شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الخميس 29 اكتوبر 2020م06:29 بتوقيت القدس

التعليم عن بُعد و"التقارب الاجتماعي"

20 مايو 2020 - 18:53

شبكة نوى، فلسطينيات: يشكل التطور المتسارع في تقنيات التعليم عن بعد أساس ثورة التعليم التي نعيشها الآن. وكباقي الثورات ستوفر ثورة التعليم حلولاً للعديد من الإشكاليات، ولكنها ستخلق أيضاً قضايا جديدة ستُشغل العالم في معالجتها.
لقد ثبت أن التعليم عن بعد هو نموذج مناسب للحفاظ على استمرار العملية التعليمية أثناء الأزمات المتسببة في إغلاق المؤسسات التعليمية، كالكوارث الصحية والطبيعية والنزاعات المسلحة. ولكن هل سيبقى نموذج التعليم عن بُعد الخيار الوحيد للاتباع بعد انتهاء الأزمات وعودة الحياة إلى طبيعتها؟
في ظل فرض إجراءات "التباعد الاجتماعي" لاحتواء جائحة كورونا منذ شباط الماضي، اضطر الناس للانخراط في عملية التعليم عن بُعد، وأدرك العاملون في سلك التعليم مزايا التعليم الإلكتروني وقدراته والإمكانيات المتاحة لتطويره والاستفادة منه في تحسين مخرجات التعليم مستقبلاً.
بالفعل، مازال التعليم الإلكتروني يقدم حلولاً للعديد من الإشكاليات، خاصة المتعلقة بتطوير التقانة لخدمة العملية التعليمية وإثرائها، وبما يشمل المنصات مفتوحة المصادر، ومحركات البحث، وبرمجيات المحتوى التعليمي والتقييم الرقمي، وأدوات التواصل الإلكتروني المحفزة للتفاعل ما بين جميع أطراف عملية التعليم.
لقد أدى تغير نمط الحياة في ظل جائحة "كورونا"، والمعتمد على ضرورة "التباعد الاجتماعي"، إلى الاعتماد المكثف على توظيف وسائط التقانة الحديثة للتعويض عن هذا التباعد.
واستمرت التقانة، أيضاً، في تقديم حلول في مجالات الحياة المختلفة. فإضافة للتعليم عن بُعد، تصاعدت أهمية كل مجالات التواصل عن بُعد: التسوق، والمعاملات الحكومية والبنكية، وعقد اجتماعات العمل واللقاءات الأكاديمية والثقافية، وصولا إلى التواصل بين الأقارب والأصدقاء في محادثاتهم اليومية.
لقد أصبح وقْع الحياة يُنظم حالياً وفق مبدأ التواصل عن بُعد، وقد أثبت ذلك جدواه في ظل حالة الاضطرار التي حاقت بالعالم حاليا.
ولكن الأمر الذي يحتاج إلى الكثير من التفكّر يجب أن يدور ليس حول إذا ما كان هذا النمط من التواصل سيدوم بعد المرور عبر حالة الاضطرار، لأن هذا واقع أصبح مفروغا منه، وإنما حول ضرورة الانتباه لما يحدثه ذلك من "أعراض جانبية" من المهم متابعتها ومعالجة آثارها السلبية.
والسؤال المركزي الذي يفرض نفسه في هذا السياق يتمحور حول إن كان "التباعد الاجتماعي" سيبقى هو النمط السائد والمفضل للحياة المستقبلية، أم أن "التقارب الاجتماعي" سيبقى هو الأساس الضروري للحياة الجمعية للبشر؟ الإجابة عن هذا التساؤل المركزي ستكون مهمة لتحديد بنية ونماذج التعليم المستقبلية، بالإضافة طبعاً إلى أمور حيوية أخرى.
تجري الآن في مجال التعليم نقاشات ما بين تيارين حول نموذجين محتملين للتطبيق بعد انتهاء الأزمة.
يتبنى التيار الأول نموذج التعليم المدمج الذي يستفيد من مزايا التعليم الوجاهي والتعليم عن بُعد لتحقيق أعلى درجات الفائدة من هذين النظامين ولجسر ثغرات كل منهما.
في الواقع بدأت بعض الجامعات والمدارس في التخطيط للتعليم المدمج وبتحديد أيام الأسبوع التي سيُستخدم فيها التعليم عن بُعد، والأيام التي سيعقد فيها التعليم وجاهياً استجابة لمتطلبات العلوم التطبيقية وللأنشطة الاجتماعية على سبيل المثال لا الحصر.
ويتبنى التيار الثاني نموذج التعليم عن بُعد بشكل كامل ويدفع مؤيدوه بكل قواهم للترويج له. يضم هذا التيار المؤمنين به من أصحاب التخصص في التعليم المفتوح وأصحاب الخبرة في تكنولوجيا المعلومات وتقنيات الرقمنة، كما يضم الشركات الربحية التي وَجَدت في تبنيه فرصة لتحقيق الربح الوفير عبر التسابق على إنتاج وتسويق جميع تقنياته وأدواته.
وبغض النظر عن الدافعية، وبالاستناد إلى أن الإنسان كائن اجتماعي بالطبع، يتعين على هذا التيار تقديم حلول لكيفية استخدام التعليم عن بعد لتحقيق حاجات الإنسان الماسة للتواصل وجاهياً "التقارب الاجتماعي" الذي بدوره يشكل أساس التنشئة ووسيلتها وهدفها في تنمية الإنسان والمجتمع.
