شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاثنين 21 سبتمبر 2020م11:25 بتوقيت القدس

حفلة مختصرة في بيت العريس..

"كورونا" يعود بأعراس غزة إلى "الثمانينات"

25 مارس 2020 - 21:57
صورة من الأرشيف
صورة من الأرشيف

شبكة نوى، فلسطينيات: "آذار"، شهر الربيع، وأول بشريات مواسم الفرح بعد أيام الشتاء الثقال، كان يبدأ في قطاع غزة بأصوات زغاريد أمهات العرائس، وزفّات العرسان الشعبية على أكتاف الشبّان في الأزقة المكتظة. كانت لياليه تعجُّ بطبول الفرح ترقب خروج عروسٍ من دار أهلها، ومدعوين ببطاقات تحمل الأمنيات، يتربّصون بصاحبة النصيب تتبختر على سجادةٍ حمراء استعدادًا لليلة زفافٍ تعج بالفرح.

لم يعد هناك داعٍ لاختيار "كوشة" (كرسي الصمدة) بمواصفات دقيقة، ولا لجدول فقرات، ولا حتى لحجز صالة!

كل هذا غاب فجأة، بعدما حل "كورونا" ضيفًا ثقيلًا على ظهر هذا الكوكب، أفراح اليوم صارت "تُسلق سلقًا" كما يقول كبار السن عندنا –كنايةً عن السرعة- لم يعد هناك داعٍ لاختيار "كوشة" (كرسي الصمدة) بمواصفات دقيقة، ولا لجدول فقرات، ولا حتى لحجز صالة! كل ما في الأمر دعوة بعض الأشخاص من خاصات العروسين، لا يتجاوز عددهم أصابع اليدين، ورقصة للعرسان، وتصفيقٌ تحُفُّه "الأمنيات" في مشاهد أعادت للذاكرة أفراح الفلسطينيين خلال الانتفاضة الأولى 1987م.

كل محاولات العروس إيمان عطاالله، لتأجيل موعد حفل زفافها، باءت بالفشل، بعد إعلان وزارة الداخلية –الأحد الماضي- عن سلسلةٍ من الإجراءات الوقائية، تضمنت إغلاق قاعات الأفراح، والمطاعم والمقاهي والصالات الرياضية، وتعليق صلاة الجمعة حتى إشعارٍ آخر، إثر الكشف عن حالتين مصابتين بفايروس (كوفيد-19) في أحد مراكز الحجر الصحي جنوب قطاع غزة.

تقول لـ "نوى": "كنت أحلم أن يكون يوم زفافي مميزًا، بمشاركة أحبتي وصديقاتي، مليء بالفقرات التي كنت قد اخترت أغنياتها بعناية، مبينةً أنها كانت تعد العدة لهذا اليوم منذ أكثر من شهرين، كأي فتاة تحلم بأن يكون يوم زفافها "رائعًا" بكافة تفاصيله.

تزيد: "حتى أنني سجلت أسماء كل صديقاتي في نوتة صغيرة خوفًا من نسيان إحداهن، كل هذه التفاصيل والأمنيات ذهبت أدراج الرياح،  مع دخول جائحة كورونا العالم بشكل متسارع لم نتوقعه، والتعليمات الصارمة التي صدرت من الجهات المختصة، بعد ظهور حالتين مصابتين بالمرض في قطاع غزة".

كانت ملامحهن عابسة رغم محاولتهن إظهار عكس ذلك، ضحكتُ في وجوههن، ولكن فرحتهن بي ناقصة كما هي فرحتي

لا تخفي العروس التي احتفلت بزفافها في اليوم التالي لقرار إغلاق قاعات الأفراح، أن حالتها النفسية ساءت بعد الإعلان الذي وصفته بـ "مصادر الفرحة"، متابعةً: "بكيتُ في هذا اليوم كثيرًا، كل شيء تغير في لحظة، وبدلًا من أن أحظى بفرح يتحدث عنه الناس، كما شقيقاتي السابقات، أُزف بحضور قلة قليلة من أبناء عائلتي".

تتابع: "بكيتُ وأنا أتفحص عيون الحاضرات، كانت ملامحهن عابسة رغم محاولتهن إظهار عكس ذلك، ضحكتُ في وجوههن، ولكن فرحتهن بي ناقصة كما هي فرحتي، لكنه قدر ليس بيدي ولا بأيديهم".

وتتمنى إيمان أن ينتهي الأمر على خير بانحسار الوباء، لتتمكن وعريسها من إعادة الاحتفال بزفافهم مرة أخرى.

العريس نضال نصير، الذي كان يتابع تجهيزات زفافه بترقبٍ شديد، متمنيًا أن يعلن عالميًا عن انتهاء جائحة  كورونا قبل موعد زفافه المحدد: "إنها فرحة عمري، كنت أنتظرها ساعة بساعة، وأعدّ لها كل ما يلزم، كنت أحضرُ لمهرجانٍ كبير يشهده الأهل والأصدقاء والمعارف، ويحدثّ به أهل البلدة، ولكن الظروف قلبت كل شيء رأسًا على عقب، واضطرتني إلى اختصار فرحي بمراسم متواضعة جداً، وكأنني أتزوج خلسة".

يتابع بأسى: "نعم أحبط فرحي، ولكنني مؤمن بأن العافية أهم، ونحن قادرون على إعادة هذا اليوم من جديد، بعد أن يتعافى الكون من هذا المرض".

أكرم نصير ( 55 سنة) عدَّ اختصار مراسم فرح ابنه نضال "أمرًا مؤلمًا، وغير متوقع"، وقال: "كنت أجهز ليوم الفرح ليكن على الأقل كباقي أفراح بلدتنا، لكنني فشلت في إقناع صاحب القاعة بأن يمرر حفل الزفاف، وتم إبلاغي بضرورة اختصار مراسم الفرح على عائلتَي العروسين وبأضيق الحدود، على أن تكون القرابة من الدرجة الأولى، وأن نأخذ جميع وسائل الوقاية من كمامات ومنظفات، وأن نختصر الوقت، ولا ننتظر إلى مغيب الشمس"، موضحًا أنهم اضطروا إلى الذهاب عصرًا لمنزل العروس وأخذها من هناك بسيارةٍ خاصة على عجل، ودون مدعوين، ولا باصات، ولا فرقة الزفة، ولا أي مظهر من مظاهر الأعراس المعتادة".

وأضاف: "ذهبت مع والدة العريس وإخوته فقط، وكان بانتظارنا والد العروسة وإخوتها وأعمامها المقربين فقط، وعدنا بها إلى بيت زوجها، وقبل دخولها البيت تحلق الحضور، وغنوا بعض الأغاني، ورقصوا مع العريس قليلًا لتنتهي بعد ذلك مراسم الزفاف السريعة".

والدَا العروس، بديا وكأنهما قد سرقت فرحتهما، بسبب وباء حل على العالم، وإذا ما تمكّن لا يبقي ولا يذر، إلا أنهما متفهمان لكل ما يجري، يعلقان: "الفرح يمكن أن نعيشه بأشكالٍ مختلفة، ولكن العافية والصحة قد لا نستطيع استعادتها بلحظة ما".

أعراس غزة كلها، ومنذ إعلان حالة الطوارئ اختصرت كل تفاصيلها بسبب كورونا، احتياطات مشددة تحيط بكل فستان أبيض، وزغاريد مبحوحة على عتبات السلالم، وتلويحاتٌ عن بعد للعروسين، فالجائحة مبهمة، والإصابة بها في أرض محاصرة منذ 14 سنة يمكن أن يعني الفناء في لحظةٍ ما.

كاريكاتـــــير