شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاثنين 24 فبراير 2020م23:19 بتوقيت القدس

التغير المناخي والاحتلال: تحديات مضاعفة

10 يناير 2020 - 13:21

شبكة نوى، فلسطينيات: يعاني الفلسطينيون القابعين تحت وطأة الاحتلال جراء التغيرات المناخية أكثر من غيرهم من الشعوب الأخرى، فقدرة الفلسطينيين على التكيف مع المتغيرات المناخية تواجه العديد من العقبات التي يفرضها الاحتلال الإسرائيلي الاستعماري على الأرض الفلسطينية، والتي تحد من وصولهم إلى الموارد واتخاذ تدابير تدعم تكيفهم مع تغير المناخ، وتقف حائلاً امام إدخال التعديلات المطلوبة في النُظم البشرية أو الطبيعية استجابةً لتأثيرات التغير المناخي. فوجود إسرائيل، كقوة احتلال على الارض، لا يعفيها من مسؤوليتها قانونًا عن تلبية احتياجات السكان الواقعين تحت احتلالها، وهذه المسؤولية تشمل بموجب اتفاقية لاهاي الرابعة الوصاية على الموارد الطبيعية.

في الحالة الفلسطينية، تُعزى التحديات التي تواجه جهود التعامل مع تغير المناخ إلى المشهد السياسي المُجزأ في فلسطين، والذي تؤثر فيه ثلاثة أطراف فعالة مختلفة ومتنافرة، وهي اسرائيل التي تتحكم في القدس المحتلة ومرتفعات الجولان والمنطقة (ج) وغور الأردن في الضفة الغربية، والسلطة الفلسطينية التي تسيطر على المنطقتان (أ) و(ب) في الضفة الغربية، وحركة حماس التي تدير قطاع غزة. أسفر هذا الواقع السياسي والاجتماعي على الأرض الفلسطينية عن تفاوتٍ كبير في مدى التأثر بتغير المناخ والقدرة على التعامل معه، او الخروج بتخمينات منسَّقة حول آثاره بسبب شُح البيانات وغياب الاتساق في عملية جمعها. وبالرغم من أن آثار التغير المناخي تتشابه عمومًا بين تلك المناطق الثلاث، إلا أن جُل التركيز السياسي والبحثي، العام والمناخي، يتعامل مع الأرض الفلسطينية المحتلة بمعزلٍ عن أرض فلسطين التاريخية.

مؤخراً، أظهرت الأرقام والإحصائيات التي نشرت حول الآثار المدمرة للتغير المناخي على الأرض الفلسطينية الخطر المحدق بسكانها. ولكن هذا لا يعفي الاحتلال الإسرائيلي من اعتباره الخطرَ غير البيئي الأكبر المحدِق بالفلسطينيين في الأرض الفلسطينية المحتلة، وهو على قدرٍ من التغلغل لدرجة أن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي يُعده "خطرًا" بيئيًا بحد ذاته، فالقيود المفروضة على حرية حركة الناس والبضائع، وجدار الفصل العنصري، والاستيلاء على الأراضي، والتوسع الاستيطاني، وعنف المستوطنين، وسوء إدارة السلطة الفلسطينية، جميعها عوامل تهدد أمن الفلسطينيين المائي والغذائي، وبالتالي تزيد قابليتهم للتأثر بتغير المناخ. وبالرغم من تطوير الفلسطينيين لأدوات وأساليبَ قصيرة الأجل للتعامل مع هذه السيطرة الإسرائيلية المتفشية، الا ان تلك الأساليب غالباً ما تكون على حساب الاستدامة بعيدة الأمد وعلى حساب الصحة العامة التي باتت تواجه خطرًا كبيرًا.

لقد أفضت سياسات وممارسات الاحتلال الإسرائيلي الى إضعاف قدرة الفلسطينيين على الصمود، وجاهزيتهم أمام تهديد التغير المناخي، في الوقت الذي تتمتع فيه إسرائيل بقدرة جيدة على التكيف مع آثار التغير المناخي بشكل يجعلها أقل عرضةً للتأثر والتضرر. يُعزى بعض الفضل في جاهزية إسرائيل لمواجهة التغييرات المناخية إلى القرار الذي أصدرته الحكومة الاسرائيلية في العام 2009 والذي دعت خلاله الى وضع خطة تكيف وطنية. وقد أسفرت تلك العملية عن إنشاء المركز الإسرائيلي المتخصص لمعلومات تغير المناخ الذي يعمل على جمع المعرفة العلمية والسياسات لرفد التخطيط الوطني وإدماج استراتيجيات التكيف في المخططات الرئيسية وخطط العمل في مجالات مثل المياه، والطاقة، والتنوع البيولوجي، والزراعة، والصحة العامة، والبناء المُستدام. ولا تقتصر سياسات إسرائيل المناخية على التكيف فقط مع تلك المتغيرات، فقد أعلنت إسرائيل قُبيل انعقاد مؤتمر باريس للتغير المناخي في 2015 هدفًا لخفض الانبعاثات بحلول 2030 مثل خفض استهلاك الكهرباء بنسبة 17% وتوليد 17% من كمية الكهرباء المستهلكة من مصادر طاقة متجددة، وخفض 20% من الانبعاثات الناجمة عن وسائل النقل. وفي 2016، أقرَّت الحكومة الإسرائيلية خطةً وطنية لتقليل انبعاث غازات الدفيئة وزيادة كفاءة استخدامات الطاقة.

