شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاربعاء 20 اكتوبر 2021م16:42 بتوقيت القدس

أبريل.. أم وجنينها ضحيتان

"كورونا" تكشف ضعف المنظومة الصحية الفلسطينية

05 مايو 2020 - 12:29

الضفة الغربية/ شبكة نوى- فلسطينيات:

"كنا ننتظر قدوم مولود ابنتي الجديد، فجاءنا خبر وفاتهما معًا".. هكذا بدأ المواطن نزيه العدرة من مدينة يطا جنوب الضفة الغربية  لـ"نوى" رواية قصة ابنته هبة (26 عامًا)، التي توفيت منتصف نيسان/إبريل الماضي "نتيجة الإهمال الطبي" على حد قوله.

تقدم العدرة بشكوى رسمية لوزارة الصحة الفلسطينية، حول ظروف وفاة ابنته الحامل في شهرها السادس، والأم لطفلين، التي زارت إحدى مستشفيات "يطّا" جنوب الخليل بسبب إصابتها بتسمم حمل، فرفضت استقبالها بدعوى "عدم وجود غرفة إنعاش".

نقلتها العائلة إلى مستشفى حكومية ثانية في مدينة الخليل، فرفضت الأخرى استقبالها بنفس الحجة، ما أدى إلى بقائها ملقاةً على أحد أسرة قسم الطوارئ ليومٍ كامل، ثم حُوّلت إلى غرفة العناية المكثفة لثلاثة أيام، انتهت بموتها بعد موت جنينها.

"لن تعيد شكواي ابنتي إلى الحياة، لكنها قد تحمي حياة أشخاصٍ آخرين (..) وصلت حرارتها 40 درجة، فقال أحد الأطباء لطاقمه أخرجوها من قسم النسائية، إنها مصابة بكورونا".

بعد وفاة الجنين بيوم، راجع الأب الطبيب المسؤول عن حالتها، فأخبره بالحرف الواحد أن الجنين بخير "والحمدلله على سلامته، ووضع أمه مستقر"، ليباغته ساخرًا بأسى: "أنا مبارح دفنت الجنين يا دكتور!".

في مدينة الخليل أيضًا، وتحديدًا في أحد مراكز الحجر الصحي، انطلقت شكوى أخرى ضد "وزارة الصحة"، لاقت تجاوبًا من الأخيرة وتحسينًا لحال المركز.

هذه الشكوى أطلقها المواطن عثمان عمرو، عبر حسابه الشخصي على موقع (فيس بوك)، ووجّهت الأنظار نحو قضيته وقضية المصابين في مراكز الحجر بالضفة الغربية.

تواصلت "نوى" مع عثمان بعد تحسن ظروفه، حيث أصيب بفايروس "كورونا" وهو على رأس عمله كممرض وفني تخدير في مستشفى المطلع بالقدس المحتلة، ومن ثم نُقِل لإحدى مراكز الحجر في "حلحول"، وهناك تلقى حدَّا أدنى من الرعاية الخدماتية والصحية، واشتكى من شح الطعام ورداءة جودته وعدم مناسبتها لمواجهة الفايروس، بالإضافة إلى تأخر وصول أبسط الأدوية.

شبّهَ عثمان خلال حديثه مع "نوى" الحجر الذي خضع له بـ "السجن" "غير الصحي".

إذن كشفت جائحة فايروس "كورونا" (كوفيد-19)، عن ثغراتٍ في المنظومة الصحية الفلسطينية، فطرحت العديد من الأسئلة حول نقص الكوادر الطبية في المشافي الحكومية، وشُح غرف الإنعاش، وحقيقة الأرقام حول أعداد أجهزة التنفس الصناعي، والمسوحات الممكنة لفحص المصابين.

"نوى" قابلت مدير الطب الوقائي في وزارة الصحة الفلسطينية، الطبيب علي عبد ربه للإجابة عن هذه التساؤلات:

أجهزة التنفس

منذ بدء أزمة فايروس "كورونا" في فلسطين، تحدثت وزيرة الصحة الفلسطينية مي كيلة عن طرح العديد من العطاءات لتوريد أجهزة  التنفس الصناعي، التي تُعد من أكثر الوسائل الطبية أهمية في عملية علاج مرضى الفايروس، إلا أن مسئول الطب الوقائي يقول: "أعداد أسِّرة الإنعاش وأجهزة التنفس الموجودة في الضفة الغربية، وقطاع غزة، والمستشفيات العربية في مدينة القدس، تصلُ إلى قرابة (300) وحدة، من بينها مئة وخمسة فقط في المشافي الحكومية"، مؤكدًا أن فلسطين تحتاج تبعًا لتقارير منظمة الصحة العالمية، إلى قرابة (800) وحدة في مشافيها.

