شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الجمعة 10 ابريل 2020م11:48 بتوقيت القدس

غزة..

نقاط بيع الغاز "العشوائية".. الرزق "القاتل"

24 مارس 2020 - 22:26

"عدم وجود فرص عمل أخرى، هو ما دفعني إلى العمل في هذه المهنة الخطيرة، لا يوجد أمامي بدائل أخرى  لتأمين قوت يوم أسرتي المكونة من 8 أفراد"، بهذه العبارة، بدأ محمد جابر (اسم مستعار) حديثه عن قصة إنشائه نقطة لبيع اسطوانات الغاز في مخزنٍ صغير بجوار منزله، دون مراعاة ظروف السلامة والأمان، أو الحصول على شهادة مزاولة حرفة.

بدأ محمد العمل في هذه المهنة "وبدون ترخيص" منذ عام، كان يحاول خلاله ادخار مبلغٍ من المال يمكنه من إنشاء محطة مرخصة تعمل بشكل نظامي.

" أي خلل في عملي هذا، سيكلفني أنا وعائلتي الكثير، لكن ما باليد حيلة، المشروع مكلف جدًا كونه يحتاج لأجهزة وأدوات تترواح أسعارها ما بين 300 و1000 شيكل".

يقول: "أعلم أن أي خلل في عملي هذا، سيكلفني أنا وعائلتي الكثير، لكن ما باليد حيلة، المشروع مكلف جدًا كونه يحتاج لأجهزة وأدوات تترواح أسعارها ما بين 300 و1000 شيكل"، مؤكدًا أن عمله الحالي "مربح إلى حد ما" حيث يعتمد على جمع أكبر عدد من اسطوانات الغاز من الزبائن، ثم تعبئتها عبر تفريغ الغاز من الاسطوانات الأكبر حجمًا، التي يعمل هو بدوره على تعبئتها من محطات البترول في المنطقة مقابل عائد مادي.

تشكل ظاهرة انتشار مخازن الغاز، ومحطات الوقود العشوائية، بين المناطق السكنية في محافظات  ومخيمات قطاع غزة، "قنابل موقوتة"، وناقوس خطر يحدق بأرواح السكان، إذ لا يقتصر الأمر على خشية انفجار إحدى الأنابيب في أية لحظة، بل أضف إلى ذلك رائحة الغاز التي تنبعث من أماكن التخزين، التي تضر بالسكان المحيطين "سيما مرضى الجهاز التنفسي".

المواطنة سلوى جبر، التي تعاني من "الربو" اشتكت بتذمر قائلة: "يجب أن تعمل الجهات المختصة على إيجاد حلول فورية للحد من انتشار هذه المهنة الخطيرة، من المؤسف أن يحوم الموت بيننا كل يوم، بينما نحن لا نستطيع تقديم أي شكوى"، مبينةً أنها وعائلتها وقعت في الكثير من المشكلات مع أرباب هذه المهن الذين وصفتهم بالمتهاونين بأوارح المواطنين، "وعديمي المسئولية".

"أضطر عند الخروج من منطقة سكني  إلى وضع كمامة على فمي تحسبًا لاستنشاق الرائحة، هذا غير القلق الكبير الذي أعيشه خشية انفجار هذه الأنابيب".

وتضيف: "غالبًا، أضطر عند الخروج من منطقة سكني التي توجد بها نقطة تعبئة اسطوانات الغاز، إلى وضع كمامة على فمي تحسبًا لاستنشاق الرائحة، هذا غير القلق الكبير الذي أعيشه خشية انفجار هذه الأنابيب"، مؤكدةً أن صاحب المنشأة غير المرخصة وعدهم أكثر من مرة –بعد تقديم العديد من الشكاوى- بأنه سيغلقها قريبًا إلا أن شيئًا من وعوداته لا تطبق.

وكان حريقٌ اندلع في سوق مخيم النصيرات وسط قطاع غزة، بتاريخ السابع من آذار/ مارس الجاري، بسبب تسريب غاز من صهريجٍ، تم تحويله من ثابت إلى متحرك، دون الالتزام بمعايير الأمن والسلامة، تسبب بسقوط 23 شهيدًا، و49 جريحًا، بينما بلغ عدد المحلات المتضررة، 30 محلًا، و40 بسطة، و18 مركبة.

وسبق هذا الحريق، اندلاع آخر في شهر شباط/ فبراير الماضي، إثر انفجار صهريج غاز كبير في منطقة زراعية بمدينة "خان يونس"، دون أن يخلف ضحايا، كونه وقع بعيدًا عن المناطق السكانية.

وفي عام 2009م، أدى انفجار أنبوبة غاز في أحد مستودعات الغاز الواقعة بين منازل المواطنين، في منطقة "جورة العقاد" بمدينة خان يونس جنوب قطاع غزة، إلى وفاة عدد من المواطنين وإصابة آخرين، وتدمير عدد من المنازل.

تكرار هذه الحوادث خلال فترات متقاربة، دفع شبكة "نوى" لطرح هذا الملف على طاولة المسؤولين، إثر وجود مخازن للغاز بين بيوت المواطنين وفي الأسواق، بشكل مخالف لشروط السلامة والصحة المهنية، التي تستند للمادة رقم 90 من قانون العمل رقم 7 لسنة 2000م، التي تتعلق بشروط السلامة والصحة المهنية.

