شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاحد 29 مارس 2020م02:37 بتوقيت القدس

عن "بائعة الخردة" الستينية.. في سوق "فراس"

06 فبراير 2020 - 21:15

شبكة نوى، فلسطينيات: لا تشغَل أم العبد أبو عاصي بالها بأمور السياسة، وهي ليست على درايةٍ بكل ما يدور في غُرف السياسيين المغلقة، حتى أنها لا تحتفظ في دكانها التي تتخذ منه مكانًا للمبيت بمذياعٍ أو تلفزيون.

كل ما يعني تلك المرأة الستينية، هو البضائع القديمة "الخردة" التي تبيعها لزبائنها الذين يقصدون دكانها من كل صوب.

"كنت في الخامسة من عمري، عندما بدأتُ أتجول مع والدي في شوارع غزة لنشتري الخردة: الأواني المعدنية، والبلاستيكية، وغيرها من مستلزمات المنازل"، تقول، ثم تكمل سرد الحكاية: "بقيتُ على هذا الحال حتى تزوجت، ومنذ ذلك الوقت أكملت المسيرة وحدي".

تقرأ في تجاعيد وجهها عثرات الدهر الطويل، وتسأل عن سر القوة التي تمتلكها حتى لا تتوقف عن فتح دكانها ولو ليومٍ واحد "بشهادة الزبائن" رغم مرارة الحال.

تضيف وعيناها تتابعان الرجال الذين كانوا يقلّبون البضائع بحثًا عن غاياتهم: "لم أقفل أبواب محلي حتى في أحلك أوقات مرضي، العمل هو الحياة بالنسبة لي".

لولا عمل أم العبد في تجارة الخردة، لما تمكنت من تربية أبنائها كما تؤكد، "لقد كنت أعيش في غرفةٍ بلا أي مرافق، ولكنني اليوم اشتريت قطعة أرض، وأصبح لأبنائي منزل يعيشون فيه" تزيد.

كانت أم العبد من أوائل اللواتي عملن في التجارة داخل السوق من النساء، أي قبل ما يقارب (50) عامًا. كانت شابةً صغيرة لكنها كانت معروفةً كـ "بنت سوق"، وهو مصطلح يطلق غالبًا على العارفين المجرِّبين من خبراء العمل التجاري (البيع والشراء). تتابع: "كنتُ أبيع وأشتري البضاعة من خلال عربة كارو أجول بها الشوارع والحارات، حتى استأجرت هذا الدكان قبل 30 عامًا، وأصبح اسمي نار على علم في سوق فراس"، و"فراس" بتسكين الفاء هو أشهر أسواق قطاع غزة وأقدمها على الإطلاق.

بمجرد أن تسأل عن خردة أم العبد، فكأنما تسأل عن نصبٍ تذكاريٍ يعرفه الكبير والصغير،

يعرفها الكبير والصغير في السوق، فأن تسأل عنها كأنما تسأل عن أحد معالم السوق الرئيسية، وهو ما تعتبره أم العبد أبو عاصي نجاحًا باهرًا لتاريخها الحافل.

تقول: "ربما لم أعد بحاجة للعمل، فقد كبرت وأظن أنني أنهيت مهمتي في هذه الحياة تحديدًا تجاه أبنائي، لكنني لا أستطيع الابتعاد عن هذا الدكان، ولا أثق في أي شخصٍ يديره غيري".

يتدخل أحد أحفادها ممن يساعدونها في العمل فيقول: "ترفض جدتي أن نتدخل في البيع أو الشراء، كما أننا نجهل أين نجد القطع التي يطلبها الزبائن بين أكوام البضاعة، أما هي فتستخرجها للزبون بمنتهى السهولة"

تضحك الجدة أم العبد: "أنا لا أكاد أفارق هذا المكان، أنام على هذه الفرشة، وأحفظ تفاصيله كلها، وكل قشةٍ بداخله لا يمكن أن أتوه عنها".

تعلمت أم العبد القراءة والكتابة، ووصلت إلى المرحلة الإعدادية، وعملت بعض الوقت في حياكة فساتين الزفاف، لكنها ما لبثت أن عادت لبيع وشراء الخردة، التي باتت تسري بدمها منذ الطفولة.

تشدها الذكريات لأيامٍ خلت، حين كان السوق بسيطاً، قليل الزوار، وكان التجار يُعَدون على أصابع اليد، تعقّب: "كان الجار يسأل عن جاره، ويتمنى الخير لغيره".

هذه القيم تفتقدها أم العبد هذه الأيام كثيرًا،  وأكثر ما يزعجها كم الضرائب المفروضة عليها وعلى غيرها من أصحاب المحلات. تقول وقد ارتسمت على وجهها ابتسامة رضا: "أنا اليوم بشتغل من طلوع الشمس لمغيبها من أجل دفع الضرائب للحكومة، تأتي علي أيام لا أكاد أُحصِّلُ فيها ثمن رغيف خبزٍ أتناوله كعشاء" تصمت قليلًا، وتطلق تنهيدة، ثم تكمل: "لكن لا يمكنني إغلاق الدكان ففيه حياتي وبداخله سأموت".

كاريكاتـــــير