلف، ونتيجة للصوم يعتاد الجهاز الهضمي على عدم استقبال أي طعام أو شراب طوال النهار، في حين يفرز العصارات الهاضمة ويتهيأ لاستقبال الطعام وقت أذان المغرب، وهذا ما يتسبب بالتلبك المعوي للكثير من الناس في أول أيام العيد.

ويهيب الأطباء بالمصابين بداء السكري والسمنة، عدم تناول الحلويات أو الوجبات الدسمة، التي تحتوي على دهون وسكريات بعد الصيام بشكلٍ كبيرٍ ومفاجئ، لما قد تسببه من مضاعفاتٍ وارتفاعٍ في نسبة الدهون في الدم وأمراض القلب والشرايين.

كاريكاتـــــير