شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الجمعة 10 ابريل 2020م13:00 بتوقيت القدس

وراء كل فتاة حنونة مخيم: ميس

19 فبراير 2020 - 09:41

شبكة نوى، فلسطينيات: "وراء كل فتاة حنونة مخيم"، هذا عنوانٌ وجدته على صفحة الانستغرام الخاصة بالطالبة الأسيرة ميس أبو غوش. عنوانٌ صنعتُه معها كي نُجمِل فكرة تحقيق اجتماعي قصير يرد على افتراض شعبي بأن بنات المخيم قاسيات وكاسرات. جاء مشبك التحقيق من نقاشات حول الهوية النفسية والاجتماعية  للمرأة، كيف تتشكل؟ وهل هي موحدة؟ وما العوامل المؤثرة على بنائها؟ فكان الرد بمقابلة أربع فتياتٍ لاجئاتٍ وفتح الموضوع معهن بهدءٍ وبدون آراء مسبقة.

راح التقرير في حاله وحصلنا على إجابات مختلفة ومتعارضة ومناهضة للمقولة الاجتماعية التي رأينا أنها تصنع صورًا نمطية وتقوّلب بناتنا في المخيم.

تقابلني صورة ميس كل صباح على مدخل مبنى الإعلام في جامعة بيرزيت، على شجرة عيد ميلاد سيدنا المسيح، هي وساجي درويش وفتحي الشقاقي وأحمد ياسين وقسام ابن الدكتورة وداد البرغوثي المعتقل، وعلى الجدران القريبة صور للطالب الأسير منذ سنوات عبد الكريم الريماوي وياسر عرفات وجورج حبش، أختم بطاقة الحضور وأنا أنظر إلى كل هؤلاء وأمضي.

مضت أشهر على سجن الصغيرة ميس، نعم هي صغيرة ولا أحب وصفها بأوصاف سوفييتية: "بطلة، قائدة طلابية، مناضلة"، فهي بالنسبة لي -ورغم الملفات السياسية التي حملتها كطالبة جامعية- ميس العفوية المليئة بالحزن على شقيقها الشهيد حسين وابن عمها الشهيد، وهي المتحركة بلطف بين محاضرات الدائرة، وصاحبة العلاقة الناضجة مع كل المحاضرين، الرافضة لمهارات الحضور الإجباري على طريقة البنات المسيسات، الضابطة لعنفوانها الداخلي بعيدًا عن أي انفعالات طلابية صاخبة.

ميس، حتى في دورها النقابي في نادي الإعلام لم تكن فجَّة، بل انفتحت على كل الانتماءات السياسية، وكانت صاحبة محاولاتٍ خاصةٍ في ترتيب العلاقة بين الطلاب والدائرة، وباحثة دائمًا عن كل ما قد يقدم ولا يؤخر، بعيدًا عن المزايدات أو التطبيل والنفخ الذي تصل إليه الأمور كثيرًا في الحياة النقابية والطلابية.

راقبت سلوكها دائمًا، شخصيتها كانت متحررة من الفكر التنظيمي المتكلس، وباحثة عن أفق ممارسة، لا أفق تنظير للفكر الذي تحمله، متصالحة مع مناطق في الدين أحيانًا، وفي الوجود المجرد أحيانًا أخرى، وراضية بكل ما ننتقده صباح مساء: منظمة التحرير وشريط أحزابها وأيدولوجياتها المنتهية، محافظة على فكرة أن مسارنا هنا في نهج ممارسات نضالية تثور وتخبو، تندفع وتتراجع، تنجرف أحيانًا وتنحسر في مراحل، وهكذا في حياة كاملة نكون فيها جنودًا منطقيين وفاعلين في هذا المسار الطويل.

ليست يسارية متكلسة ميس، ولا يمكن احتسابها على اليسار التقليدي المتعطش للتنظير فقط، بل تجميعه شبابية رائعة تشكل مخرجًا لكل المنهار والمتجمد من فكرنا اليساري الذي صار تراثًا أكثر منه ممارسات.

في الأزمات الطلابية كنت أحرص أن أعرف رأيها، وأفتش كيف يكون متحررًا من المواقف المسبقة أو من البناء على محازبة سياسية لفصيل دون آخر، وأتحرى كم أضافت للحل من وجهة نظرها، وكيف تحاول أن تفتح ثغرات جانبية للنقاش بحثًا عن مكان آمن للآراء حتى لو كانت جذرية أو خارج الإجماع.

وكان هذا يحدث.

طبيعيةٌ تمامًا هي ميس، يساريةٌ طبيعيةٌ بكل معنى الكلمة، تشبه شخصيات الروايات الذين لا يرهنون التحول إلى قوى عظمى ولا أفكار خلاصية كبرى، بل مثل مؤمنين في طريقهم إلى معابد، يثقون بأصواتهم الداخلية وطاقات الآخرين العاديين وكلماتهم وأحلامهم واحتياجاتهم.

دمرتني فكرة أن تكون ميس قد تعرضت للشبح والتحقيق القاسي، وأنها لم تقوَ على الوقوف أمام أهلها في الزيارة من شدة الشبح، فهي طفلة بكل معنى الكلمة، لم أستوعب بشاعة أن تضربها محققة مخابرات الاحتلال، أو أن تقوس جسدها على كرسي تعذيب وتكسر نفسيتها. لكن أملي وإيماني بميس كان يكبر، بأنها كما عرفناها بهدوئها ترتب الأشياء، بهدوء مقاتل ترتب اللحظات وتخرج منها وتصنع منها المخارج والمساحات الجديدة.

ميس أبو غوش، طالبة جامعة بيرزيت الأسيرة، كتبت عنوان تحقيقها الصحفي، وصارت هذا العنوان. ولها عندي بوستر لصورتها تركها الطلاب بعد وقفة تضامن، سأخبئ لها البوستر إلى يوم حريتها.

كاريكاتـــــير