شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الخميس 04 يونيو 2020م12:57 بتوقيت القدس

استغلوا أزمة البلدية وغيابها..

"كورونا" تفتح "طاقة القدر" للنباشين الأطفال!

18 مايو 2020 - 00:49

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

"غالبيتهم لم تتجاوز أعمارهم ثمانية عشر عامًا، بعضهم تركوا مقاعد الدراسة كي يتفرّغوا لهذه المهنة، وآخرون يمارسونها بعد عودتهم من المدرسة! شقاءٌ موغلٌ مقابل بضعة شواقل بالكاد تلبّي احتياجات عائلاتهم الأساسية"، هذا الوصف كان ملخّص تحقيقٍ نشرته شبكة "نوى" التابعة لمؤسسة "فلسطينيات" مطلع أكتوبر الماضي حول الأطفال "جامعي القمامة".

التحقيق الذي حمل عنوان: " في ظل عدم وجود حماية قانونية.. تزايد المخاطر المحدقة بصغار جامعي القمامة"، أشار إلى (250 طفلًا) يعملون في هذه المهنة فقط في محافظتي غزة والوسطى، فيما تطرق إلى الخطر المحدق بحياتهم الصحية والاجتماعية جرّاء ممارستهم اليومية لها "إذ يتم استغلالهم على الأغلب من قبل ذويهم، وإرغامهم على ترك مقاعد الدراسة، للعمل في تنبيش الحاويات وجمع المعادن والبلاستيك، وبيعها للحصول على مبلغٍ بالكاد يصل إلى 20 شيقلًا نهاية النهار".

رغم إعداد تحقيقٍ سابقٍ حولهم، الأعداد وبدلًا من أن تتقلَّص ازدادت! وأيضًا بمساعدة ذويهم الذين استغلوا الوضع الطارئ الذي يعيشه قطاع غزة بسبب جائحة كورونا.

بعد مرور ثمانية أشهر على التفاعل الكبير الذي لاقاه تحقيق "نوى" من قبل جمهور القراء، كان لا بد من متابعة "التغيرات" التي يفترض أن تكون قد حصلت على أرض الواقع على المستويات الحكومية المسئولة، لتحسين أوضاع هؤلاء الأطفال، وإرجاعهم إلى أحضان حقوقهم المشروعة، لتكتشف معدة التحقيق أن "الأعداد، وبدلًا من أن تتقلَّص ازدادت!" وأيضًا بمساعدة ذويهم الذين استغلوا على ما يبدو الوضع الطارئ الذي يعيشه قطاع غزة بسبب جائحة كورونا.

ويعد عمل الأطفال دون سن الثامنة عشر، مخالفًا لما ورد في المادة (43) من قانون الطفل الفلسطيني رقم (7) لسنة 2004م، التي تنص على أنه "يُمنع استغلال الأطفال في التسول، كما يمنع تشغيلهم في ظروف مخالفة للقانون، أو تكليفهم بعملٍ من شأنه أن يعيق تعليمهم، أو يضر بسلامتهم، أو بصحتهم البدنية أو النفسية".

دون السن القانوني

في شارع الرشيد، وفي تمام الساعة الواحدة بعد منتصف الليل، تجمع خمسة فتية لم تتجاوز أعمارهم السادسة عشر، حول حاويةٍ كبيرة، ينقبون على ما فيها من معادل أو عبوات بلاستيكية، صوت صرخاتهم لفتت المارة، هذا يقول: "مش الك أنا لقيتها بالأول"، وآخر يرد: "سيبها أصلًا مش منطقتكم هادي"، في إشارةٍ منه بأنه اعتاد على التنبيش وحده في المكان.

الملفت في المشهد حقًا، أن عربة "كارو" تتبع بلدية غزة كانت تقف بالقرب من المكان، بينما صاحبها ينافس الفتية في التنقيب داخل الحاوية!

الملفت في المشهد حقًا، أن عربة "كارو" تتبع بلدية غزة كانت تقف بالقرب من المكان، بينما صاحبها ينافس الفتية في التنقيب داخل الحاوية!

تواصلت "نوى" مع أحمد أبوعبده، مدير دائرة الصحة والبيئة في بلدية غزة، فلم ينكر –ومذ بدأ حديثه- تفاقم أزمة النباشين في الآونة الأخيرة، مرجعًا ذلك إلى تقليص خدمات البلدية، بسبب سوء الوضع المالي، مما أدى إلى تكدس النفايات في الشوارع مدة 24 ساعة، "وفي رمضان كما العادة، وبدلًا من إفراغ حاويات الشوارع ثلاث مرات يوميًا، صار يتم تفريغها مرةً واحدة فقط".

أبو عبده: تنبيشهم المستمر في الحاويات، ينسف الهدف من وجود الحاوية أصلًا، لما يسببونه من فوضى حولها، ويرهق العمال بشكل كبير عند عملية إفراغها.

