شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الثلاثاء 31 مارس 2020م23:09 بتوقيت القدس

في يومهم العالمي..

هكذا يعيش "النباتيون" في قطاع غزة

01 فبراير 2020 - 10:03
صورة تعبيرية
صورة تعبيرية

غزة- شبكة نوى:

"لا أتناول المنتجات الحيوانية منذ كنتُ طفلة، هالني ما كنت أرى من مشاهد الذبح العنيف للخراف والعجول في الأعياد والمناسبات، شعرت بأن هناك انتهاكًا مرعبًا لمشاعرها"، بهذه العبارة تحدثت الشابة إسراء حميد عن أولى خطواتها في طريق التحول إلى شخصية نباتية لا تأكل اللحوم بالمطلق.

إسراء -الناشطةُ في مجال حقوق الحيوان والبيئة- كغيرها من النباتيين والنباتيات، عندما كبُرَت أصبحت دوافعها –سواءً الصحية أو البيئية أو الاقتصادية- للابتعاد عن أي منتجٍ "حيواني المنشأ" أكبر، وبات "اليوم العالمي للنباتيين" الذي اعتمدته الجمعية النباتية في أمريكا الشمالية عام 1977م للفت الانتباه تجاه البيئة والتوعية الأخلاقية في الأول من فبراير كل عام، فرصةً للتعريف بأهمية النمط النباتي.

الحياة الخضراء أفضل

على حسابها في "انستغرام"، ركّزت الشابة العشرينية اهتمامها الأكبر على نشر ثقافة النباتيين والنباتيات وطريقة تفكيرهم، مرفِقَةً ذلك بمعلوماتٍ حول الفوائد الصحية التي قد تعود على الإنسان من اعتماد الطعام النباتي، بالإضافة إلى مقاطع فيديو عديدة، تعرض ما يصنعه الإنسان بالحيوان؛ من أجل أن يحظى بوجبة من البرجر، أو كأسٍ من الحليب على سبيل المثال.

إسراء: هناك أسباب أخلاقية تدعو للتوقف عن تناول لحوم الحيوانات، على رأسها طريقة تعامل المصانع مع الأبقار التي تُوضع على ما يُسمى برف الاغتصاب

تقول حميد: "هناك أسباب أخلاقية تدعو للتوقف عن تناول لحوم الحيوانات، على رأسها طريقة تعامل المصانع مع الأبقار التي تُوضع على ما يُسمى برف الاغتصاب، وتتعرض للتلقيح الصناعي بأدواتٍ حادة كي يحدث الحمل وتدرّ الحليب"، ملفتةً إلى حجم الصدمة التي أصابت الجمهور حين عرضت عبر حساباتها مقطع فيديو يتحدث عن ذلك "وهو ما تحاول أن تخفيه الدول العظمى عن العامة كون اقتصادها يرتكز على هذه الصناعات".

سبب بيئي آخر متعلق بظاهرة الاحتباس الحراري، دفع إسراء وغيرها إلى تبني النظام الغذائي النباتي كأساسٍ للحياة، هو أن هناك مساحات خضراء شاسعة يتم القضاء عليها دومًا، بغرض إقامة مصانع المنتجات الحيوانية للاستهلاك البشري، ناهيكم عن الأسباب الصحية التي تؤكد أن النباتات توفر للجسم نمطًا صحيًا أفضل.

تضيف: "صحيح أن البشر قديمًا تناولوا اللحوم، ولكن شكل الاستهلاك كان مختلفًا تمامًا عن ما نمارسه اليوم".

إسراء حامل وتنتظر مولودها الأول، هي نباتيةٌ بشكلٍ كامل، لا تعاني من أي مشاكل صحية، بل إنها عانت قديمًا من حساسية الأنف التي تحسّنت كثيرًا الآن، دمها 13 وعناصره مكتملة، ولا تشعر بأي حاجة للحوم الحيوانات –كما تؤكد- لكنها ترى وجود بعض الصعوبات في تطبيق النظام الغذائي للنباتيين داخل قطاع غزة، الناتجة عن ضعف البدائل، تعلِّقُ بالقول: "حتى الحليب النباتي، توفّر حديثًا، وهو مرتفع الثمن جدًا ونضطر لصنعه في البيت (..) على أية حال، الحياة الخضراء أفضل".

الاستهلاك المُفجع للموارد

أمل شامية (20 عامًا) شابةٌ غزية تعمل مصممة أزياء، لم تضيف المنتجات الحيوانية إلى نظامها الغذائي منذ فترةٍ طويلة، وتؤمن بقوانين الطبيعة التي تنص على أن الكائنات تتغذى على بعضها البعض كما يفعل الأسد بالغزال مثلًا، إلا أنها "ضد استهلاك الموارد بشكل مُفجع، خصوصًا كما يحدث للأبقار التي بات الجميع يعرفون كيف يتم جلب اللحوم والحليب منها".

أمل: اللحوم والشحوم تسبب من وجهة نظرها الكسل، "والشخص النباتي يشعر أنه أكثر خفة ورقة في المشاعر، تمامًا كما لو أنه يمارس الرياضة بانتظام

تحترم أمل الناس الذين يجارون الطبيعة، لكنها تشعر أن صحتها –وفق النظام الغذائي النباتي- أفضل ونشاطها أعلى، فاللحوم والشحوم تسبب من وجهة نظرها الكسل، "والشخص النباتي يشعر أنه أكثر خفة ورقة في المشاعر، تمامًا كما لو أنه يمارس الرياضة بانتظام".

