شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الثلاثاء 18 فبراير 2020م20:18 بتوقيت القدس

اعتقالات وحجب وتسريح موظفين/ات

المشهد الإعلامي لعام 2019م.. "حرية الرأي" جريمة!

28 ديسمبر 2019 - 15:15

غزة:

في تقريرها السنوي حول حرية الصحافة في العالم، أعطت منظمة "مراسلون بلا حدود" دولة فلسطين للعام 2019م، الترتيب (137) من أصل (180) دولة، بعد أن كانت في المركز الـ (134) عام 2018م.

هذا التراجع في مستوى الحريات الإعلامية داخل الأراضي الفلسطينية، قادَ الراصدين من الإعلاميين والحقوقيين داخل وخارج فلسطين، إلى وصف الحالة الإعلامية للعام 2019م، بالأشد قمعًا على مستوى الحقل الإعلامي الفلسطيني والعاملين فيه.

أكثرُ من 600 انتهاك بحق الصحفيين والمؤسسات الإعلامية، وفق ما أكدته نقابة الصحفيين، ومركز "مدى" للحريات الإعلامية في مدينة رام الله، كان أخطرها إطلاق جنود الاحتلال للرصاص الحي باتجاه الصحفيين والصحفيات، خلال تغطية مسيرات العودة في قطاع غزة، واعتداءات الاحتلال في الضفة، ما أدى إلى إصابة أكثر من 60 منهم بإصابات معظمها بالغة الخطورة.

اعتداءات الاحتلال كلها بحق الصحفيين الفلسطينيين حدثت أثناء ممارسة عملهم في تغطية جرائم جنوده بحق المواطنين الفلسطينيين، بغية طمس الحقيقة ومحاولة تغييب الرواية الفلسطينية.

وشهدت الأشهر آذار/ مارس، وآيار/ مايو، وتشرين أول/ أكتوبر، وتشرين ثاني/ نوفمبر من العام 2019م، تصاعدًا في عدد الانتهاكات حتى وصلت أقصاها في نوفمبر، لتبلغ 54 انتهاكًا بحسب التقرير الشهري لمركز "مدى" للحريات الإعلامية، كان أبرزها اعتقال عدد من الصحفيين وآخرهم "بشرى الطويل" التي تمّ تحويلها للاعتقال الإداري، وطالبة الإعلام في جامعة بيرزيت المقدسية ميس أبو غوش التي تعرضت لتعذيب وحشي على أيدي جنود الاحتلال خلال التحقيق معها، ولا يزال يحتجز نحو 20 إعلاميًا داخل سجونه.

أما أشد انتهاكات الاحتلال خطورةً فكانت استهداف المصور الصحفي معاذ العمارنة بتاريخ 15/ نوفمبر، أثناء تغطيته اعتداءات الجنود على المواطنين في مدينة الخليل، برصاصةٍ أدت إلى فقدان عينه اليسرى، بالإضافة إلى اعتدائهم على طاقم تلفزيون فلسطين أثناء تغطيته الأحداث في مدينة القدس المحتلة، وإغلاق مكتبه، ومنعه من العمل مدة ستة أشهر بقرار من ما يسمى "وزير الأمن الداخلي الإسرائيلي".

المحتوى الفلسطيني

وحتى وقتٍ قريب، كان الصحفيون الفلسطينيون يجدون في مواقع التواصل الاجتماعي ملاذًا آمنًا للتعبير عن توجهاتهم وتناول القضايا التي تهم العامة، بعيدًا عن مقص الرقيب الإسرائيلي أو الأجهزة الأمنية الفلسطينية في كل من غزة والضفة الغربية، إلا أنه خلال عام 2019م، صودرت تلك الحرية.

لقد أضحى كل من يعبر عن رأيه عبر صفحاتها أو ينتقد أي تعاملٍ حكوميٍ حتى ولو ظهر الظلم فيه جليًا، مهدّدًا بالاعتقال، إما بدعوى "سوء استخدام التكنلوجيا" كما هو الحال في غزة، أو "المساس بالأمن القومي" كما حدث في الضفة الغربية.

وحتى إدارة بعض تلك المواقع -تحديدًا "فيسبوك"- التي تملك معظم المؤسسات الإعلامية الفلسطينية حسابات خاصة عليه لنشر محتواها، عكفت خلال الأشهر الأخيرة من العام المذكور على إغلاق العديد من تلك الصفحات بدعوى "نشر محتوى يحض على الكراهية".

وكان تقرير لـ"مدى"أكّد وقوع 294 انتهاكًا خلال الأشهر العشر الأولى من عام 2019م، استهدفت صحفيين وصحفيات ووسائل إعلام، على خلفية محتوى صفحاتهم وكتاباتهم عبر موقع "فيسبوك".