وزيرة الصحة نفسها، أجابت في المؤتمر الصحفي الحكومي الذي عُقد في السادس والعشرين من نيسان/ إبريل الماضي، وبعد سؤال الصحفيين عن أعداد الأجهزة التي تم توريدها، بالقول: "10 أجهزة فقط، هي التي وصلت من مُجمل العدد المطلوب".

وفي ظل النقص الذي تواجهه الأدوات الطبية في العالم، لا سيّما ما يتعلق بمسحات (عيّنات) فحص فايروس "كورونا".

فرغم تصريح وزارة الصحة، بوصول أعداد كبيرة من هذه المسحات عبر الأجهزة الأمنية الفلسطينية (المخابرات والشرطة)، التي تمكنت من توفيرها في ظل احتكارها داخل الأسواق العالمية، لتُعلن عن رفع قدراتها لإجراء آلاف الفحوصات للمواطنين بشكل يومي، إلا أنها (الوزارة) وعلى مدار قرابة الشهرين من الأزمة لم تُجرِ سوى 33800 فحصًا، أي بمعدل 550 فحصًا يوميًا.

وبالرغم من بعض القصص التي أثيرت حول رفض "الطب الوقائي" إجراء فحوصاتٍ لمواطنين يشعرون بأعراض المرض، أو خالطوا مخالطين لمصابين، وتوجيههم فقط للحجر المنزلي، إلا أن عبد ربه يعتقد، في معرض إجابته على هذه القضية، "بوجود فرقٍ بين ما يُعلَنُ عن إمكانية تنفيذه من الفحوصات، وبين ما يلزم إجراءه بشكل يومي، حيث يتم اختيار عينات عشوائية من مناطق مختلفة لأخذ الفحوصات منها".

نقص الكوادر الطبية

وتشهدُ مراكز الحجر الصحي في فلسطين نقصًا واضحًا في أعداد الأطباء المتواجدين مع المرضى والمحجورين، وذلك تبعًا لعبد ربه "بسبب النقص الحاد في الكادر الطبي العامل في فلسطين عمومًا، لا سيما في ظل تعطل نظام التوظيف منذ سنوات". إذ تعمل وزارة الصحة ضمن ميزانية مُحددة مُرتبطة بالأزمة المالية التي تعيشها خزينة السلطة الوطنية الفلسطينية.

يأمل عبد ربه، بعد انتهاء الأزمة بأن تعمل الحكومة على ترتيب أولوياتها، خاصة أن "الطبيب الفلسطيني الواحد، مطلوبٌ منه أن يؤدي دور ثلاثة أطباء معًا" على حد تعبيره.

إرباك كورونا

وردًا على شكاوي الإهمال الطبي التي سُجلت خلال أزمة "كورونا"، يقول عبد ربه: "غير مبررة بالطبع، إلا أن حالة الطوارئ أخذت حيزًا كبيرًا من الاهتمام، والتفكير الكثير بهذا الفايروس المستجد، يمكن أن يؤدي إلى تشخيصٍ خاطئ"، مؤكدًا أن سير العمل بشكله الطبيعي يجب أن يعود إلى المستشفيات قريبًا.

دعت  وزيرة الصحة الفلسطينيين إلى ضرورة الالتزام بارتداء القفازات والكمامات، في ظل توجه الحكومة للعودة تدريجيًا إلى الحياة العادية، وهو الأمر الذي يرى فيه المواطنون بدءًا بتنفيذ سياسة مناعة القطيع.

مؤخرًا، وعبر المؤتمر الصحفي الحكومي -الذي تطل من خلاله بشكل يومي على وسائل الإعلام- دعت  وزيرة الصحة الفلسطينيين إلى ضرورة الالتزام بارتداء القفازات والكمامات، كجزء من الإجراءات الاحترازية لمواجهة المرض، في ظل توجه الحكومة للعودة التدريجية إلى الحياة العادية، وفتح الأسواق بشكل مضبوط، وهو الأمر الذي يرى فيه المواطنون إلقاءً للمسؤولية على عاتقهم، وبدءًا بتنفيذ سياسة مناعة القطيع (نظرية بريطانية تتبنى سياسة إصابة عدد كبير من الأفراد، واكتسابهم المناعة ذاتيًا دون اللجوء للخدمة الطبية).

ومع ظهور دراساتٍ حديثة تُشير إلى إمكانية تطور فايروس "كورونا" وعودته بموجاتٍ جديدة، وبعد التخوف الذي أبدته وزيرة الصحة الفلسطينية، من إصابة فلسطينيين بسلسلة أخرى من أشد خطورة من الفايروس "وقد أصابت التجمعات اليهودية في الداخل الفلسطيني المحتل"، تكمن الحاجة إلى ضرورة العمل على سد الثغرات التي تواجه وزارة الصحة، إذ أن الوزارة لن تكون قادرةً على التعامل مع أعداد كبيرة من الإصابات وفق معطيات الإمكانيات المتوفرة، خاصة في ظل نقص الكادر الطبي والأجهزة الطبية الأساسية.