بحسب أبو عبده، فإنه وقبل "كورونا" كانت تجرى العديد من اللقاءات مع جهات الاختصاص جميعًا للحد من مشكلة النباشين الأطفال، سيما وأن تنبيشهم المستمر في الحاويات، ينسف الهدف من وجود الحاوية في الشارع أصلًا لما يسببونه من فوضى حولها، ويرهق العمال بشكل كبير عند عملية إفراغها.

ويقول: "مهما حاولنا الحد من أعداد النباشين، لن يجدي ذلك نفعًا كون الكثير منهم باتوا يعدون "التنبيش" مصدر دخلٍ ثابت لعائلاتهم"، ملفتًا إلى سعي جهات الاختصاص بدمج هؤلاء النباشين مع عمال البلدية، ضمن مشاريع، لضمان الحد من المكاره الصحية "بحيث يكون كل نباش، مرافقًا لعامل نظافة، دون أن يشمل ذلك من هم دون سن الثامنة عشر.

وعن الآلية المزمع اتباعها فيما يتعلق بقضية "النباشين الأطفال" أكد أبو عبده، وجود خططٍ للبدء بتوعية المواطن بإفراز النفايات العضوية، عن غير العضوية، مما يسهّل على النباشين أخذ ما يريدون، مستدركًا بالقول: "هذا أقل ضررًا على كافة الأصعدة".

"50% من النباشين هم دون السن القانوني، وقد وجدت بعض المخالفات من قبل عمال النظافة التابعين للبلدية، الذين يتحركون بعربات البلدية، برفقة أفراد من ذويهم (نباشين)، وقد تمت محاسبتهم".

وبحسب قوله فإن "50% من النباشين هم دون السن القانوني، لذا وجدت بعض المخالفات من قبل عمال النظافة التابعين للبلدية، الذين يستخدمون عربات البلدية، ويتحركون بها برفقة أفراد من ذويهم، كونهم يعرفون الحاويات جيدًا، والأماكن التي يسهل فيها النبش عن المعادن والبلاستيك، وقد تمت محاسبتهم".

ولفت أبو عبده إلى أنه في الآونة الأخيرة، لوحظ أن النباشين ينشطون بعد الساعة 12 بعد منتصف الليل، كونهم يدركون أن عمل الشرطة والبلدية انتهى، مشيرًا إلى أن أكثر الأماكن التي ينشطون فيها هي شوارع: عز الدين القسام، والرشيد، والجلاء، والثلاثيني، وصلاح الدين، وذلك بسبب تأخر وصول سيارات البلدية إليها بفعل الأزمة المادية، واقتصار فترة العمل الرمضانية على "مرة واحدة يوميًا، بدلًا من ثلاث مرات".

بالعودة إلى التحقيق الذي نشر مطلع أكتوبر 2019م، فقد أكد أبو عبده، أنه ساعد البلدية في الوصول إلى بعض الحقائق والإحصائيات، لا سيما تلك التي تتعلق ببعض المشاكل السلوكية.

ولأن متابعة الصغار من النباشين لا يقتصر على البلدية فقط، طرقت "نوى" أبواب وزارة التنمية الاجتماعية في غزة، باعتبار أن الدافع لهؤلاء الصغار هو ضعف الإمكانيات المادية.

الكحلوت: غالبيتهم مدرجون ضمن المساعدات الثابتة لدى الوزارة، ويتم استهدافهم من قبل برامج شبكة حماية الطفولة، ومعظمهم يمتهنون التسول أيضًا.

تقول عزيزة الكحلوت المتحدثة باسم الوزارة: "غالبية هؤلاء الصغار مدرجون ضمن المساعدات الثابتة لدى الوزارة، ويتم استهدافهم من قبل برامج شبكة حماية الطفولة"، لافتةً إلى أن معظمهم يمتهنون التسول أيضًا.

وأضافت لـ "نوى": "المساعدات الحالية غالبيتها تذهب إلى مراكز الحجر الصحي، كون قطاع غزة يعيش في ظرف طارئ، ومع ذلك نحاول العمل بشكلٍ متوازٍ لضمان تقديم المساعدات الإغاثية للأسر المحتاجة".

وأكدت الكحلوت، أن هذه الفئة من النباشين مدرجين أيضًا ضمن برامج القسائم الشرائية التابعة للوزارة، "لكنهم فور حصولهم على المساعدة، يعودون لما هم عليه من تسول وتنبيش"، متحدثةً عن الإجراءات الرادعة التي تتخذها وزارة التنمية الاجتماعية تجاه من يتسول أو ينبش في الحاويات، بعد حصوله على حاجته من الوزارة "تعهدات على من يخالف، وكثير منهم حُوّل إلى مؤسسة الربيع للأحداث، أو بيت الأمان للمتابعة والتقويم، لكن مع ذلك يعودون لأعمالهم الخطرة (..) دعونا نتفق على أن أهل الحاجة الحقيقية لا يخرجون للتنبيش، ولا إلى طلب المساعدة فهم متعففون".