شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الخميس 04 يونيو 2020م15:00 بتوقيت القدس

هُدنةٌ مع البيئة.. "كورونا" الذي أنعش الأرض

13 مايو 2020 - 12:10

غزة:

"رُب ضارةٍ نافعة، يبدو أن كورونا جاء لإنعاش كوكب الأرض"، هكذا وصفت المواطنة الفلسطينية آية حامد، التغيرات الجليّة على المناخ بعد تفشي فايروس (كوفيد- 19) في فلسطين والعالم.

الشابة التي تسكن قرب الحدود الشرقية لمدينة غزة، تهوى فتح نافذة بيتها صباحًا لتستمتع بالهواء العليل. حتى وقتٍ قريبٍ كان هذا الأمر صعبًا جدًا، "ولكن الآن نقاء الجو مغرٍ جدًا لفعل ذلك" تقول.

الشابة، وهي أمٌ لأربعة أطفال، تستغرب استمرار برودة الجو رغم انتصاف شهر آيار/ مايو، وهو ما لم يحدث منذ سنواتٍ طويلةٍ سابقة، وتعتقد أن نقاء الهواء، هو السبب المباشر في ما وصفته "تأخّر الصيف هذا العام".

فايروس "كورونا" الذي ضرب العالم منذ أواخر العام الماضي، وأجبر الدول كلها قاطبةً على الحد من أنشطتها الاقتصادية، والانكفاء على نفسها، ووقف حركة الطيران، رغم تعطيله للحياة لكنه أثّر على ما يبدو إيجابًا في البيئة.

المنظمة العالمية للأرصاد الجوية أكدت أن "انبعاثات الكربون ستتراجع بنسبة 6% خلال العام الحالي

وكانت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية أكدت أن "انبعاثات الكربون ستتراجع بنسبة 6% خلال العام الحالي، وأن الأزمة أثرت على انبعاثات غازات الاحتباس الحراري". هذا التحسن الذي تحدثت عنه المنظمة، هو ما رصده المواطنون العاديون حقًا في كل دول العالم.

إلى مدينة رفح جنوب قطاع غزة، إذ تلحظ الشابة أمل محمد تواصل برودة الجو وتساقط زخاتٍ من المطر مع بداية الشهر الجاري، وتعلّق:"هذا التحسن في الجو، يخفف عنا قليلًا من وطأة الحجر المنزلي الذي نخضع له".

وتضيف: "إن عوامل الازدحام حسب اعتقادي، وارتفاع نسبة عوادم وسائل النقل، وتصاعد أبخرة المصانع، كانت سببًا في تلوث الجو، ولكن مع توقّف كل هذا، اختلف الجو تمامًا، أصبحنا نشهد صفاءً لم نشهده منذ أكثر من عقدين"، موضحةً أنها اليوم باتت ترى مناطق بعيدة كان يغطيها الضباب بسبب التلوث.

وكانت صور الأقمار الصناعية، أظهرت تراجع نسب تركيز غاز ثاني أكسيد النيتروجين في العالم، وانخفاض نسبة ثاني أكسيد الكربون في الهواء، حيث تركّز هذا الغاز في الهواء بنسبة 25% وفقًا لموقع "Carbon Brief".

الحرازين:مستويات التلوث في الهواء تراجعت عالميًا بشكلٍ كبير، خاصةً في المدن الكبرى

تقول د.هالة الحرازين رئيس قسم الجغرافيا في جامعة الأقصى: "إن مستويات التلوث في الهواء تراجعت عالميًا بشكلٍ كبير، خاصةً في المدن الكبرى، نتيجة انخفاض حركة السيارات والمطارات وإغلاق الورش والمصانع".

وشرحت الحرازين وهي متخصصةٌ في جغرافيا البيئة، أن الجسيمات العالقة في الهواء عندما تكون بكثافةٍ كبيرةٍ ومع الكثير من الضباب، تكون نسبة تلوث الغلاف الجوي كبيرة جدًا، وهي وسيلة أيضًا لسرعة انتشار الوباء، لكنها نفت أن يكون لهذا الانخفاض أي انعكاس على المدى الطويل.

"صحيح أن التغيرات الحالية مفيدة وتخفّض مستوى تلوث الهواء وتؤثر على صحة القلب والرئة والجهاز التنفسي، إلا أن التلوث بخطره الكبير سيعود بمجرد عودة الحياة الاقتصادية والصناعية كما كانت" تضيف.

وتتابع: "من المستبعد أن يكون لخفض انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون على المستويات العالمية أي تأثير، ويتأكد ذلك من خلال كيفية تشكيل مستويات الغاز في الغلاف الجوي، فليست الانبعاثات السنوية له هي التي تتحكم بمستوياتها في الغلاف الجوي، بل تراكم ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي منذ ما قبل العصر الصناعي".

الخبير البيئي د.عبد الفتاح عبد ربه، يتفق مع سابقته في الرأي، ويوضح أن "كورونا" التي أثرت على كل مناحي الحياة، انعكست بشكلٍ مختلف على البيئة.

الباحث الذي يعكف حاليًا على إعداد دراسةٍ حول تأثير كورونا على البيئة، يطرح ثلاث نقاط رئيسية وهي: تأثيرها على المناخ، وعلى المياه، وعلى الحياة البرية.

ويشرح الخبير البيئي، أن توقّف حركة القطارات، والطائرات، ووسائل المواصلات، خففت انبعاث أكاسيد النيتروجين وأكاسيد ثاني أكسيد الكربون، والكبريت، التي تعمل على إحداث الاحترار العالمي، بالتالي تعافت طبقة الأوزون إلى حد ما لأن هذه الملوثات تؤثر عليها.

عبد ربه:دول الصين وجنوب شرق آسيا، اتخذت من "كورونا" عبرة، فخلقت الوعي بضرورة الحفاظ على الحياة البرية

بالنسبة للبحار والمحيطات، التي توقفت بشكلٍ كبيرٍ فيها حركة السفن والبواخر سواءً في الموانىء أو في عرض البحر، فقد انخفضت نسبة التلوث فيها عالميًا، وهذا أدى إلى انخفاض نسبة "العكارة"، وظهر ذلك جليًا –والحديث لعبد ربه- في القنوات العالمية مثل قناة "فينيس" في فرنسا، التي بدأت الطيور والأسماك والدلافين والكائنات الحية التي تفضل المياه الصافية، تتواجد فيها بشكل واضح نتيجة تحسن البيئة البحرية.

"أما الأمر الأكثر أهمية، فهو ما يتعلق بالحياة البرية، وقد شهدنا خلال الأشهر الثلاثة الماضية، الكثير من أشكال الحياة البرية التي غزت المدن، بعد أن أصبحت شوارعها فارغةً من الناس، فهي تخاف من البشر، بالتالي خرجت إما بحثًا عن الطعام وإما للتنزه" يزيد.

لكن الأهم من هذه التفاصيل كلها، أن دول الصين وجنوب شرق آسيا، اتخذت من "كورونا" عبرة، فخلقت الوعي بضرورة الحفاظ على الحياة البرية، بعد أن كانوا يأكلون الحيوانات المختلفة كالخفافيش، والقط الزباد، وآكل النمر الحرشفي، وأصبح هناك أصوات تنادي بوقف التجارة بالحياة البرية. "هذا برأيي أهم ما يمكن التركيز عليه في موضوع انعكاس كورونا على البيئة، هو الدرس الذي لقنته للعالم، بأن الحفاظ على هذه الكائنات هو الذي يحمينا من الأمراض" يكمل.