شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاثنين 24 فبراير 2020م22:46 بتوقيت القدس

عن تصفية الفريق سليماني والرد الإيراني

10 يناير 2020 - 12:59

شبكة نوى، فلسطينيات: لم يكن للضربة الموجعة التي وجهها ترامب لإيران بتصفية الفريق قاسم سليماني أي سبب غير رغبته في أن يبدو رئيساً حازماً على استعداد لاتخاذ قرارات لم يجرؤ عليها أسلافه وهي مقامرة، في تقديره إن لم تستدعِ ردود فعل من إيران وحلفائها، ستمهد له الطريق للفوز بالرئاسة الأميركية في ولاية ثانية.
ترامب أراد أن يقدم نفسه للشعب الأميركي على انه الرئيس الحازم، الحاسم، القادر على اتخاذ قرارات رفض أن يتخذها أسلافه لأن نتائجها قد تكون كارثة على السلم والاستقرار العالمي.
لم يكن رؤساء أميركا ممن سبقوا ترامب عاجزين عن إصدار القرارات بتصفية خصومهم السياسيين، لكن تشريع ذلك فيه أولاً استهتار بالقانون الدولي، وفيه ثانياً استدعاء لردود فعل قد تجر أميركا الى حروب يقتل فيها بالتأكيد عشرات الآلاف من خصومهم ومن الأميركيين أنفسهم.
يقال إن قراراً بحجم تصفية الفريق سليماني لم يتخذ أبداً من قبل أي إدارة أميركية سابقة منذ إسقاط طائرة الأدميرال الياباني اسوروكو ياماماتو العام 1943 الذي أمر بضرب بيرل هاربر قبل ذلك بعامين، ما دفع بالولايات المتحدة لدخول الحرب الى جانب الحلفاء.
لا أحد عاقلاً يرغب في تشريع قتل قادة لدول ومؤسسات دول، لأن ذلك يفتح الطريق لعمليات تصفية، ولا يصبح معنى لأي حصانة دبلوماسية. قتل سليماني الذي كان في زيارة عمل علنية للعراق، يفتح الطريق لاصطياد وزراء خارجية او قادة جيوش ورؤساء أركان أثناء قيامهم بتأدية مهامهم في دول اخرى من قبل خصومهم. لذلك لا يجيز القانون الدولي هذه الأعمال، ومن يقوم بها بلا شك أحمق ولا يكترث لا بالقانون الدولي ولا بنتائج أعماله.
لكن ثقة ترامب المفرطة في أن إيران وحلفاءها لن يجرؤوا على الرد على مقتل سليماني دفعه للقيام بهذه المغامرة. تذكروا بأن ترامب عندما أهدى القدس لإسرائيل معترفاً بها كعاصمة لها، قال إن الكثير من السياسيين قد حذروه من أن الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل سيشعل الشرق الأوسط، لكن وبعد أسبوعين من قيامه بذلك، بقي الشرق الأوسط هادئاً كما كان ولم يتغير فيه شيء. هكذا قال متفاخراً!
على هذه الملاحظة بنى ترامب توقعاته بأن شيئاً لن يتغير بعد مقتل سليماني، وأن الجميع، إيران وحلفاءها هنا، سيبلعون الضربة وإن كان على مضض ولن يقوموا بالرد. ولو حصل ذلك، كما يأمل ترامب، فإنه سيفاخر بأنه أقدم على فعل لم يجرؤ عليه أحد من قبله، وأن ذلك قد زاد من قوة الردع الأميركية، وهذا سيظهره على أنه بطل قومي على الأميركيين أن يعيدوا انتخابه.
ترامب لم يبلغ حلفاءه في العالم العربي بنيته القيام بما قام به، ولو فعل ربما لطلبوا منه ألا يفعل، لأن الفريق سليماني وفق رئيس وزراء العراق كان قادماً لنقل رد إيران على رسالة وصلتهم من العربية السعودية لتهدئة ولتنقية الأجواء بين البلدين. الوحيد الذي تم إعلامه بالضربة كان نتنياهو، رئيس وزراء إسرائيل.
من المبكر الافتراض بأن ترامب نجا بفعلته، ومن المبكر الافتراض بأنه سيتفاخر بما قام به أثناء النقاشات التلفزيونية التي سيجريها مع خصمه الديمقراطي في انتخابات الرئاسة نهاية هذا العام.
إيران ردت، وردها كان محسوباً بعناية فائقة.
ردت بطريقة حفظت لها ماء وجهها عندما قامت بقصف قاعدة عين الأسد الأميركية في العراق. من يجرؤ على مهاجمة قاعدة عسكرية لأميركا علناً ويعلن عن ذلك ويتبنى الهجوم؟! هذه مغامرة كبيرة لا تجرؤ عليها إلا دول عظمى. دول لا تخشى الصدام مع أميركا وعلى استعداد للذهاب أبعد مما قامت به.
لكن الرد الإيراني، جاء أيضاً مضبوط بحسابات إعطاء ترامب فرصة عدم الرد على الرد. وذلك كان ممكناً فقط بتجنب إيقاع خسائر بشرية في صفوف الأميركيين. ولو وقعت خسائر، نقول ربما ولا نجزم بالطبع، لكان على أميركا ترامب أن ترد، وهو ما يستدعي رداً مقابلاً من قبل إيران، وبالتالي الانزلاق باتجاه الحرب المفتوحة التي لا تريدها إيران ولا تريدها أميركا ولا تريدها دول الشرق الأوسط ولا يريدها العالم أجمع باستثناء إسرائيل بالطبع.
ترامب الذي اضطر لبلع الاهانة بقبول قيام إيران بقصف قواعد أميركية دون أن يرد، والذي فرح كثيراً ربما لأن القصف الايراني لم يلحق خسائر بشرية تفرض عليه الرد، عليه أن ينتظر قليلاً لأن الرد الفعلي على الأغلب لن يأتيه من إيران، ولكن من حلفائها في لبنان والعراق وسورية واليمن وأفغانستان.
الذي استمع لخطاب السيد حسن نصر الله يدرك بأن هنالك قراراً قد تم تنسيقه مع إيران بأن القواعد العسكرية الأميركية على الأقل في العراق وسورية سيتم استهدافها الى أن يغادر الجنود الأميركيون البلدين.
نصر الله بالتحديد ركز على فكرة أن حادثة مقتل الفريق سليماني هدفها إنجاح ترامب في الانتخابات، ولأنها كذلك فإن الرد يجب أن يكون بإسقاطه في الانتخابات، وهذا لا يتم بدون إشعار الأميركيين بأن رئيسهم قد ورطهم في حروب جديدة في الشرق الأوسط. بمعنى آخر، بدون استهداف الجيش الأميركي في المنطقة وبتحويل ذلك الى عناوين تتصدر الإعلام الأميركي.
الرد، إذا ما صدق نصر الله إذاً، لم يبدأ بعد. إيران ترد أولاً لحفظ ماء وجهها ومن أجل إرسال رسالة واضحة بأنها قادرة على إلحاق أذى كبير بالأميركيين إذا ما أرادت، ومن ثم يأتي رد حلفاء إيران بالعمل على استهداف الوجود الأميركي في العراق وسورية تحديداً.
بهذا المعنى الرد لم ينته بعد القصف الإيراني للقاعدة الأميركية في العراق، لأن هذا هو الجزء العاجل من الرد والخاص بشكل مباشر بإيران، لكن الرد الاستراتيجي الذي سيلحق الأذى الفعلي بالأميركيين هو في بداياته فقط.

صــــــــــورة