شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الخميس 04 يونيو 2020م13:32 بتوقيت القدس

طريق اللجوء تصل "آية" بجذورها في "شفا عمرو"

16 مايو 2020 - 14:16

شبكة نوى | فلسطين المحتلّة

"من مخيّم اليرموك في سوريا، إلى لبنان، إلى مخيّم البص، فعين الحلوة، ثم إلى اليرموك مجددًا، حتى وصل القصف حارتَنا فأُجبرنا على الرحيل مرةً أخرى"، من آخر مستقرّها في السويد بدأت الفلسطينية اللاجئة من مدينة "شفا عمرو" آية أبو العلا الحكاية.

قصة آية، هي ذاتها قصة الطريق الطويلة المرهقة، التي قطعَها الفلسطينيون على امتداد 72 عامًا من تاريخ النكبة، بين منافٍ كثيرة.. الطوابير الطويلة أمام مقرات وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أنروا" في البلاد والشتات، وأمام بوابات الهجرة والجوازات في هذا البلد أو ذاك، علّهم يحصلون على جنسيةٍ أخرى يختبئون خلفها للعبور إلى فلسطين، فلسطين المحتلّة.

البداية كانت عام 2011م، عندما قرّرت عائلتها السفر من مخيّم اليرموك إلى لبنان، هذا البلد الذي تراه في عيونها "بحرًا" و"سفرًا".. سكنت مخيم البصّ برفقة عائلتها مؤقتًا عند أقرباء لهم هناك، وهناك اكتشفت حقيقة الرحلة "لجوءٌ جديدٌ" بات الفلسطيني يحفظ تفاصيله المُرة عن ظهر قلب.

تقول: "نزوحنا من اليرموك جاء بالتزامن مع قصف طيران الميغ هناك، بعض سكان المخيم مثلنا، غادروه طمعًا في النجاة، وبعضهم الآخر قرروا أن يتمسكوا ببيوتهم فيه كي لا يعيشوا نكبة لجوءٍ جديدة".

في مخيم "البص" بلبنان، كان الوضع مختلفًا تمامًا عن وضع المعيشة في اليرموك بسيط الأبنية، مختلف المساحة، قررت العائلة العودة إلى المكان الذي احتواها منذ عام اللجوء الفلسطيني الأول "اليرموك" بعد وقتٍ قصير، إلا أن القصف لم يرحمهم من جديد، فلجأت ثانيةً إلى لبنان، حيث مخيم "عين الحلوة" كان ينتظرهم بأبنيته المتهالكة ووضع أهله الصعب.

أيامٌ ثقالٌ على قلب آية وعائلتها مرّت في ذلك المكان، حتى قررت والدتها فجأةً "المخاطرة": السفر عبر البحر إلى السويد "كملايين السوريين" الذين تفرقت أشتاتهم، وأحلامهم، تحت أدخنة الحرب ونيران البراميل المتفجرة.

تضيف: "المرة الوحيدة التي خدمنا فيه لجوءنا كانت هناك، لكننا كنا نعرف يقينًا أن الرحلة القادمة ستكون بمثابة لجوءٍ جديد، وليس استقرارًا في وطن (..) استطاعت أمي الحصول على الجنسية بعد عامين، حتى أنهم تلقائياً قاموا بتسجيلنا (بلا وطن)"، لكن هذه لم تكن نهاية الحكاية.

كانت آية تحلم بأن ترى وطنها الحقيقي، ذلك الذي تمتد منه جذورها الصلبة "فلسطين"، حصَلَت على الجنسية السويدية، وصار لزامًا أن تحقق الحلم!

"كيف راح أروح؟ وين راح أقعد؟ أكيد راح أضطر أتعامل مع جنود الاحتلال، طب شو راح أعمل لو صار إشي؟"، والكثير الكثير من الأسئلة، جعلت تراود عقلها على مدار أيامٍ طويلة، تحدث نفسها سرًّا عن هذا الحلم، وتترك الأمر لوقته، تعلق: " هذا الحلم كان حلم كل الفلسطينيين في المخيمات، لبنان وسوريا، حلمٌ مشتركٌ كبير: أن نعود إلى فلسطين يومًا ما".

