شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الثلاثاء 14 يوليو 2020م03:26 بتوقيت القدس

بوح| يوميات عزل

"9" عودة لطفولة و بؤس المخيم

25 مارس 2020 - 19:23

كانت عيادة الوكالة قد أصبحت العيادة السويدية و انتقلت ألى أطراف المخيم الشرقية في شارع النصر بالقرب من تقاطع اللبابيدي الذي اصبح يسمي فيما بعد شارع الشهيد ابو جهاد الوزير ، كان قد تم إنشاء هذه العيادة المتقدمة و المجهزة باحدث المعدات في ذلك الوقت بتبرعات سويدية قبل حرب 1967، و كانت الطبيبة التي تشرف عليها هي د ليليمور إريكسون و ينادونها إريكسون.

كانت سيدة نبيلة و قوامها ممتلئ طويل ، تتمتع بكاريزما تنبض بالإنسانية التي لا تعرف الحدود ، من خلال والدي الذي تسلم أعمال الصيانة و المخزن و الإشراف على عمال و عاملات النظافة في العيادة ، باتت إريكسون الانسانة صديقة للعائلة ، و نَمَّت علاقتها الحميمة مع والدتي أم بشير و كانت تناديها آمنة ، و كانت ايضاً تظهر المحبة لبشير الذي كان كما ذكرت متميزاً بلباسه و مظهره و ثقافته و نضجه ، و عندما اندلعت حرب 67 و تم احتلال غزة من قبل قوات الاحتلال الاسرائيلي ، تعمق ارتباط إريكسون بقضية الشعب الفلسطيني ومأساته المتجددة، و تعمقت علاقتها بآمنه و أبوبشير و بشير و مع باقي أفراد العائلة الذين كانت تعرفهم بالإسم و بلكنتها السويدية، و لم تكن تشعر بأي حرج و كواحدة من أهل البيت أن تطلب من عوض كما كانت تنادي والدي بان يحكي لآمنة كما كانت تنادي أمي بأنه جاي على بالها أكلة مفتول ، و تحضر للبيت لتتناول غداء المفتول الذي كانت أم بشير تتقنه بطريقة مميزة ، و كثيرا ما كانت تأخذ لبيتها حيث تزيد أم بشير الكمية لهذا الغرض .

كريمة و طيبة و إنسانة كانت أريكسون و استمرت كذلك، اذكر أنها أعطت بشير مبلغاً كي يدبر نفسه عندما خرج متسللا للأردن بعد الحرب ، أريكسون تعاطفت مع أم بشير منذ أن أنشأت العيادة السويدية و بدأت بالاهتمام بصحة المرأة و الطفل و تنظيم الأسرة، فأقنعتها و أقنعت عوض أن تكون آمنه أول لاجئة من مخيم الشاطئ و ربما من مخيمات اللاجئين في غزة لتركيب ما كان يسمى باللولب أي ربط عنق الرحم بهدف تحديد النسل و تنظيم الأسرة ، فقد كنا في حينه ستة أخوة و أختين و كانت أمي التي تزوجت وهي لم تتجاوز الثالثة عشر قبل عام 48،وقد انجبت بشير عام 1950و لم تكن ربما قد بلغت السابعة عشر من عمرها ، و خلال خمسة عشر عاماً انجبت ثمانية ، ربما كان هذا سبباً أساسياً لتدهور وضعها الصحي في مرحلة سابقة، و إصابتها بالسل و الازمة الصدرية، كانت والدتي جميلة و متميزة و "معدله" كما كان يعتبرها أهل المخيم و أيضاً مدبرة و قادرة على المساهمة في جلب الرزق لتربية الأسرة و الاهتمام بحاجاتها ، و كانت لذلك تحظى باحترام كل أهل المخيم ، بالاضافة لدورها في رعاية صحتهم و خاصة النساء. 

