شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الجمعة 03 ابريل 2020م06:53 بتوقيت القدس

محمد.. غواصٌ صادَقَ البحر ورسم شغَفه بالصَّدف

29 يناير 2020 - 13:08

شبكة نوى، فلسطينيات: يجلس في غرفته الصغيرة، ويتأمل آلاف الصدفات التي اعتاد على جمعها خلال رحلاته في أعماق بحر غزة، يحاول اختيار الأحجام المناسبة للعمل الفني الجديد قبل أن ينقطع التيار الكهربائي، ثم يشرع في صفّها ليشكل مجسمًا يجسِّدُ شخصيةً كرتونيةً معروفة.

في شقةٍ بمدينة حمد السكنية، القريبة من بحر مدينة خان يونس جنوب قطاع غزة، يسكن الغواص محمد موسى (33 سنة) الذي يعشق البحر بكل مكوناته، يمارسُ الغوص ويصطادُ السمك، ولا ينسى أن يحضر معه في كل مرةٍ بعض ما وجده من صدفٍ مميز الشكل والألوان.

حبُّ البحر دفعَ بموسى إلى دراسة تخصصٍ يتعلق به، فتعلم فنون الغوص وكل تقنيات الحياة البحرية في الكلية البحرية بدولة الجزائر، قبل أن تنهار كل أحلامه وطموحاته بفعل الانقسام السياسي، الذي لم يهيئ له العمل بتخصصه.

"ماذا أفعل؟ هل أترك الانقسام يأكل شغفي؟" كان هذا هو السؤال الذي طرحه على نفسه، قبل أن يجيب بدون تردد "لا.. بالطبع لا".

  لم يترك نفسه للإحباط، فكوّنَ أول مجموعةٍ لتعليم الغوص مع بعض رفاقه الذين تعرف عليهم تحت الماء!

يروي موسى الحكاية بينما يلتف حوله أطفاله يراقبونه وهو يواصل تشكيل بعض الأصداف فيقول: "الكثير من الصعوبات واجهتني أنا وغيري من الغواصين، ذلك بفعل الحصار،  فأدوات الغطس التي كانت تكلف 300 دولار، لم يعد بالإمكان توفيرها بأقل من ألف وخمسمئة دولار"، ملفتًا إلى أن على الغواص الذي يتمكن من توفير تلك الأدوات، المحافظة عليها كعينيه، إذ لا يمكن إيجاد غيرها في حال تعطلت، بسبب عدم السماح بدخولها إلى القطاع بفعل الحصار الإسرائيلي القائم منذ قرابة ثلاثة عشر عامًا.

تشده رائحة البحر المنبعثة من الأصداف التي ينتقيها، فيأخذ نفسًا عميقًا ويحاول تركيب منقار البطة بطوط أو "دونالد داك" بالأنسب حجمًا، ثم يكمل: "أحاول تجسيد شخصيات كرتونية من خلال الأصداف، قبل أن أقوم بإضافة العيون  التي تضفي روحاً للمجسم، وتزيده رونقًا وجمالًا".

تعلم محمد من خاله كيفية تصليح وصيانة أدوات الغوص، فيما قام هو بتعريفه بعلوم البحر، التي انخرط فيها حتى أصبحت تعني له الحياة.

بشغف يتحدث محمد عن أصدافه التي يحبها حبه للبحر: "قادني حب البحر للبحث عن كيفية الانتفاع من هذه الأصداف التي أجمعها منذ سنوات، كنت فيما مضى استخدمها كزينةٍ لأحواض السمك، لكنني أردت البحث عن شيءٍ جديد، وأنجزت أول مجسماتي من الأصداف، لتتوالى بعدها المحاولات والأعمال التي لاقت استحسان وإعجاب كل من رآها".

رغم ولع الأقارب والأصدقاء بما يصنع محمد بتلك الأصداف، إلا أنه لا يفكر حاليًا في تسويق مصنوعاته، كونه غير متأكد من قدرته على الاستمرار في ظل الانقطاع المتكرر للكهرباء، ونقص الإمكانيات التي يمكن أن تساعده في صناعة أشياء كثيرة مثل الدلايات، والميداليات، والسلاسل التي تحتاج لأدوات غاية في الدقة.

يوميًا، يزور محمد البحر، يغوص في أعماقه ما يقارب (15 جامة)، أي ما يقارب 21 مترًا، تكفيه أسطوانة الأكسجين حوالي 45 دقيقة "كمُتمكّن من الغطس"، لكن الاسطوانة تلك لا يمكن أن تكفي غوصًا مبتدئًا –على حد تعبيره- أكثر من ثلاثين دقيقة، يعلق بالقول: "ذلك لأنه يكون في البداية متوترًا، تتسارع أنفاسه، فيحتاج إلى كمية أكبر من الأكسجين".

لا يمكن للغواص كما يروي محمد، أن ينزل البحر في حال غوص السكوبة إلا بأدواته كاملة، فيما يعتمد الغوص الحر على قدرات وتمارين الغواص الخاصة بالرئتين، التي تمكنه من البقاء تحت الماء لدقيقة أو أكثر.

يجد الغواصون في قطاع غزة، الذين ازداد عددهم وفقًا للشاب محمد، صعوبةً في تعبئة أسطوانات الأكسجين، لكنه وفريقه أصبحوا معروفين على مدار ما يزيد عن ثلاثة عشر عامًا، فباتت الأمور بالنسبة لهم أكثر مرونة.

يشعر محمد أن حياته الحقيقية تكمن تحت الماء، رغم أن أي خطأ بسيط يمكن أن يودي به إلى الموت،  يكمل: "تلك المخاطر لا يمكنها أن تمنعني من الغوص، لدي طموح كبير لتطوير هوايتي بمشاركة أطفالي ومساعدة زوجتي، فهذه الساعة التي أمضيها برفقتهم خلال صنع أي مجسم، تخلق جوًّا عائليًا من الصعب تعويضه".

يؤمن موسى أن البحر به من الخير الكثير، فمنه يصيد السمك، يأكل منه ويبيع، ويجلب الأصداف فيصنع منها مجسماتٍ غايةً في الدقة والجمال. تلك المجسمات التي أضفت على منزله رونقًا خاصًا، تثير إعجاب كل زواره، بينما هو يستمر في العمل على قاعدة، أن البقعة المضيئة التي يجدها الإنسان في حياته الصعبة هي التي تجعله يشعر أنه على قيد الوجود.

كاريكاتـــــير