شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاربعاء 08 ابريل 2020م19:17 بتوقيت القدس

ما زلت في ذاكرة عكا

13 يناير 2020 - 09:17

شبكة نوى، فلسطينيات: التوغل في ذاكرتي الفلسطينية، يستحضر دوما، الصديق الضابط حسن أبو رقبة، الذي رحل قبل عام ونيّف عن دنيانا، ويصادف في هذا الشهر ذكرى ميلاده في عكا.. ولأنه فلسطيني تائه، فقد توزع انتماؤه، على أماكن اعتادها وأحبها.. كان ضابطا في الجيش السوري، وفي الجيش المصري، وفي جيش الإنقاذ. العكاوي " أبو توفيق"، وهذا لقبه، يحتل مساحة في ذاكرتي التي حكمت وجودي، وكان مفتاحي، للعديد من الرجال الذين استنطقت ذاكرتهم.
كانت تذهلنا إطلالته، بقامته وهيبته ببذلته العسكرية، والنجوم التي تزيّن كتفه. كان عنوانا للعنفوان الفلسطيني. وبعد موت أبي ومعظم أصدقائه، أصبح الضابط حسن، هو ذاكرتي التي تطل على الوطن. حكى لي عن طفولته في عكا، وعن فرقة كرة القدم، والمكان الأحب لممارسة هذه الرياضة، كان على سورها.. ثم انتقاله الى نابلس للدراسة في مدرسة النجاح الوطنية، القسم الداخلي. وهناك تعرف على أصدقائه النابلسيين ومنهم رجل الأعمال والمناضل رفعت النمر.
بدأت أحداث الأربعينات من القرن الماضي، تتسارع.. وفي كل المدن والقرى الفلسطينية، بدأت تتشكل اللجان القومية، للتخطيط وتوزيع المهام، لصد هجوم العصابات الصهيونية والقوات الانجليزية. وكان حسن ضمن اللجنة في عكا. وحين أعلن عن دورة عسكرية في مدينة قطنة السورية، عزف عن دراسة الطب، والتحق بالكلية الحربية، وتخرج منها بامتياز.. وحين يحدثك عن تلك المرحلة من حياته، تلحظ كم كانت تعني له تجربته في قطنة وجبهة الجولان!
اعتذر عن قبول الجنسية السورية التي منحت له تقديرا لعطاءاته، لأنه لم يشأ التخلي عن جوازه الفلسطيني.. فنال حكما بالسجن لمدة ثلاثين يوما.. وحين رافع عن نفسه قال: أنا اعتذرت ولم أرفض، أريدها جنسية الى جانب جواز سفري الفلسطيني وليس بديلا عنها!
في فترة الوحدة بين مصر وسورية، كان من ضمن الضباط السوريين الذين انتقلوا الى مصر. كانت تجربتهم قاسية. ضباط متفوقون وفي كامل حماسهم واندفاعهم، للعمل وتحرير فلسطين.. وضعوا في الاقامة الجبرية والسجن أحيانا.. ثم أحيلوا للتقاعد في وظائف مدنية، وجلّهم من أصول فلسطينية.. قال لي ابو توفيق: وهكذا بعد أن كنا نحلم بالعودة الى فلسطين، أصبحنا نحلم ونطالب بالعودة الى سورية! يوم حدثني عن تلك التجربة، سكنني هلع ونفور من العمل السياسي.. فالأحداث التي بهرتنا وملأتنا عزة وفخارا ذات يوم.. كانت خلف الكواليس شيئا مختلفا ومرعبا!
توطدت علاقتي به، يوم بدأت العمل الجديّ في جمع شهادات وتدوين ذاكرة الذين وعوا فلسطين وشاركوا في الدفاع عن المدن والقرى.. ترافقنا الى مدينة صيدا الجنوبية. حيث استقر بحارة عكا. في أول السوق، مررنا بصديق عكاوي له من بيت المغربي. كان أبو توفيق، يسأله عن أخبار الأصدقاء. ثم سأله عن شخص معين، فأجاب الرجل: هو بخير، وجوّز ابنته لترشيحا، وأشار باتجاه الجنوب، تنبهت الى شعوره وكأنه في عكا، ويشير باتجاه ترشيحا!
سرنا داخل الأسواق القديمة، دلفنا الى دكان بسيط، جلس فيه أربعة رجال بكامل أناقتهم وطرابيشهم الحمراء.. وآخر جلس خلف مكتب متواضع، استقبل الضابط بكل حفاوة واحترام.. قدمني لهم، وبدأت الرحمة تنزل على روح والدي.. أحد هؤلاء الرجال، قال إنه كان جارنا في عكا، وبدأ يرشدني الى بيته بكل تفصيل، وكأني أسأله عن مكان سأتوجه إليه الآن! لاحقا دونت شيئا من ذاكرة هؤلاء الرجال.
في أحد الأزقة، التقينا برجل تجاوز الثمانين، يتكئ على عصاه، أخبرني ابو توفيق، انه الحاج فضة من عكا، وأنه يأتي من بيته في شرق صيدا، عصر كل يوم، يسير في هذه الأزقة، التي تشبه زواريب عكا..
هنا حكايا البحر لا تنتهي.. أبو توفيق يستفز ذاكرتهم، فتندلق أمامهم كطوفان البحر، ويذكرهم بأشياء قد سهوا عنها، أو يطلب منهم بعض التفاصيل..
هؤلاء من حفظ ابو توفيق حبهم له، هم ربما قاربوا جيل والده، أو أصغر بقليل. وفي مكتبه العامر في شارع الحمرا، تلتقي بكبار الشخصيات الفلسطينية واللبنانية.. يكتب المقالات، يشرف على مسرحيات من التراث الفلسطيني، يدير رابطة عكا الخيرية.. من إقامته في مصر، كسبت أنا صديقة غالية هي زوجته المصرية وفلسطينية القلب والهوى.. رحل ابو توفيق، واسم عكا عالق في حلقه.. بعد وفاته وجدت عائلته، رسالة لكل فرد منها.. كلمات مبكية وشكر على عنايتهم به.. حتى على فراش الموت.. لم ينس القيام بآخر واجب عليه.. لروحك السلام والسكينة صديقي العكاوي..

كاريكاتـــــير