من تلك الانتهاكات 123 انتهاكًا ارتكبتها جهات فلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة، و13 انتهاكًا ارتكبتها سلطات الاحتلال مباشرة، وشملت اعتقال مراسل تلفزيون فلسطين الصحفي علي دار علي، ومسؤول الإعلام في دائرة الأوقاف الإسلامية في القدس فراس الدبس، والكاتبة لمى خاطر، وأستاذة الإعلام في جامعة بيرزيت د.وداد البرغوثي والصحافية ميس ابو غوش من جامعة بيرزيت .

وبينما نفذت شركة "فيسبوك" 157 انتهاكًا بحق حسابات الصحفيين والصحفيات الفلسطينيات، كان انتهاكٌ واحد من حصة موقع "تويتر" بنفس الحجة "نشر المحتوى التحريضي، وبث الكراهية"، في حين أن كلا الموقعين أغلقا عيونهما عن ما تعج به الصفحات الاسرائيلية من خطاب عنصري وتحريض على العنف والكراهية ضد الفلسطينيين.

وفي شهر تشرين ثاني/ نوفمبر حظَرَت إدارة تطبيق واتساب التابع لشركة فيسبوك حسابات ما لا يقل عن 23 صحفيًا وصحفية في الضفة الغربية وقطاع غزة، بتهمة "مخالفة المعايير العامة لاستخدام التطبيق".

انتهاكات فلسطينية

وعلى المستوى الداخلي الفلسطيني، يبدو المشهدُ أكثر قتامةً في ظل استمرار الانقسام الذي تجاوز عمره 12 عامًا، تخللتها –حتى هذه اللحظة- المناكفات الحزبية التي تتجلى على شكل اعتقالات وملاحقات للصحفيين من قبل الأجهزة الأمنية في الضفة والقطاع.

وصلت تلك الانتهاكات أقصاها خلال شهر آذار/ مارس، حيث بلغ عددها 80 اعتداءً، حيث اعتقلت الأجهزة الأمنية في غزة 25 صحفيًا، وتعرض 12 آخرين للتعذيب بتهمة "تغطية تظاهرات شعبية حملت عنوان (بدنا نعيش) نُظِّمَت احتجاجًا على الأوضاع المعيشية الصعبة".

ولا يزال بعض العاملين في حقل الصحافة، ضمن قائمة الممنوعين من السفر بسبب حصار غزة، بل إن بعضهم يواجه الكثير من المصاعب على معبر رفح عند محاولة السفر، وكذلك على المعابر الإسرائيلية، والبعض الآخر ترفض السلطة الفلسطينية منذ أعوامٍ عدة، منحه جواز سفر دون أسباب، ومنهم الصحفي علاء شمالي الذي يعمل في صحيفة فلسطين اليومية المحلية.

وكان أسوأ الانتهاكات على الإطلاق –إذا أردنا الحديث عن انتهاكاتٍ فلسطينية داخلية- هو إصدار محكمة الصلح برام الله في السابع عشر من تشرين أول/ أكتوبر، قرارًا يقضي بإغلاق ما مجموعه 49 منصة إعلامية إلكترونية، منها 24 صفحة على "فيسبوك"، و25 موقعًا إخباريًا وإعلاميًا -وفق تقرير مدى- استجابةً لطلبٍ من النائب العام تحت دعوى "تهديد الأمن القومي والسلم الأهلي" بالاستناد إلى قانون الجرائم الإلكترونية.

إغلاق المؤسسات الإعلامية

وخلال العام 2019م، عصفت الأزمات المالية بحال العديد من المؤسسات الإعلامية الفلسطينية، مما أدى إلى إغلاق عددٍ منها في قطاع غزة، منها مكتب وكالة معًا المستقلة، وإذاعة الأقصى مباشر، كما تم إيقاف البث المباشر لفضائية الأقصى التابعة لحركة المقاومة الإسلامية "حماس"، وموقع الساعة الثامنة، وفضائية القدس، ولا يزال موظفوا تلك المؤسسات دون عمل حتى اللحظة ولم يحصل أحد منهم على مستحقاتهم المالية.

أضف إلى من سبق، موظفوا إذاعة الإرادة، الذين أوقفت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين "الأنروا" عقود عملهم بسبب أزمتها المالية.

عددٌ آخر من الصحف المحلية قلّصت عدد موظفيها، بينما يحصل الباقون على رأس العمل على 40% من راتبه، فيما لجأت بعض المؤسسات إلى تسريح عددٍ من موظفيها كالمركز الفلسطيني للإعلام، وأوقفت صحيفة الرسالة التابعة لـ"حماس" نسختها الورقية بعد 20 عامًا على الصدور، مكتفيةً بالنسخة الإلكترونية.

وطالت ارتدادات الأزمة المالية للسلطة الفلسطينية العاملين في المؤسسات الإعلامية الرسمية حيث عانى الموظفون من تقليص رواتبهم بنسبة تتراوح بين 30-50%، على غرار الموظفين الحكوميين الآخرين.

