شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الخميس 04 يونيو 2020م15:03 بتوقيت القدس

"الميعاري".. حارس التراث "المُهجَّر" في "عين الحلوة"

19 مايو 2020 - 09:03

شبكة نوى، فلسطينيات: لم يشارك حسام الميعاري هذا العام، بفعاليات إحياء النكبة الفلسطينية، كما جرت عادته كل عام، بسبب الإجراءات الاحترازية المتبعة منذ انتشار جائحة كورونا. إلا أن ضميره مرتاحٌ نوعًا ما، إزاء ما قدمه ولا يزال لخدمة القضية الفلسطينية.

أخذ الميعاري على عاتقه منذ قرابة عقدٍ ونصفٍ من الزمان (15 عامًا) جمع كل ما له علاقة بالتراث الفلسطيني الخاص بفترة ما قبل النكبة، من داخل مستقره المؤقت في مخيم عين الحلوة في لبنان.. كيف بدأت الحكاية؟ هذا ما يخبرنا به حسام.

عبر الهاتف جاء صوته متقطعًا لضعف الإنترنت، فقال: "عمل والدي على جمع شجرة العائلة، وكنت أساعده  في جمع المعلومات من كبار السن من أبناء بلدتنا الذين شاركونا الهجرة".

انتبه  الشاب حينها للقصص التي رواها المهجرون قسرًا، وما حملوه في حوزتهم وقت الرحيل "من ريحة البلاد"، "فشدني الأمر وبدأت أتخذ طريقًا مغايرًا، أصبحت أبحثُ في كل المقتنيات القديمة التي كان يستخدمها أهلُنا قبل النكبة، وأجمع ما أمكنني منها، من أجل الحفاظ عليها" يقول، مضيفًا: "لا سيما وأن من هُجِّروا من بلداتهم ظنوا أنهم سيعودون إليها لا محالة خلال أيامٍ قليلة، فبقيت كل أمتعتهم وأغراضهم في بيوتهم، إلا القليل منها".

أول مقتنياته كان مفتاحًا منحته إياه إحدى السيدات لمنزلها في صفد، بعد أن قالت له: "أريدك أن تحتفظ به، أخشى أن يضيع بعد موتي"، يعلق: "كم كنتُ فخورًا وسعيدًا حينها، اليوم أنا أحتفظ به وبمفتاحين آخرين، أحدهما لمنزلٍ في الناصرة، وآخر في صرفند العمار".

ليس هذا فحسب، لقد حصل الميعاري على بابور جاز، ومسند، وأباريق قهوة وشاي قديمة، وأوانٍ للطعام، وبراميل خشبية، وراديو قديم، جميعها كانت أساس الحياة قبل النّكبة.

يتابع: "كل قطعة لها دلالتها حول ملامح الحياة في ذلك الوقت، فمثلًا القهوة العربية المعروفة، كانت لها 3 أوانٍ: أكبرها "الدلة"، وأوسطها " الشبل"، وأصغرها "التنوة"، بينما يتم التفريق بين المصبات الخاصة بها حسب اتجاه المصب، فإذا كان لليمين، فيصب في الأفراح، وإن كان لليسار، فيستخدم لصبها في الأحزان والأتراح".

لا يقتصر الأمر على ذلك حسب ما يروي الميعارري الذي استقى معظم معلوماته من الكبار الذين عاصروا الحياة ما قبل نكبة 1948م، "بل إن الأمر أبعد من ذلك بكثير، فاستخدام مصب بعينه له دلاله في الجاهات الخاصة بحل المشاكل، فإذا وجدت الجاهة المصب باتجاه اليمين فهي رسالة بضرورة المصاهرة من أجل إتمام المصالحة وتقويتها".

جمع الميعاري قصص البلاد وتقاليدها، وأصبح يشارك بمقتنياته التي بلغ عددها (80 قطعة) جمعها من الأصدقاء والمعارف مع تاريخها ودلالتها، في كل المناسبات الوطنية المتعلقة بالقضية الفلسطينية، التي كان حرص خلالها على ارتداء اللباس الفلسطيني القديم  المتمثل بـ "القمباز"، و"السروال الواسع"، و"الكوفية" التي يعتليها عِقال.

مما يحتفظ به الميعاري: المسند الذي كان يوضع في صدر البيت قبل النكبة، الذي يعتمد في صناعته على كل من الزوج والزوجة، إذ يقوم الزوج بشد القصب وتقوم الزوجة بكسوته بالقماش المزركش وغرزه بالإبرة ليكون متينًا.

يذكر الميعاري أن الضيف كان إذا دخل منزل أحدهم، عرف وضع أسرته من متانة المسند وشدته، فإذا كان مشدودًا قويًا، كانت الأسرة متماسكة ومستقرة، أما إذا كان رخوًا فذلك دلالة على أن لكل منهما رأي مغاير عن الآخر.

الميعاري الذي ولد ونشأ وكبر في لبنان، تأسره قصص الكبار ورواياتهم حول "البلاد" وجمالها واستقرار أهلها، قبل أن ينقلب الحال، ويتم تهجيرهم قسرًا حول العالم، ويطمح لأن يوثق هذه الشهادات والروايات بشكل رسمي من خلال فيلم وثائقي، "إلا أن التمويل، يقف عائقًا بيني وبين هذا الحلم، الذي يوثّق ذاكرة الأجداد ممن عاصروا النكبة الفلسطينية، وأصبح عددهم  ينقص تدريجيًا" يقول.

رغم أن الشاب تلقى العديد من العروض لبيع مقتنياته من التراث، لكنه أبى إلا أن يواصل رحلته في الحفاظ عليها وتذكير الأجيال الصاعدة، بظروف النكبة وتاريخ القضية التي يحاول المحتل طمسها بكافة الطرق.

كما أبنائه، يخبئ ميعاري مقتنياته، وينقلها من مكان إلى آخر خوفًا عليها من التلف أو الضياع في حال حدوث طارئ في المخيم الذي يسكنه، "كل قطعة تحكي حكاية الوطن، ورحلة العذاب التي استمرت 72 عام ولم تنتهِ بعد (..) أنا هنا وقلبي يصبو إلى صفد، واليقين يزداد ويكبر بأنني سأعود إليها حتمًا" يكمل.