شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الثلاثاء 07 ابريل 2020م22:19 بتوقيت القدس

الرائحة والحشرات تؤذي المواطنين

وادي غزة.. ضربهُ إعصار الإهمال وشوهه الاحتلال

20 يناير 2020 - 09:07

النصيرات:

بات حلول فصل الشتاء "كابوسًا" يؤرق منام السيدة أم كريم القيشاوي، التي تسكن في المنطقة المجاورة لوادي غزة، قرب المدخل الشمالي لمدينة النصيرات وسط القطاع.

"بيوت المنطقة كلها تصبحُ مهددةً بالغرق بمجرد فتح جنود الاحتلال المتمركزين عند الحدود الشرقية لقطاع غزة السدود هناك" تؤكد، لتزداد بلة الطين ليس بالماء وحده؛ فعلى حد وصفها "الوادي الذي تحوّل إلى مكبٍ للنفايات والحشرات الناقلة للأمراض أيضًا، بات خطرًا حقيقيًا على مدار الساعة".

تعيش أم كريم وأسرتها في بيتٍ من "الأسبست"، غير مقصور الجدران، تفتح أمام مراسلة "نوى" باب الثلاجة المهترئ لتكشف عن مجموعةٍ من أدوية الجهاز التنفسي، التي تستخدمها لعلاج أطفالها الستة، الذين تدهورت أوضاعهم الصحية بسبب حرق النفايات المستمر على أطراف الوادي، والتعرّض الدائم للرائحة الكريهة.

جولة قصيرةٌ في المنطقة، ناهيك عن مشاهد القمامة والمياه الداكنة التي تمر في مجرى ومحيط الوادي، كفيلةٌ بجعل يدك لا تفارق أنفك، وطرح سؤالٍ يستفسر عن ماهية "الكارثة" التي حلت في المكان الذي يُفترض أنه كان "محميةً طبيعية" تعجُّ بالتنوع الحيوي والبيئي، وتتميز منذ قديم الزمان بمناخها الصحراوي عند الأطراف، المعتدلة في الوسط، فبات قبلةً للطيور من كل المناخات.

والحقيقة أن وادي غزة، كان حتى وقت غير بعيد، مجرى لمياه الأمطار القادمة من منطقة النقب وجبال الخليل، ويجري لمسافة 21 كيلو مترًا في المناطق المرتفعة، مرورًا بخمس مناطق في قطاع غزة حتى يصب في البحر.

تقول القيشاوي: "أطفالي الستة يعانون من النهجة، وسوء التنفس، أستخدم لهم الأدوية منذ مدة، وبشكل منتظم، لكن رائحة النفايات الكريهة خاصةً وقت حرقها، تؤخر شفاؤهم".

وتشتكي السيدة التي لا تتوقف عن تنظيف بيتها وترتيبه، شعورها الدائم بأنها مهما أتعبت نفسها من أجله فلن يصبح نظيفًا، "كما أن المكان يتسبب لي بالإحراج أمام ضيوفي، كونهم يضطرون طوال وقت الزيارة لوضع أيديهم على أنوفهم، تجنبًا للرائحة الكريهة" تضيف.

زوجها محمد القيشاوي يؤكد أن عائلته تعيش في المنطقة منذ نحو 18 عامًا، "وفي بداية ذلك العهد لم يشتكِ أحد من الوادي أو أي مشكلاتٍ فيه، كانت المنطقة جميلة والمياه الجارية نظيفة، لكن السنوات الأخيرة شهدت تراجعًا في الاهتمام به، أو حتى الاستجابة لمطالب المواطنين بخصوص تنظيفه" يقول.

قاطعته أم كريم فتابعت الحديث بقولها: "المنطقة كانت خضراء، وهواؤها نظيف ونقي، وكان فيها متنزه للأطفال"، متسائلةً :"كيف انقلب حال الوادي إلى هذا الواقع المرعب؟ (..) أؤمن أن كل الوعود التي نسمع عنها بخصوص تحسين وضعه، وحياة القاطنين في محيطه هي محض خيالات وأحلام".

على مقربةٍ من بيت القيشاوي، يقع منزل الشاب محمد حور الذي يمتلك متجرًا لبيع الملابس الجاهزة في الطابق الأرضي، وحاله وحالهم واحد.

يمسك ببعض قطع الملابس ويقول بيأس: "رائحة دخان حرق القمامة تعلق في الملابس الجاهزة، وهذا يؤثر على درجة الإقبال على شرائها، فمن الذي يفضل شراء بضاعةٍ رائحتها سيئة؟".

يغلق حور جدران وشبابيك محله بأكياس النايلون السميك، في محاولةٍ منه لمنع وصول رائحة الدخان والرائحة الكريهة المنبعثة من أطراف الوادي، مؤكدًا أن لا طاقة له بافتتاح محلٍ في مكانٍ آخر.

يعلق: "الأصل أن تجد البلدية حلولًا لسكان هذه المنطقة، بدلًا من حالة الخوف الدائم التي يعيشونها، سيما عند فتح الاحتلال للسدود وإغراق المنطقة بالمياه".

في محيط الوادي وعلى جانبيه، ثمة أطفالٍ يعتاشون على التقاط البلاستيك والألومنيوم لبيعها مقابل شواكل معدودة، رغم قذارة المكان، الطفل محمد القيشاوي وبعد موافقة ذويه على المقابلة قال لنوى :"بجمع النحاس والبلاستيك وببيعهم، مرات بخمسة شيكل ومرات بأكثر، المهم حاجة تمشّي الحال".