وينظر المجتمع الدولي إلى إسرائيل كدولة متقدمة تكنولوجيًا ورائدة في الإدارة الخضراء، غير أن هذه السمعة الحسنة تُنافي السياسات المضرة بيئيًا المفروضة على السكان الفلسطينيين الخاضعين للاحتلال، وتُناقِض استمرار إسرائيل في نهب الموارد.

وفي حين تغيب الولايةً السيادية للسلطة الفلسطينية على مواردها الطبيعية وعلى مساحات شاسعة من أراضيها، إلا أنها مطالبةٌ امام العالم والمنظمات الدولية والإقليمية المعنية بالمناخ بالتصدي للتغير المناخي. وجعل غياب الولاية السيادية على الأرض الفلسطينية بفعل الاحتلال جهود السلطة الفلسطينية المبذولة للتكيف مع تغير المناخ غير مؤثرة وذات نتائج عكسية، فالسلطة الفلسطينية تفتقر على الصعيد الداخلي إلى التجهيز اللازم لدعم التكيف مع تغير المناخ على المدى البعيد، وهو التحدي الذي يتطلب دعمًا سياسيًا وتعاونًا بين الوزارات، وموارد ماليةً تفوق المتاح في الوقت الحالي بكثير في ظل الازمة المالية التي تواجه السلطة الفلسطينية. كما تبرز مشاكل أخرى في الإدارة والحكم تعوق التخطيط للتكيف مع التغير المناخي، كمحدودية قدرات الأجهزة الوطنية وضعف السلطات المحلية. بالإضافة الى ذلك، يساهم الانقسام السياسي الفلسطيني في مفاقمة حالةَ الجمود والضعفَ الإداري. وما يفاقم الامر أكثر هو أن الكثير من الدول والمانحين ووكالات الأمم المتحدة تمتنع عن التواصل مع حكومة حماس في غزة أو تتواصل معها على نطاق محدود. ومن ثم تلجأ في العادة إلى تنفيذ المشروعات بالاستعانة بموظفي السلطة الفلسطينية في قطاع غزة والمنظمات غير الحكومية، ما يعوق القدرة على تنفيذ برامج التكيف، كما تواجه تلك البرامج تحديات كبرى تكتنف عملية جمع البيانات، ولاسيما في قطاع غزة حيث تواجه العملية صعوبةً بالغة في تأمين الوصول لإجراء العمل الإحصائي والمتخصص.

يؤثر التغير المناخي في أغلب قطاعات الاقتصاد في الأرض الفلسطينية المحتلة، ولا سيما قطاع المياه حيث من المتوقع ان تصبح موارد المياه العذبة السطحية والجوفية أكثر شحًا خلال السنوات القادمة بسبب تناقص معدلات هطول الأمطار، الأمر الذي سيزيد من صعوبة تعويض المياه الجوفية بسبب النمو السكاني المرتفع تزامنًا مع احتدام التنافس على المياه فيما بين الزراعة الفلسطينية، والمستوطنات الإسرائيلية غير الشرعية، وقطاع الصناعة. وعلاوةً على ذلك فأن ارتفاع درجات الحرارة ومعدلات الترسيب الزائدة قد تهدد جودة مياه الشرب، بالنظر إلى محدودية مرافق المعالجة، بينما سيفضي التغير المناخي الى احتمالات في زيادة هطول الأمطار بغزارة ولفترات قصيرة مقارنة بالموسم المطير الممتد مما سيؤدي الى سيول وفيضانات مفاجئة غير متوقعة تهدد البنية التحتية القائمة في الأرض الفلسطينية المحتلة ونُظم الصرف الصحي.