تقول: "في غزة، هناك عائقان أساسيان يواجهان كل من يقرر أن يصبح نباتيًا، الأول أن الحصار لا يتيح الكثير من الخيارات للنباتيين والنباتيين كتلك الموجودة في الدول الأخرى، وإن توفرت، فهي مرتفعة الثمن ولا تناسب دخل شابة كادحة مثلي"، فيما يكمن العائق الثاني، في أن معظم أفراد المجتمع، لا يمكنهم استيعاب الخيارات الفردية للشخص خصوصًا إذا دُعِيَ لوليمة "فغالبية ما يقدم على موائدها اللحوم، بينما من الصعب جدًا أن تصادف وجبات نباتية خاصة بهم، عدَا عن السلطة".

الخضار ثوابت المائدة

تجربة مختلفة نسبيًا مع الشاب فتحي أحمد (35 عامًا) من مخيم النصيرات وسط قطاع غزة، النباتي منذ طفولته.

فتحي: البندورة، والخيار، والجرجير، والبقدونس، ثوابت رئيسية على المائدة، وإلى جانبها طبقٌ من الطعام الخالي من اللحوم". "اتباع هذا النظام، يجعل الجسم أخف وزنًا، وأكثر قوة".

ورث فتحي نظام الحياة النباتية عن والده الذي كان حريصًا على صحته بشكلٍ كبير، فيكثر من الخضراوات على مائدته، "البندورة، والخيار، والجرجير، والبقدونس، ثوابت رئيسية على المائدة، وإلى جانبها طبقٌ من الطعام الخالي من اللحوم". يعقب بالقول: "اتباع هذا النظام، يجعل الجسم أخف وزنًا، وأكثر قوة".

يفتخر الشاب بتمتعه بصحة جيدة نتيجة لنظامه الغذائي القائم على الطبيعة، لكنه يلجأ أحيانًا إلى تناول الأسماك، كونه ليس نباتيًا بالكامل، فيما لا يُلزم أحدًا من أطفاله الثلاثة، أو أيًا من أفراد عائلته بهذا النظام لما تحيطه من صعوبة إقناع المحيط الاجتماعي به خصوصًا في المناسبات الاجتماعية.

 يعلّق: "أنا تعودت على هذا التساؤل الذي يطرح عليّ بشكل مستمر، كيف تستطيع الاستمرار؟، لكن غالبية من يعرفونني الآن باتوا يتفهمون الفكرة، لكنني لا أنصح أطفالي بهذا، فالأمر سيقيّدهم كثيرًا في المستقبل".

هناك فوائد ولكن!

يتبعُ النباتيون، فكرةً انتشرت في القرن الثاني، وكانت على الأغلب ترتبط بالمعتقدات الدينية كما يوضح الدكتور محمود الشيخ علي، مدير مركز ابن النفيس للنباتات الطبية والمكملات الغذائية، "وهم قرابة 1-2,5% في أوروبا، بينما يشكّلون 40% من سكان الهند" يضيف.

وللنباتيين عدة تصنيفات، الأول هو للنباتيين بالكامل "الذين لا يتناولون أيًا من مشتقات منتجات الحيوانات، ويعتمدون في طعامهم على النباتات والطحالب، بل إن بعضهم متشددين إلى الدرجة التي تدفعهم إلى أن يرفضوا ارتداء أي ملابس يمكن أن تكون منسوجة من أي مصدر حيواني، وهؤلاء يطلق عليهم اسم الباجيت"، أما الثاني، فهو للنباتيين جزئيًا، الذين تجدهم لا يأكلون اللحوم ولكن قد يتناولون البيض أو الحليب أو الجبن مثلًا.

د.الشيخ علي: ما نستطيع تأكيده بشكلٍ عام، أن النباتيين يتمتعون بصحةٍ أفضل، لأن معظم الأمراض تأتي من مصادر حيوانية

ولا ينفي الشيخ علي الفوائد الصحية التي تعود على الإنسان لاتباعه النمط النباتي في غذائه، ولكن "بشرط التوازن". ويقول: "انقسم الطب في هذه القضية إلى قسمين، الأول تبنى دراسات تحدثت عن أهمية أن يكون الإنسان نباتيًا بالكامل، والثاني تبنى بحوثًا تتحدث عن أن هناك بروتينات لا يمكن الحصول عليها إلا من منتجات حيوانية، لكن ما نستطيع تأكيده بشكلٍ عام، أن النباتيين يتمتعون بصحةٍ أفضل، لأن معظم الأمراض تأتي من مصادر حيوانية".

ويعتمد الدكتور الشيخ علي في النظام الغذائي الذي يقدمه لروّاد مركزه من الذين يعانون السمنة والأمراض المزمنة "ثلاثة أيام نباتية كل أسبوعين، لتخليص الجسم من السموم"، ويركز على الأسماك البحرية، المزودة بالدهون غير المشبعة، التي لم يتدخل الإنسان في تربيتها، على عكس مصادر اللحوم الأخرى.

 لكن ينصح من يتبعون نظامًا نباتيًا بالكامل، تناول بعض المكملات الغذائية مثل فيتامين B12.

من قطاع غزة المحاصر منذ نحو 14 عامًا، خرجت هذه التجارب لنباتيين ونباتيات قرروا أن تكون حياتهم مختلفة نحو صحةٍ أفضل، متغلبين على مذاق اللحم الشهي ورائحة طهيه الفواحة، فهل يمكن أن تقرر عزيزي القارئ، وأنتِ عزيزتي القارئة، أن تخوضوا التجربة ولو لأيامٍ معدودة؟

كاريكاتـــــير