التمثيل وصنع القرار

واقع الإعلاميات لم يكن بعيدًا عن نيران الانتهاكات تلك، فخلال العام 2019م تعرضت الصحفيات إلى اعتداءات متنوعة من الاحتلال خلال عملهن في تغطية الأحداث في الضفة، منها مصادرة جنود الاحتلال كاميرا الصحفية صفية قوار من راديو بلدنا، كما منعت الصحفية في قناة "تي. آر. تي التركية مجدولين حسونة من السفر عبر معبر الكرامة إلى الأردن.

وأصيبت عدة صحفيات منهن مصورة وكالة APA آيات عرقاوي، ومصوّرة الموقع الإلكتروني لراديو بلدنا صفية عمر والصحفية هديل الشريف، كما اعتدت شرطة الاحتلال على الصحفية المقدسية نوال حجازي، واستدعت مراسلة وكالة معا ميساء أبو غزالة ومراسلة الجزيرة مباشر سندس عويس إلى التحقيق في مركز شرطة القشلة في مدينة القدس.

وفي قطاع غزة أصيبت عدة صحفيات أتناء تغطيتهن مسيرات العودة شرق قطاع غزة، من بينهن مصوّرة مركز الإعلام في الهلال الأحمر الفلسطيني إخلاص القريناوي برصاصة حية في القدم، والمصوّرة في موقع "أمد" للإعلام صافيناز اللوح برصاصة مطاطية في أعلى الظهر. ومراسلة صحيفة الرسالة أمل حبيب، والصحفية فاطمة حسونة ومراسلة قناة العالم الإيرانية إسراء البحيصي، والصحفية الحرة دالية الخولي بالاختناق.

ولا تزال خريجات الإعلام العاطلات عن العمل يشكلن النسبة الأكبر، بين خريجات التخصصات الجامعية الأخرى، إذ بلغت نسبتهن وفق الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني بنسبة 71.7% مقابل نسبة 31.3 % للخريجين الذكور.

أما الفجوة بين عضوية وتمثيل الصحفيات في نقابة الصحفيين الفلسطينيين فتتسع تبعًا لتقرير المرأة والرجل الصادر عن الجهاز المركزي للإحصاء عام (2018م)، إذ بلغت نسبة الصحفيات المسجلات في النقابة 29.3%، فيما تشكل رئيسات التحرير في المؤسسات الإعلامية المختلفة نسبة 33.3% من مجموع رؤساء التحرير في الضفة الغربية.

ولم يأتِ التقرير على ذكر قطاع غزة، الذي تُعدُّ فيه نسبة النساء في تلك المواقع محدودة جدًا، ناهيك عن التمييز الذي يطال الصحفيات في الحصول على فرص عمل وتدريب وسفر متساوية.

ما يفسّر انتهاكات "إسرائيل" بحق الإعلام الفلسطيني هو "صراع الثوابت" الذي يدور بينها ككيانٍ محتل، وبين الفلسطينيين كأصحاب أرض منذ عام النكبة 1948م، لكن الشيء الوحيد الذي يمكن أن يفسّر ارتفاع حالات الاعتداءات "الفلسطينية" على الصحافة الفلسطينية والعاملين فيها خلال العام 2019م هو "انقسام الجسم الصحفي على ذاته" عندما لا تتعدى ردود أفعال القائمين عليه باختلاف توجهاتهم ومناصبهم، أمام كل تلك الانتهاكات، بيانات الإدانة وبعض الفعاليات والوقفات الخجولة.

بالمجمل، يمكن تلخيص الواقع الإعلامي الذي شهدته فلسطين

بعض المؤسسات الإعلامية الفلسطينية المحسوبة على أحزاب بعينها، تفضل الصمت أمام ما قد يتعرض له صحفيون –يتبعون لأحزابٍ أخرى- من انتهاكات داخلية، قد تصل إلى حد الحبس والتعذيب. مناكفاتٌ مرعبة تحدث داخل الأطر الصحفية "حول انتخابات نقابة الصحفيين" التي كان من المقرر إجراؤها في 29 نوفمبر 2019م، وتم تأجيلها دون الإعلان عن ذلك، أو موافقة الأطر الصحفية أو إبداء الأسباب، رغم المطالبات المحلية والدولية العديدة بضرورة إجرائها وتوحيد الكل الصحفي من أجل التصدي لاعتداءات الاحتلال وانتهاكات الحريات الإعلامية في فلسطين.

أمام هذا الواقع قد يبدو التفاؤل بالأفضل على صعيد الحريات الإعلامية داخل فلسطين، ضربًا من الخيال عام 2020م، إلا إذا حدثت معجزة.

صــــــــــورة
كاريكاتـــــير