فوسائل التعليم عن بُعد، تثري عملية التنشئة الاجتماعية والسياسية، ولكنها لا تحل محل التعليم الوجاهي الرسمي، بشقيه المنتظم وغير النظامي.
تبدأ عملية تنشئة الأطفال في البيت وتتعزز في المدرسة عبر المناهج التعليمية ونقاشات الطلبة مع بعضهم البعض وتفاعلهم مع معلميهم في الأروقة والساحات ومن خلال الأنشطة الوجاهية المرافقة للمناهج وعبر الأطر والأندية الرياضية والثقافية ومجموعات الصداقة. وكذلك الحال في الجامعات، فهي تسخر جميع فضاءاتها، من قاعات ومسارح وملاعب ومكتبات ومتاحف ومقاهٍ للانخراط في حوارات ومنافسات تصقل مفاهيم شبابها وتساعدهم على صياغة أفكارهم وتحديد اتجاهاتهم وتكوين مثُلهم وشخصياتهم وتعزيز القيم الايجابية لديهم.
كما تتيح لهم فرص لقاء القادة من شتى القطاعات والتعرف إليهم في الندوات السياسية والاجتماعية، وتسمح لهم بتكوين الاتحادات وممارسة العملية الديمقراطية في إعداد البرامج الانتخابية والترشح والتصويت والتنافس على مناصبها القيادية.
في المؤسسات التعليمية يتأثر الطلبة بالمعلمين، وعبر التعامل مع مجتمعهم تترسخ لديهم المنظومة القيمية.
وفي إطار "التقارب الاجتماعي"، يمهد التعليم الوجاهي لاحتكاك الطلبة ولتعاملهم مع فئات المجتمع.
فأثناء الذهاب والإياب من المؤسسة التعليمية يلاحظ الطلبة كيف يتعامل الباعة وسائقو السيارات مع الزبائن، وكيف تتعامل الشرطة مع الناس، ويتعلمون كيفية قطع الشارع بسلامة وأمان، ويتعرفون إلى آداب الحديث، ويتعلمون أسس الأخلاق والمسؤولية الاجتماعية، ويدركون معنى العمل التطوعي وأهمية العمل الإنساني، بما يشمل مساعدة الضعفاء.
ولأهمية كل ما سبق، يُنتظر من المتسرعين في تبني التعليم عن بُعد بشكل مطلق الإجابة عن التساؤلات الآتية: كيف سيحل التعليم عن بُعد القضايا المتعلقة في الحياة الاجتماعية والمرتبطة بالتنشئة الاجتماعية والسياسية ذات العلاقة الوثيقة بالتواصل الوجاهي داخل المؤسسات التعليمية؟ وكيف سيكتسب الفرد قيم ومهارات الانخراط في الحياة المجتمعية؟ وهل ستتمحور الحلول حول تغيير أهداف التعليم لتركز على الكم بزيادة نسب الالتحاق وإتاحة فرص التزود بالمعارف فقط، أم أنها ستشمل الاهتمام بتقديم تعليم نوعي متكامل؟
هل ستركز الحلول على تزويد الطلبة بالمعارف وتدريبهم على مهارات تصلح للعمل فقط، أم ستتمسك بعملية التربية والتعليم التي تنمي الانسان والمجتمع؟ هل سينادي هذا التيار بفصل التعليم عن التربية ويلقي بعبئها على مؤسسات المجتمع المدني الشاملة للأندية الثقافية والأُطر الحزبية، أم سيختار توزيع المسؤوليات بينهما بما يحقق الانسجام والتكامل؟
أثناء الإغلاق، قدم التعليم الإلكتروني عن بُعد حلولاً جزئية للتخفيف من آثار التباعد الاجتماعي. تمثلت الحلول بنشر الإرشادات المكتوبة والفيديوهات وبرامج المحاكاة التي تُدَرب جميع أطراف التعليم على تنظيم الوقت والانضباط والتركيز والعمل الجماعي عن بُعد، وتعلمهم طرق تحقيق التوازن ما بين التعلم والترويح عن النفس والتواصل مع الأصدقاء عبر غرف الدردشة. ولكن هذا التدريب بقي منقوصاً وغير مُلبٍ لتوق الاطفال والبالغين، على حد سواء، للقاء في المقاهي والنوادي وأروقة المدارس والجامعات.
ستفتح المدارس والجامعات أبوابها في وقت ما، ويُتوقع من القائمين على التعليم اتخاذ القرار حول النموذج التعليمي الأكثر مناسبة لاحتياجات طلبتهم، واستغلال الفرصة لمعالجة أوجه قصور التعليم التقليدي، كما التعليم الالكتروني عن بُعد، وتقديم الحلول المبدعة بما يخدم أهداف تنمية بلدانهم والإنسانية.
يحتاج اتخاذ القرار للكثير من التمحيص والتأمل ومراجعة النماذج المستخدمة قبل عبور محنة "كورونا"، وخلالها، لأخذ العبر والاستفادة من الحوارات الجارية الآن حول مستقبل التعليم وثورته المبنية على أساس التسارع المطّرد في استخدام التقنيات التي دفعت بالتعليم عن بُعد ليصبح الآن في مركز الصدارة.
ويجدر الانتباه، في حال اعتماد نموذج التعليم عن بُعد بشكل متزايد، &لى ضرورة تقديم حلول تعالج المشكلة الجوهرية المتمثلة في قصوره في معالجة القضايا الاجتماعية، والتي هي جزء لا يتجزأ من العملية التربوية – التعليمية.