شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاثنين 01 يونيو 2020م09:24 بتوقيت القدس

محجورون حتى سلامة آخر نزيل

الكادر الطبي.. جنود "الواجب" في معركة "كورونا"

28 مارس 2020 - 20:09

شبكة نوى، فلسطينيات: غصةٌ تنخز قلبه كلما تذكر ما قالته له ابنته التي لم تتجاوز الخامسة من عمرها، حينما اقترب ليطبع على جبينها قبلة فرفضت :"بابا إنت معك كورونا".

ثمانية أيامٍ مرت منذ دخل إبراهيم حماد برفقة الطاقم الطبي، نقطة الحجر الصحي بفندق الأمل في مدينة خان يونس جنوب قطاع غزة، لم يرَ خلالها زوجته أو أحدًا من أطفاله، تمامًا ككافة المحجورين من المرضى العائدين من مصر أو من أراضي الداخل المحتل.

كانت البداية عندما استُدعيت الطواقم الطبية لتجهيز المدارس التي تم إقرارها كمراكز للحجر بالإضافة إلى فندق الأمل، لتصدر بعد ذلك التعليمات التي توجب حجر تلك الطواقم مع المحجورين، حتى ضمان خروج آخر نزيلٍ سليمًا، وفقًا للبروتوكول الخاص بوزارة الصحة.

"لبينا نداء الواجب، بقينا هنا، أما أهالينا وأطفالنا، فلا حول لهم ولا قوة إلا بالانتظار والدعاء"، يقول حمّاد التي يتولى المسئولية الإدارية لنقطة الحجر حاليًا، مضيفًا: "مخاوفنا انتقلت لأطفالنا، نحن محرومون حتى من إلقاء نظرةٍ عليهم بحكم الوضع الراهن".

عدد النزلاء في فندق الأمل بالإضافة إلى الطواقم الطبية والأمنية –تبعًا لحماد الذي يعمل في دائرة العلاقات العامة بوزارة الصحة- يبلغ (93 شخصًا)، بينهم (45) من مرضى السرطان والفشل الكلوي "الذين يحتاجون إلى رعاية صحية متواصلة بسبب ضعف مناعتهم".

أما الطاقم الطبي المحجور في الفندق، فطبيب، وثلاثة ممرضين، ومسئولٌ إداري، يقدمون الرعاية الصحية للمرضى الموزعين على 60 غرفة، على مدار الساعة.

"هنا، لا مكان لما نرغب به، مصلحة المرضى والوطن والمجتمع مقدمة على أي مصلحة شخصية"، يتابع حمّاد، مؤكدًا أن أحدًا من الطواقم الطبية لم يتوان عن الاستجابة لقرار الوزارة الذي قضى ببقائهم في الحجر وفق ما ينطبق على المحجورين من المرضى.

ما فاجأ حمّاد والطاقم، بعد مضي ثمانية أيام "عصيبة" على حد وصفه، داخل الحجر، وصول 12 مريضًا جديدًا! وهذا يعني أن فترة الحجر لن تنتهي قريبًا كان كانوا يفترضون.

حالة التوتر، والقلق خشية العدوى، على أنفسهم وذويهم في الخارج، لم تنعكس سلبًا على أدائهم  واجبهم الوطني تجاه المرضى، كما يوضح حماد، مردفًا بالقول: "مرت علينا أيام لم نذق طعم النوم فيها، المرضى بحاجة إلى متابعة دائمة، وحثيثة، ما بين تقديم العلاجات المناسبة لهم، وقياس حرارتهم بشكل مستمر، ناهيك عن تقديم الدعم النفسي لهم في ظل حالة التوتر والترقب والخوف تجاه الفايروس المستجد".

ما يمنح مقدمي الخدمة الطبية "المحجورين" الأمل والحياة بعد كل يومٍ عصيب، بعض الوقت الذي يقتطعونه لمكالمة ذويهم عبر هواتفهم المحمولة، "تزيد مخاوفهم بعد كل مكالمة، ويزداد الشوق واللهفة لانتهاء هذا البلاء، وعودة الحياة إلى طبيعتها" يكمل حماد، مستشهدًا بموقف حصل معه قبل وقت: "بنتي بتكلمني وبتبكي، أنا عندي حرارة يا بابا، تعال وينك؟ هذه الكلمات كفيلة بأن تنهمر لأجلها دموعي، لكن لا مجال لأي تراجع، علينا جميعًا أن ننتظر حتى نهاية المهمة، التي لا نعرف هل سنعود منها أم لا؟".

حماد لم يمنعه مرضه بالضغط، من تلبية نداء الواجب دون أدنى تفكير، هذا ما حدث في كافة نقاط الحجر "الطواقم الطبية كانت على قدر المسئولية"، لكن المختلف في حجر فندق الأمل أن "المحجورين هم أصلًا من أصحاب الأمراض الخطيرة، ما يزيد المهمة صعوبة".

الحكيم أحمد الجالوس (59 عامًا)، وافق حمّاد في كل ما قاله، وزاد في حديثه لـ "نوى": "الطواقم الطبية اعتادت العمل في كل الظروف، العادية والاستثنائية منها، لكن كل ما مررنا به سابقًا لا يمكن أن يقارن بما نمر به اليوم، نحن نواجه عدوًا لا نعرفه"، متابعًا: "هذا دورنا الذي لن نتخلى عنه، اعتدنا حينما يطلبنا الوطن أن نكون في مقدمة الصفوف، والآن لن نتراجع".

رغم مخاوف الطواقم الطبية، وشعورهم بالتوتر بسبب الظرف التي فرضها "كورونا" من حبس للحرية، وحرمان من الأهل والأحبة، يؤكد الجالوس أنهم لن يتوانوا عن بذل كل الجهود والخبرات من أجل مساندة المرضى "الذين أصبحوا معنا في قارب واحد" على حد تعبيره.

لا يخفي جالوس أن علاقة أفراد الطواقم الطبية اختلفت مع ذويهم منذ إعلان حالة الطوارئ في فلسطين، وحتى قبل خضوعهم للحجر الفعلي "لكن الحب لم يتغير" يقول، متابعًا: "لم نكن نقترب من أبنائنا، حاولنا قدر الإمكان أن نكون بعيدين عنهم خشية أن نحمل لهم العدوى، وهذه التغييرات أثرت على حالتنا النفسية، وزادت من مخاوفنا وقلقنا على أنفسنا وذوينا، وعلى المحيطين بنا، ممن نخالطهم بدواعي العمل".

داخل مراكز ونقاط الحجر الصحي بغزة، تواصل الكوادر الطبية –وغالبية أفرادها من موظفي حكومة القطاع- عملها رغم المخاوف من انتقال العدوى إلى أحد أفرادها المضطرين إلى مخالطة المحجورين تلبيةً لنداء الواجب الوطني، هم أنفسهم الذين يتقاضون 40% فقط من رواتبهم كل 50 يومًا تقريبًا،وقد تركوا عوائلهم بلا معيل في وقت تتعاظم فيه المسؤوليات، ولا يعلمون ما إذا كانوا سيعودون إلى بيوتهم بعد هذه الأزمة بسلامٍ أم لا؟!