شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاثنين 21 سبتمبر 2020م12:36 بتوقيت القدس

من زمن "بوجي وطمطم".. دُمى "ماريونيت" بغزة

08 فبراير 2020 - 23:55

شبكة نوى، فلسطينيات: غزة:

بانتباهٍ شديدٍ كانت "حبيبة" تتابع مسرحية "ياسمين"، التي تناقش فقدان الأحبة أثناء الاعتداءات الإسرائيلية على قطاع غزة.

طلة الحكاية التي كانت عبارة عن إحدى دُمى "الماريونيت"، تمكنت من جذب انتباه الطفلة التي كانت تراقب كيفية تحريكها، ودمج حركتها مع الصوت، بشكلٍ متناغمٍ تمامًا مع الحالة الانفعالية التي يعبر عنها المشهد.

كانت هذه هي المرة الأولى التي تسنح فيها الفرصة لحبيبة كي تتابع عروض دمى الخيوط "الماريونيت" التي بدأت تشق طريقها في قطاع غزة منتصف عام 2019م.

خلال إنصاتها، راودها كعشرات الأطفال الذين حضروا العرض سؤالٌ واحد: كيف تتحرك هذه الدمى دون أية غلطة؟

تنحسر علاقتي بدمى الماريونت، كما غيري من أبناء جيلي الذي نشأ على متابعة القنوات التي كانت محدودةً في ذلك الوقت (قبل 30 عامًا تقريبًا)

مهدي كريرة، صاحب السبق في صناعة هذه الدمى داخل قطاع غزة، عرّف "الماريونيت" بأنه فن تحريك العرائس من خلال الخيوط، لتحاكي بحركة جسدها شخصيات أو حتى كائنات، نعايشها بشكل يومي.

ويقول: "تنحسر علاقتي بدمى الماريونت، كما غيري من أبناء جيلي الذي نشأ على متابعة القنوات التي كانت محدودةً في ذلك الوقت (قبل 30 عامًا تقريبًا)، وكانت تبث برامجها في أوقات محددة"، مشيرًا إلى أن علاقته الأولى بفن دمى الخيوط تشكلت عبر العديد من المسلسلات الشهيرة حينها: بوجي وطمطم، وبقلظ والليلة الكبيرة، بينما لا يمت تخصصه الدراسي لفكرة هذا الفن من قريبٍ أو بعيد.

كريرة الذي عمل منذ سنوات شبابه الأولى في مجال المسرح وكتابة السيناريو لمؤسسات تعنى بالأطفال، كان الأول في إدخال "الماريونيت" لقطاع غزة، ذلك بعد سنواتٍ من البحث والقراءة وسؤال ذوي المعرفة، بالإضافة إلى العمل المتقطع، والتعلم من أجل إتقان صناعة الدمى، والتمرّن على كيفية تحريكها بالخيوط، "ليبدأ رسميًا رحلته مطلع العام الماضي، عبر تأسيسه فريق خيوط".

لا يزال كريرة يذكر كيف حوّل في بدايات محاولاته لصناعة الدمى، شرفة منزله إلى ورشة ممتلئة بما كانت تطلق عليه زوجته مصطلح "كراكيب"، يعلق: "لم تكن تعرف لماذا أُحضر كل هذه الأشياء: ورق وكرتون، وورق الفلين "فوم"، وزجاجات بلاستيكية، وكلكل، وأشياء أخرى لا تعرفها، لكن بعد أن صنعت الدمية الأولى بدأت تتفهم ما أبتغي الوصول إليه، وكانت من أوائل الداعمين لي في مشواري، وما زالت".

تعلم كريرة صناعة دمى الماريونت بشكلٍ ذاتي، بعد أن تعلَّمَ من خلال أحد الأصدقاء ويعمل فنانًا تشكيليًا، أسرار استخدام المواد وماهيتها: كيفية صنع عجينة الورق، وكيفية استخدام الكلكل، والفلين، يتابع: "ثم وبمشاهدة الكثير من تسجيلات الفيديو المنشورة عبر يوتيوب، بدأت بشكل فعلي بإنتاج الدمى والتمرن على تحريكها".

لم يكن الأمر سهلًا، ولم يكن باب النجاح  مفتوحًا على مصراعيه، فكثيرة هي المرات التي كان كريرة يفشل فيها بصناعة الدمية كما يجب، كان يتطلب منه الأمر تكرار المحاولة أكثر من مرة، وتجربة استبعاد بعض المواد، أو تجربة إضافة مواد أخرى، "وهذا ما جعل الإحباط يتسلل إلى القلب أحيانًا، فأترك الفكرة والعمل وأعود لحياتي العادية، بيتي وأولادي" يكمل.

يستدرك: "لكن لم أكن ألبث إلا قليلًا، فأتذكر أنني وضعت النجاح هدفًا أمام عيني، وعليَّ أن أحققه، فأعاود الكرة، وفي كل مرة كانت الأمور تبدو أفضل من سابقاتها فأتشجع على الاستمرار مجددًا".

صعوبات كثيرة واجهت كريرة خلال عمله الفردي، فلا جهات داعمة، ولا مواد متوفرة بفعل الحصار المفروض على قطاع غزة منذ ما يقارب ثلاثة عشر عامًا، وحدها الإرادة والرغبة في محاكاة العالم المفتوح خارج القطاع، جعله يسعى إلى تحقيق أمنيته "الصغيرة" بأقل الإمكانيات الموجودة.

يطمح كريرة اليوم، إلى امتلاك مسرحٍ متنقلٍ يصل إلى جميع مناطق قطاع غزة، ويقدم العروض للناس حيث يكونون، ومن أكبر أحلامه أن يتمكن الفريق من تأسيس مسرحٍ ثابت،

استفاد كريرة أخيرًا من تمويلٍ لمبادرات فردية، مكنه من تأسيس فريق "خيوط"، واستقطاب 12 شابًا وشابة للعمل ضمن الفريق، بعد تدريبهم على أساسيات العمل، وتنفيذ عددٍ من العروض في مختلف محافظات قطاع غزة، التي أظهرت مدى تعطش الأطفال والكبار للترفيه الهادف كما يؤكد.

يطمح كريرة اليوم، إلى امتلاك مسرحٍ متنقلٍ يصل إلى جميع مناطق قطاع غزة، ويقدم العروض للناس حيث يكونون، ومن أكبر أحلامه أن يتمكن الفريق من تأسيس مسرحٍ ثابت، ينشر الثقافة والقيم والتعليم من خلال دمى الماريونت.

"الطريق ملغومٌ بالعثرات، لكن الهدف يستحق، ومواطنوا القطاع أيضًا يستحقون" يتمم.

كاريكاتـــــير