تفتقر الضفة الغربية بدورها لمرافق معالجة مياه الصرف الصحي، ولا تُستَخدم المياه المعالجة في الزراعة إلا ما ندر. بالإضافة الى ذلك، تحول إسرائيل دون دخول ما يكفي من المياه النظيفة إلى قطاع غزة، وتعمل كذلك على عرقلة أي محاولة لبناء أو صيانة البنية التحية المائية مثل الخزانات، من خلال فرض القيود على الواردات من مواد البناء الأساسية. ونتائج ذلك مهلكة، حيث باتت 90-95% من المياه في غزة ملوثةً وغيرَ صالحة للشرب أو الري. كما تتسبب المياه الملوثة بأكثر من 26% من الأمراض المبلغ عنها في غزة، وتعد سببًا رئيسيًا لوفيات الأطفال حيث إنها مسؤولة عما يزيد على 12% من وفيات الأطفال.

غالبًا ما يروَّج المانحين الدوليين لتحلية مياه البحر كتقنية جذابة للتصدي لنضوب مصادر المياه الجوفية كسبيل لتحسِّين جودة المياه المتاحة وزيادة كميتها وتوسيع نطاق إعادة تدوير المياه العادمة. غير أن تحلية مياه البحر في الحالة الفلسطينية تستهلك الكثير من الطاقة، وتخلِّف انبعاثات كثيفة، وتكلف كثيرًا، ومن غير المرجح أن يتمكن الفلسطينيون من تحمل تكاليفها. وبالإضافة إلى ذلك، يُحظَر على الفلسطينيين في غزة استيرادُ مواد البناء لمحطات التحلية بسبب قائمة المواد المحظورة ذات الاستخدام المزدوج، بينما تصطدم السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية بعقبة الموافقة على المشروعات من جانب لجنة المياه المشتركة الفلسطينية-الإسرائيلية فضلًا على القيود التي تفرضها اتفاقات أوسلو على حفر الآبار.

يجب التعامل مع التغير المناخي في الأرض الفلسطينية المحتلة كأولوية عليا، وهذا يقتضي في الممارسة العملية استحداثَ مجموعة من التدابير المؤقتة في البنية التحتية المائية وقطاع الزراعة بحيث تعكس الواقع السياسي والتقني في الأرض الفلسطينية المحتلة. ثمة خطوات ملموسة باستطاعة المجتمع الدولي والسلطة الفلسطينية والمنظمات الشريكة اتخاذها لمواجهة آثار التغير المناخي منها، إعادة تخصيص المياه من خلال إعفاء السلطة الفلسطينية من قيود بند المياه الوارد في اتفاقات أوسلو، ومنح الفلسطينيين إمكانية الوصول الكامل وغير المنقوص إلى مياههم الجوفية ونهر الأردن. وتحقيقًا لهذه الغاية، يتعين على المجتمع الدولي أن يكبح العدوان الإسرائيلي تجاه الموارد الطبيعية الفلسطينية. فمِن دون الضغط السياسي الخارجي لن تُضطر إسرائيل إلى تغير سياساتها. ومن واجب المجتمع المدني كذلك أن يفضح السياسة البيئية الإسرائيلية ذات الوجهين التي تدعو للإصلاح البيئي وتوظيف التقنيات الجديدة، بينما تسرق من الفلسطينيين مواردهم المائية والطبيعية وتحرمهم منها. بالإضافة الى ذلك، ينبغي الضغط على إسرائيل لمشاركة أساليبها المتقدمة في القدرة على التكيف وتقنياتها المتقدمة، مثل الممارسات المثلى في تحلية مياه البحر، مع أصحاب المصلحة الفلسطينيين كتعويض لهم عن سرقتها الأراضي والموارد الفلسطينية. ووضع التدابير اللازمة للتأكد من أن نقل التكنولوجيا لا يؤدي إلى ترسيخ تبعية الفلسطينيين، أو إلى استخدامه في تقويض الحقوق الفلسطينية في الأرض والمياه.

قد توفر هذه الخطوات في المرحلة الحالية حلولًا قصيرة إلى متوسطة الأجل، ولكنها تظل غير مجدية ما لم ترافقها جهودٌ محلية ودولية حثيثة لوضع نهاية للاحتلال. فالتغير المناخي وتأثيراته السلبية على الأرض الفلسطينية يجب ان لا ينظر اليه كظاهرةً مفصولةً عن السياسة القائمة، وإنما كظاهرة تفاقمت بسبب وضعهم كشعب تحت الاحتلال.

..........................................................................................

* زينة الأغا: محللة سياساتية في "شبكة السياسات الفلسطينية: الشبكة".

صــــــــــورة