ويقول الطفل الذي يبلغ من العمر 16 عامًا، والذي ترك المدرسة قبل ثلاث سنوات بسبب "الأوضاع الاقتصادية السيئة لذويه": "إن هذا المبلغ طبعًا لا يسدّ احتياجات البيت، ولكن ما أحصل عليه أنا واثنين أو ثلاثة من إخواني، يكفي على الأقل لتوفير قوت يومٍ كامل".

على جانبي الوادي أيضًا تعيش مجموعة من العائلات البدوية التي تربّي ماشيتها في المنطقة، وتتخذ من الأرض متسعًا لها، يقول الشاب أسامة الخمايسة :"احنا مجاورين الوادي من زمان، من لما كانت مياهه نظيفة، أكثر شيء مؤذي للمنطقة حرق القمامة، وتخيلوا لحظة نقل البلدية للقمامة كيف بتصير رائحة المنطقة كلها، كلما تحرك الهواء تضر بكل المنطقة شمال الوادي".

 

رئيس بلدية النصيرات محمد أبو شكيان، قال لـ "نوى": "إن وادي غزة كله الآن، يعدُّ مكرهة صحية، وهناك محاولات لتحويل خطوط الصرف الصحي إلى المنطقة الشرقية، وإغلاق الغربية تمامًا، بل وتحويل كل النفايات الصلبة إلى المنطقة الوسطى، والتوقّف نهائيًا عن استخدام الوادي كمحطة ترحيل للنفايات".

ويوضح أبو شكيان أن الأشهر القليلة القادمة من العام الحالي 2020م ستشهد حلًا للأزمتين "برك الصرف الصحي، ونفايات وادي غزة"، مشيرًا إلى أن الوادي حاليًا يستخدم كمحطة لتجميع النفايات من مدينة النصيرات، ومن ثم ترحيلها عند الساعة العاشرة صباحًا يوميًا إلى المكب الرئيسي في منطقة الفخاري شرق محافظة خانيونس جنوب قطاع غزة.

ونفى أبو شكيان كليًا قيام البلدية بحرق أيٍ من النفايات في المنطقة، "فهذا ممنوع البتة، لما له من آثار سلبية على المواطنين"، مضيفًا: "إن البلدية حصلت على موافقة سلطة جودة البيئة لاستخدام المكان كمحطة ترحيل للنفايات".

وتجمع بلدية النصيرات يوميًا 100 ألف طن من النفايات من المنطقة، وبعض المناطق المجاورة، وتبلغ تكلفة نقل الطن الواحد 35 شيكلًا، كما يوضح رئيس البلدية، نافيًا أن يكون لاستخدام البلدية المكان كمحطة ترحيل للنفايات، أي آثار سلبية صحية على المواطنين، فيما وحسب شهادات السكان "الواقع يخالف ذلك".

الخبير البيئي د.أحمد حلس، الذي زار المنطقة مرارًا وأجرى عدة دراسات بيئية عليها، أبدى أسفه لما وصل إليه الوادي الذي كان "محمية طبيعية" للتنوع البيئي والحيوي، محملًا مسؤولية ما آل إليه الوضع فيه إلى "الاحتلال الإسرائيلي" أولًا، كونه منع وصول المياه العذبة إليه، وحرمه من 25 مليون متر مكعب من المياه السطحية العذبة القادمة من جبال الخليل والنقب.

وقال: "إن وادي غزة لم يجف كما حدث مع وادي بيت حانون وواي السلقا، بل إن مرور نحو 23 ألف متر مكعب من مياه الصرف الصحي رغم سمّيتها وتلوثها، حافظت على بعض ملامح الطبيعة النباتية الخضراء فيه، أو بالأحرى على بقائه".

ولفت حلس إلى مشكلةٍ أخرى تواجه الوادي البائس، هي أن هويته "غير معروفةٍ، لأي بلدية تتبع"، إذ يمر في خمس مناطق، وقد تحوّل إلى مكبٍ للنفايات، وتعرضت طيوره للصيد الجائر، وبات مرتعًا للحشرات والقوارض الناقلة للأمراض، كما صار جيرانه يعانون من انتشار أمراض الحساسية والربو، والأمراض الجلدية، والأمراض المعوية، والبكتيريا التي تنتقل إلى الإنسان عبر الحشرات والقوارض المنتشرة، ناهيك عن انعكاساته الاجتماعية، حيث تشكو الكثير من العائلات في المنطقة عدم زيارة أقاربهم بسبب خوفهم على أطفالهم.

ولإعادة تأهيل الوادي يرى حلس، بأن عملية تنظيف المجرى، وتخليصه من أكوام الركام والنفايات تحتاج كتقدير أولي إلى 10 مليون دولار، "لكن هذا الأمر يتطلب دراسة علمية تشمل مسح المجرى من أوله إلى آخره، ومن ثم التفكير بتشغيل محطة معالجة لمياه الصرف الصحي في البريج يمكن أن تزوّد المجرى بالمياه المعالجة، التي يمكنها تنظيف التلوث مع مرور الزمن، ومن حماية الوادي  من التعدّي وفرض غرامات على المتجاوزين" يكمل.

كاريكاتـــــير