في السويد، ساق لها القدر مجموعة من الشبان والشابات الفلسطينيات، كانوا في رحلةٍ هناك، في الحقيقة كانت تلك هي المرة الأولى التي تسمع فيها اللهجة الفلسطينية بصوت أصحابها الأصليين، وهذا ما كان سببًا أكبر لتعيد التفكير بجديةٍ هذه المرة: "أنا أريد الذهاب إلى فلسطين".

الأيام بعدها مرّت كحلمٍ قصير، الثامن عشر من ديسمبر/ كانون الأول للعام ٢٠١٨م، كان التاريخ الذي حطّت آية فيه على أرض فلسطين للمرّة الأولى في حياتها..

اللحظات الأولى كانت كالحلم، ظنّت لوهلةٍ أنها تتخيل إلى أن وصلت إلى مدينة "شفا عمرو".. تلك المدينة التي هجّر الاحتلال عائلتها منها في عام النكبة "إنه شعور المنزل" تصف الموقف بعفوية.

المرة الأولى التي لم تشعر فيها الفتاة بالغربة، "لا لاجئة، ولا غريبة" على عكس كل مكانٍ أجبرت على السكن فيه منذ ولدت - تتحدث - وتزيد: "كانت لدي رغبة في أن أخبر كل الفلسطينيين المقيمين هناك بقصة لجوئي من سوريا إلى لبنان ثم إلى السويد، كنتُ أرغب في أن أزور بيوتهم كلها، تعرفتُ على أناسٍ كثر هناك".

تعلق بنبرةٍ متأثرة: "صار عندي سند، صار إلي أصحاب بفلسطين، أكثر من أي مكان تاني بالعالم".

تصف آية "رام الله" بأنها تشبه مخيّم اليرموك، لدرجة أنها تخيلت أنها يمكن أن تعرف الطرقات كلها دون أن تسأل أحدًا من أين تذهب؟، كانت تشعر أن أهل اليرموك يرون فلسطين بعيونها الآن، وأنه يجب عليها أن تخزّن كلّ القصص برأسها، كي ترويها لعائلتها وأصدقائها الذين ينتظرون بدورهم مكالمة فيديو منها.

من الأشياء التي تغيّرت في آية بزيارتها أرض الوطن، أن لهجتها بدأت تتغير إلى الفلسطينية دون أن تنتبه، تضيف: "يمكن فترة سكني بالسويد خلتني أحس بالكثير من السلبية، لكن ولا مرة حسيت بالغربة، يمكن لأنه ما إلي بلد بالأصل، بس بعد ما زرت فلسطين، أول مرة بحس بالغربة هون (بالسويد)، بكل ثانية بكل دقيقة أنا بدي أرجع ع بلدي".

كتبت الشابة قصتها في "فيسبوك"، لتكون إلهامًا للاجئين الفلسطينيين حول العالم، تقول: "كل وقتي بفلسطين قعدت أفكر بكل حدا نفسه يرجع، بكل حدا فارق حياته وضل بنفسه يشوف البلد، فكرت بحسان وسلمى عبد الرزاق وإيناس شريتح، فكرت بستي وجدي اللّي عاشوا كل حياتهم بمخيمات اللجوء، وكنت أشوفهم بكل زاوية بفلسطين".

ولأن حقّ العودة حق لا عودة عنه، تؤكّد آية أنها لن تتنازل عنه حتى عودة آخر لاجئ فلسطيني إلى أرضه.

آية ابنة المخيّم، في العام ٢٠١١م شاركت بمسيرات العودة على الشريط الفاصل بين الجولان المحتلة وباقي مناطق سورية، ضَرَب جنود الاحتلال تجاههم الغاز المسيل للدموع، وأطلقوا الرصاص على جموع المشاركين ومن بينهم أطفال، تقول بصوتٍ يرتجف: "أنا اللّي وقفت ع حدود فلسطين بكل مكان لجئت إله، وبكيت من كل قلبي، قدرت أرجع ع فلسطين، وأشوف بلادي وألمس ترابها" هكذا أرادت أن يعرف العالم آية أبو العلا.