شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الثلاثاء 18 فبراير 2020م22:14 بتوقيت القدس

ومعها المئات

روح "سماهر" مرهونةٌ بـ "الديسفيرال" المفقود

14 يناير 2020 - 22:23

غزة - شبكة نوى :

منذ أكثر من 15 يومًا، والشابة سماهر جندية المريضة بـ"الثلاسيميا"، طريحة الفراش في مستشفى الشفاء بمدينة غزة، تراقبُ بقهرٍ تدهور وضعها الصحي نتيجة عدم تلقيها العلاج الخاص بها منذ ثمانية أشهُر، والمفقود من مستودعات وزارة الصحة في القطاع المحاصر.

أتت الكلمات على لسان ابنة الـ (30 عامًا) هزيلةً، وبدا صوتها متقطّعا خافتًا وهي تردد عبارات "الحمد" ودعوات "الاستعانة"، بعد أن نظرت بحسرةٍ إلى الأنابيب الوريدية التي تخترق ساعدها، أغلقت عيناها وقالت: "مش قادرة أتحمل، وضعي صعب، لازمني دواء، لازمني تحويلة".

وبينما ترقد سماهر على سريرها في غرفة العناية المشدّدة؛ يجاهد مجموعةٌ من أصدقائها المصابين بالمرض نفسه، لرفع أصواتهم مطالبين بتوفير العلاج، إثر انقطاعه عنهم كل تلك المدة، الأمر الذي يُعرض حياتهم جميعًا للخطر.

يعاني نحو 320 مريض/ة بينهم 50 طفلًا في قطاع غزة من "الثلاسيميا"، وهو مرض فقر دم وراثيٍ مزمن، يؤدي إلى تضخمٍ في الطحال والكبد

ويعاني نحو 320 مريض/ة بينهم 50 طفلًا في قطاع غزة من "الثلاسيميا"، وهو مرض فقر دم وراثيٍ مزمن، يؤدي إلى تضخمٍ في الطحال والكبد، ومشاكل في المناعة، ويشكّل خطرًا على الحياة، ما يعني ضرورة توفير "الديسفيرال" و"الاكسجيد" – وهي أدوية تعمل على طرد الحديد من الدم- إضافةً إلى أدويةٍ أخرى، ودون أي انقطاع، إلا أن وزارة الصحة لا توفره بشكل دائم، ما جعل كابوس الموت يلاحق المرضى كل يوم.

الشاب إبراهيم عبد الله وهو عضو المجلس الشبابي لمرضى "الثلاسيميا" في قطاع غزة، الذي يتابع مشكلة سماهر منذ يومها الأول، يقول لـ "نوى": "إن عدم تلقي المرضى للعلاج لفتراتٍ طويلة، يعرّض حياتهم جميعًا للخطر، وقد أجروا مؤخرًا فحوصات لنسب الحديد في الدم لدى الإغاثة الطبية، وتبيّن ارتفاعها بشكل خطير جدًا عند الجميع".

ويكمل :"سماهر تُعد الأخطر وضعًا، فقد وصلت نسبة الحديد في دمها إلى 24 ألفًا، بينما الأصل ألا تزيد عن ألف لدى مريض الثلاسميا، عدد منا نسبة الحديد لديهم قريبة من ذلك، وهذا يعني أن آخرين وأخريات قد يصلون إلى حالة سماهر المتدهورة جدًا".

تحت مظلة مستشفى الشفاء غرب مدينة غزة، يتجمّع عددٌ من زملاء وزميلات الفتاة المريضة، الذين جمعتهم بسماهر آلام المرض وتشابه ظروف الحياة، ولأن المرض جمعهم "فهم لا يودون لأي شيء أن يفرّقهم" على حد تعبير عدد كبيرٍ منهم.

عبد الله:عدم تلقي المرضى للعلاج لفتراتٍ طويلة، يعرّض حياتهم جميعًا للخطر

حول حالة سماهر يقول عبد الله: "ارتفاع نسبة الحديد في دمها تسبب بفشلٍ في وظائف الكبد، وضعفٍ في عضلة القلب، إضافةً إلى احتمال إصابتها بالهيباتايتس (مرض الكبد الوبائي) نتيجة نقل الدم المتكرر"، مبينًا أنهم حتى الآن لم يعرفوا سببًا لإصابتها به، ولم يتم فتح أي تحقيق بها الشأن من قبل الوزارة.

ويضيف: "تم الحصول على تحويلة طبية لها، وننتظر رد مستشفيات الضفة الغربية على إمكانية استقبال حالتها".