وتلزم المادة (133) من نفس القانون، بالإغلاق الكلي والفوري لكافة نقاط بيع الغاز والوقود العشوائية، والمخالفة لشروط السلامة والصحة المهنية، التي تشكل خطرًا كبيرًا على حياة العاملين فيها والمواطنين القاطنين بجوارها.

ووفق ما صرح به المهندس في هيئة البترول العامة "حماد أبو سعدة" فإن دور الهيئة يكمن في توفير المادة للمواطن، سواءً البترول بمشتقاته، أو الغاز الذي يعدُّ من السلع السيادية، ويتم استيرادها من مصر أو من الضفة الغربية المحتلة، وتوزيعها لشركات البترول المرخصة، التي يبلغ  عددها 43 شركة،  والتي تقوم بدورها ببيعها للموزعين، الذين يحصلون على رخصة من هيئة البترول بعد استيفائهم كافة الشروط، القانونية، وشروط الأمن والسلامة المهنية.

"تخلي الهيئة مسؤوليتها من تزويد أي نقطةٍ تبيع الغاز بشكل عشوائي، كونها منافية لشروط الترخيص المهنية، إذ ينحصر دورنا في مراقبة الموزعين المرخصين لدينا".

يقول لـ "نوى" :"تخلي الهيئة مسؤوليتها من تزويد أي نقطةٍ تبيع الغاز بشكل عشوائي، كونها منافية لشروط الترخيص المهنية، إذ ينحصر دورنا في مراقبة الموزعين المرخصين لدينا، الذين يأخذون اسطوانة الغاز من المواطن لتعبئتها من محطة البترول، ثم يعيدونها للمواطن مباشرة بنفس اليوم، بشرط أن لا يقوم الموزع بتخزينها في منزله، أو أي مكان مجاور للسكان".

وأشار الى  أنه عند ارتكاب الموزع المرخص لدى الهيئة أي مخالفة، تتخذ بحقه الإجراءات اللازمة بالتعاون مع مباحث التموين، ويُعطى فرصة لتصويب خطئه أو توقيفه عن العمل، مبينًا أنه ليس من مهما مهم إيقاف أي حرفة عن العمل فهذا الدور منوط بوزارة الحكم المحلي.

ووفق ما ذكر "أبو سعدة" فمنذ بداية العام الحالي، تم إعداد ـ30-40 محضر ضبط لموزعين يعملون بشكل عشوائي في منازلهم، ويقومون بتفريغ اسطوانات الغاز، وقد تم اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة بحقهم.

ولا يوجد قانون لدى الهيئة، يجرم العاملين في هذه المهنة، كونها مستحدثة "نشأت بسبب أزمات القطاع الاقتصادية"، وهذا ما دعا الهيئة إلى إعداد قانون لتجريم نقاط البيع العشوائية، "وقد تم رفعه  لوكيل الوزارة، من أجل مخاطبة الأمانة العامة، ومجلس الوزراء، الذي يحوله بدوره إلى المجلس التشريعي لسنه، ووضح قوانين رادعة لمثل هذه الأعمال العشوائية.

بعد هيئة البترول، توجهت شبكة "نوى" لمخاطبة وكيل وزارة الحكم المحلي المهندس إبراهيم رضوان، الذي أكد بدوره على أنه هناك تشابك في المهام بين الجهات المسؤولة على مراقبة نقاط تعبئة الاسطوانات العشوائية بين الأحياء السكينة، مؤكدًا أن المهام تتكامل بين وزارة الاقتصاد، والدفاع المدني، والبلديات، ومباحث التموين، والهيئة العامة للبترول، "وهنالك نصوص قانونية واضحة بهذا الشأن، لكن المعضلة في كيفية تطبيقها".

دور البلديات يقتصر على تشميع المنشأة، وإغلاقها، وإحالة الملف للمباحث والجهات القضائية التي تحاسب وفق القانون.

وعن دور البلدية في مراقبة ومتابعة مثل هذه المهن العشوائية قال: "دور البلدية يكمن في إصدار رخصة ممارسة حرفة، لكن قبل الموافقة عليها، يجب أن يحصل المتقدم على موافقات من قبل جهات عديدة منها وزارة الاقتصاد، والدفاع المدني، ووزارة العمل، وهذا يضع الجميع أمام طائلة المسؤولية"، منبهًا إلى أن البلدية لا تسطيع اتخاذ أي إجراءات قانونية رادعة، لكل من يمتلك منشأة بيع غير مرخصة، كونها جهة تنفيذية وليست قضائية، "فدور البلديات يقتصر على تشميع المنشأة، وإغلاقها، وإحالة الملف للمباحث والجهات القضائية التي تحاسب وفق القانون" يضيف.

بدوره، أرجع المهندس عبد الفتاح أبو موسى، المتحدث باسم وزارة الاقتصاد الوطني، مبررات  انتشار مثل هذه المهن العشوائية إلى الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي يعيشها سكان القطاع، مؤكدًا على أنها تشكل قنابل موقوتة بين منازل السكان، "لكن أجهزة التفتيش تحاول قدر المستطاع الحد منها، رغم قلة الإمكانات، وعم وجود كوادر وظيفية تغطي كافة المناطق.  

وأكد على أهمية التعاون من قبل المواطنين أنفسهم، من خلال التبليغ عن أي نقطة عشوائية غير مرخصة بين بيوتهم "وقد تم تشكيل لجنة لمتابعة ذلك سيما بعد حادثة النصيرات الأخيرة".

 

كاريكاتـــــير