كما كانت تحظى باحترام العائلة عمي و أولاد عمي و عموم عائلة الزكاكته ، إلا انها دوماً كان يظهر على تقاسيم وجها الجميل ملامح حزن خفي تغطيه بابتسامتها الرقيقة و تحاول ألا تُظهر هذا الحزن أو تُشغلنا بأسبابه ، فتتألم وحيدة في داخلها ، ربما من شطف العيش الذي وجدت نفسها فيه و ربما لانها فقدت صلتها بعد حرب 48 بأهلها السوريين فأمي سورية الأصل و أهلها مقيمين في حمص و حماه ، و قد تقطعت أوصالها بهم ، بسبب انقطاع خطوط‏ قطار السكة الحديد الذي كان يربط اسدود و غزة و يافا و حيفا بلبنان و سوريا و حتى تركيا و أوروبا من الشمال و بمصر من الجنوب، و يبدو أنها تمكنت من تحويل أسرتها الفلسطينية و عائلات المخيم و مأساة الفلسطينيين بعد النكبة لوطن لها لا يقل إطلاقاً انتمائها له و لشعبه عن انتمائها لسوريا التي لم تعد قادرة للتواصل معها، فكرست حياتها في تربية صالحة لابنائها و بناتها ، تزرع فيهم حب الوطن و مقاومة الاحتلال و احترام كل خياراتهم سواء الوطنية او الاجتماعية ، و كم عانت لاحقاً مما زرعته من وطنية هي و أبي ، كما سيظهر لاحقاً و هي تتنقل من سجن لآخر و من بلد لآخر لزيارة أبناءها المعتقلين أو المبعدين عن وطنهم، بل و جعلت من مقبرة الشهداء في برج البراجنة في بيروت محجاً سنويا لضريح ابنها البكر الذي استشهد في جنوب لبنان ، و ستكون تلك المحطة هي الأقسى أثراً على حياتها اللاحقة و على كل أفراد الأسرة التي حمت هي و أبي تماسكها و تضامنها بالنواجد. كان لدخول أم بشير في برنامج تنظيم الأسرة أثر إيجابي على صحتها البدنية و النفسية ، و قد جعلت إريكسون من هذا الأمر حدثاً استثنائياً فأحضرت مصوراً خاصاً من الوكالة اعتقد أنه كان لبنانياً لينتج فيلم عن أم بشير و أسرتها و نظافة بيتها و تربيتها لأولادها و عن انضمامها كأول إمرأة لبرنامج تنظيم الأسرة .

وقد أسمت إريكسون الفيلم "العائلة السعيدة"، و دعت كل أفراد الأسرة لحضور حفل مشاهدة عرضه الأول ، و كم كان شعوراً مختلطاً بالفخر و الإحراج خاصة أبي بين زملائه موظفي و عمال و عاملات و ممرضي و ممرضات العيادة عندما بدأ عرض الفيلم و بدأت تظهر صورنا واحداً واحداً ، بشير بهيبته و طلته الجميلة و هو يدرس و سمير بهمشريته واقف على دور الطعمة ليستلم الحليب الذي ستقوم أمي بترويبه بطريقة بدائية و نظيفة في "خريطة" و هي كيس من القماش الأبيض النظيف ، الطعمة التي يعرفها كل أبناء اللاجئين كانت توزع الحليب يومياً للعائلات ، كما كانت تقدم وجبة ساخنة للحالات الأكثر فقراً من خلال كارت الطعمة ، و كما يعلم كل من مر بها و أكل من طعامها.

كم كنا نشعر بطيب الأكل و خاصة المجدرة و الكفته ، و يظهر الفيلم أيضاً كيف نلتم على صينية فتة العدس التي كانت أمي قد أعدتها و معها البصل و الليمون و الفلفل الشطة الأحمر و الزيتون إن توفر ، و تتابعنا الصور في صفوف مدارس الوكالة الابتدائية و الإعدادية و بشير في مدرسة فلسطين الثانوية ، ليخلص الفيلم بموافقة آمنة و عوض على الانضمام للبرنامج الذي تحول لفيلم للتوعية و الإرشاد لعائلات اللاجئين ربما في كل المخيمات . اريكسون كانت أيضاً تربطها علاقات قوية مع د عبد الحي الحسيني الذي كان يعمل في العيادة السويدية و له كاريزما قيادية لافتة ،و هو من الشخصيات الوطنية القومية الهامة و المؤثرة، و بشكل مفاجئ اعتقلت قوات الاحتلال الاسرائيلي د عبد الحي و أبعدت د أريكسون التي سيكون لها دور في الاستمرار برعاية صحة الفلسطينيين و دول المنطقة ، و ابعد عبد الحي الحسيني الذي استقر لاحقاً في الكويت .

 يبدو ان ذلك حدث على خلفية دور قيادي لعبد الحي في عملية البدء بتنظيم الخلايا المسلحة او لتاريخ أسرته في مواجهة الاستعمار و الحركة الصهيونية فوالده فهمي بيك الحسيني احد أعلام مدينة غزة و الذي ما زال يحتفظ اسمه بأحد أهم شوارعها الحيوية في مركز المدينة وهو شارع فهمي بيك، أما ابعاد اريكسون و عودتها بعد سنوات كممثلة لمنظمة الصحة العالمية فهذا أمر آخر سنراه لاحقاً.

صــــــــــورة
كاريكاتـــــير