شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الخميس 04 يونيو 2020م13:40 بتوقيت القدس

التجار شربوا "مقلب كورونا"..

"غزة" تتمرد على "المنطق" وتتجهّز للعيد!

13 مايو 2020 - 12:50

شبكة نوى، غزّة:

كيف تاهت عنه هذه المقارنة؟ يدور صاحب محل الألبسة النسائية عصام حسين حول نفسه، وهو يسألها: "كيف لم أنتبه! يعني الناس عيّدت في الحرب، ما بدها تعيّد في كورونا؟"، يجيب نفسه بحسرةٍ وهو يراقب النساء تدخل محله بحثًا عن بضاعةٍ جديدة، وتخرج بخفي حنين: "يا ليتني طلبت بضائع أكثر".

يكاد الشاب يصاب بصدمةٍ وهو يرى نسبة المتسوقين لعيد الفطر في أسواق قطاع غزة، ويعلق: "الأمر مختلف تمامًا عن ما روّجت له مواقع التواصل الاجتماعي، لقد أوصلت إلينا توقعات بأن فئات قليلة فقط هي من ستتسوق للعيد، ومن هنا قررنا أن لا نتهور، ونشتري الكثير من البضائع فتتكدس في متاجرنا".

التمّ شمل الناس في الأسواق مجددًا! قطاع غزة بعد فترةٍ من الانقطاع عن روتين الحياة المكتظة في شوارعه وأسواقه، فكَّ حجره من تلقاء نفسه، ودون سابق إنذار، الأمر الذي تسبب بصدمةٍ للتجار الذين ظنوا أن حالة الطوارئ ستمتد إلى ما بعد العيدين أصلًا.

يلفت حسين إلى أن معظم التجار اعتمدوا هذا العام على مخزون المواسم السابقة، ففاجأهم الزبائن بإقبالهم اللافت. حول الأسعار يفيد "نوى"، بأنها تتراوح ما بين ٥٠ و٢٠٠ شيكل، بحسب جودة الملبوسات، وماديات الزبائن التي تتذبذب باستمرار.

ويقول: "كنت قد قلصت عدد العاملين في المحل في بداية انتشار كورونا، إلى عامل واحد من أصل ثلاثة، لأنني لا أستطيع دفع رواتبهم مع الركود الموجود، لكن مع إقبال الناس أعدتهم مجددًا إلى العمل رغم قلة البضاعة".

بالعودة قليلًا إلى صيف العام ٢٠١٤م، حيث شنّت "إسرائيل" عدوانها الأكبر على الفلسطينيين في غزّة، بالتزامن مع بداية شهر رمضان وحلول العيد. لم تتعايش الناس بالطبع مع قصفٍ وتدميرٍ وتهجيرٍ ونزوحٍ استمرّ حوالي شهرين، لكنهم حاولوا الحصول على استراحةٍ إجبارية من العدوان الذي حوّل القطاع إلى مقبرةٍ للفرح، وذلك بالاحتفال بالعيد، تمامًا كما يجري اليوم مع انتشار وباء "كورونا". 

"ليس للعيد فحسب، بل للصيف أو للسنة بأكملها نشتري الملبوسات تزامناً مع العيد"؛ تقول سميرة عزّام وهي أمٌ لروان وريم وسارة وأحمد.

تعمل سميرة معلمة، وتتقاضى راتبها من "حكومة غزة"، بينما زوجها كان عاملًا في الأراضي المحتلة داخل الخط الأخضر، إلا أنه أضحى اليوم دونما عمل، بسبب الاحتلال وحصاره أولًا، وبسبب كورونا ثانيًا.

أربعة أطفال يحلمون بيوم العيد، فهي المناسبة الوحيدة التي يشترون فيها الملابس بسبب ضيق الأحوال المادية، "حتى وإن قمت بالاستدانة، أشعر أنه من الواجب علي إسعاد أطفالي، هل أكسر بخاطرهم بسبب كورونا؟" تتساءل الأم.

وتتابع: "الأطفال لا يفهمون ماذا يعني كورونا؟ ينتظرون الأعياد بشغفٍ في كلّ عام، وعندما نشتري لهم الملابس الجديدة ينامون إلى جانبها، وهم ينتظرون صبيحة العيد لارتدائها"، مردفةً: "بالتأكيد سوف نحتفل بأقلّ القليل ونشتري لهم أبسط ما يحلمون به".

"ندمتُ على كلّ يومٍ تذمرت فيه من اكتظاظ النّاس، "كورونا" عرّفنا قيمة المشهد، بدلًا من مشاهد البؤس المتمثلة بخلو الشوارع والأسواق" تقول هبة شحادة التي تعمل في أحد المتاجر بمدينة غزّة.

كالنحلة تطير هبة اليوم بين الزبائن تلبّي طلباتهم، بسّامة ضحّاكة، فـ "كورونا" "المسيطر على انتشاره من قبل حكومة غزّة" التي وضعت آليةً لحجر العائدين إلى القطاع عبر معبر رفح البري، وحاجز بيت حانون "إيرز"، ليس وحشًا هنا.

تعمل الشابة وتحدّثنا: "خفتُ ألا تعود الحياة لطبيعتها، خفتُ أن أفقد عملي، وخفتُ من شبح كورونا الذي أرهق نفسياتنا".

وكأن الكآبة في مدينةٍ يأكلها ظلم الحصار منذ ١٤ عامًا، غادرتها بمجرّد أن عجت الشوارع بمظاهر الحياة مجددًا، في محلات الملابس، وعلى عربات الباعة المتجوّلين، وفي وزينة رمضان والعيد.

وكذلك حين تسمع أصوات الراديو في السيارات تغنّي: "بهوايا إنت قاعدة معايا، عينيك ليا مرايا يا جمال مراية العين"، يُكملها طفلٌ لم يتجاوز الـ ١٠ سنوات بصوتٍ عالٍ: "خليكي لو هتمشي أناديكي، إنت ليا أنا ليكي.."، تقاطعه والدته بإغلاق فمه وتمتم بأذنه "أسكت، فضحتنا".