حتى قبل انتكاستها، كانت سماهر واحدةً من أهم النشاطين في مجال تقديم المحاضرات التثقيفية، كونها خريجة تخصص السكرتاريا الطبية وسكرتاريا القانون، "لديها طموحات ترغب حتى هذه اللحظة بتحقيقها، لكنها اليوم لا تحتاج إلا إلى تدخلٍ عاجل لإنقاذ حياتها".

يتابع عبد الله: "لا نريد أن نخسر سماهر، هناك حالات أخرى مهددة، والتحرّك بات ضروريًا، الدواء اللازم (سواءً الاكسجيد والديسفيرال) يُفترض أن يتوفر بشكل دائم"، متسائلًا: "طالما أنه يتوفر لمرضى الضفة الغربية، فلماذا لا يتوفر بشكل منتظم لمرضى القطاع؟".

وقد عانى المرضى قبل الانقطاع من عشوائية توفر أي من العلاجين، فيضطر المرضى لاستخدام المتوفر منهما رغم أن الأصل الالتزام بالنوع المحدد لكل حالة وليس التنقّل بين الاثنين.

أبو غوش: الانقطاع الحالي للأدوية، يشكل خطورةً شديدةً على المرضى، وخير شاهدٍ هو ما يحدث مع سماهر جندية

ويحتاج مرضى الثلاسيميا إلى نقل الدم كل أسبوعين، وتلقي علاج (الاكسجيد) أو مضخة (الديسفيرال) لطرد الحديد الزائد من الجسم  بحيث لا تزيد نسبته في الدم عن 1000، إضافة إلى أدوية أخرى مهمة مثل الكالسيوم والمضادات الحيوية والفوليك أسيد، وجميعها غير متوفرة في صيدلية مستشفى الشفاء كما يؤكد عبد الله "ويضطر المرضى لشرائها بأنفسهم، ولكن المشكلة الأكبر تبقى في العلاج الرئيسي (الديسفيرال والاكسجيد)" يزيد.

جمعية "أصدقاء مرضى الثلاسميا" في الضفة الغربية، تتابع عن كثب قضية انقطاع الأدوية عن المرضى في قطاع غزة، وقد أرسلت عدة مناشدات ورسائل لوزارة الصحة وللمؤسسات الشريكة الداعمة بهدف توفيره، ولكن لا رد حتى الآن.

تقول جهاد أبو غوش أمين سر الجمعية، في اتصال هاتفي مع "نوى": "إن الجمعية بالتعاون مع القطاع الصحي بشبكة المنظمات الأهلية، والإغاثة الطبية، عقدوا خلال أبريل/ نيسان الماضي مؤتمرًا، قدموا فيه ورقة حقائق حول أوضاع مرضى الثلاسميا في قطاع غزة، أظهرت أن هناك أزمة حقيقية فيما يتعلق بتوفير الأدوية، وتم حينها توفير مبلغ 400 ألف دولار لشراء العلاج".

وأضافت: "الانقطاع الحالي للأدوية، يشكل خطورةً شديدةً على المرضى، وخير شاهدٍ هو ما يحدث مع سماهر جندية اليوم، الأولوية الآن إنقاذها، ولكن هذا مؤشر إلى أن بقية المرضى معرّضين لانتكاسة، وبالتالي يجب رسم خطة لتوفير العلاج بشكل مستمر".

وأكدت أبو غوش أن الجمعية خاطبت وزارة الصحة والداعمين، وتلقت وعودًا بالاستجابة "ولكن الخطوات بطيئة جدًا" على حد وصفها، "وهذا يؤكد ضرورة تعاون وزارة الصحة حتى تتوافق الميزانية التي يتم وضعها لضمان الحل والمساعدة للمرضى" تزيد.

الحديث عن مرضى قطاع غزة يأخذنا فورًا نحو أولوية التفكير بتوفير العلاج المنتظم لإنقاذهم من الموت، لكنه يفتح أبوابًا كثيرةً للحديث عن المشاكل التي يواجهونها في حياتهم اليومية، وأقربها "باب التوظيف" الذي يغلق في وجوههم رغم أن غالبيتهم يحملون شهاداتٍ جامعية. بريق الأمل الوحيد معقودٌ بتعاون وزارة الصحة مع كافة المؤسسات الصحية الداعمة، ووضع خطة محددة بالأرقام، لضمان توفر العلاج دون انقطاع تحت أي ظرف.

صــــــــــورة
كاريكاتـــــير