شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الجمعة 03 ابريل 2020م14:57 بتوقيت القدس

وفق مسح 2019

هل تراجع العنف ضد النساء حقًا؟

26 ديسمبر 2019 - 13:44

غزة:

"انخفاض في وتيرة انتشار العنف الذي تتعرض له النساء في المجتمع الفلسطيني"، كانت هذه هي السمة الأبرز التي خلص إليها تقرير مسح العنف الصادر عن الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني ووزارة شؤون المرأة مؤخرًا وفق مسح عام 2019 مقارنة بالمسح السابق عام 2011

59% نسبة النساء الفلسطينيات المتزوجات أو سبق لهن الزواج اللواتي يتعرضن للعنف حسب مسح عام 2011، أما وفق المسح الحالي فهي 52%، لكن هل حقًا انخفض العنف ضد النساء الفلسطينيات أم ما تفسير هذه النتيجة؟

قبل الإجابة على هذا التساؤل ينبغي توضيح المنهجية التي عمل وفقها الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، إذ اعتمد عينة حجمها 3632 أسرة في قطاع غزة، و 7913 من الضفة الغربية، فهل هذه العينة ممثِلة بشكل حقيقي لمجتمع الدراسة البالغ 2,445,718 امرأة فلسطينية وفق إحصائية للجهاز المركزي نفسه عام 2019، وهل ضمنت الاستمارة إجابة النساء بشكل حر في مجتمع ليس من السهل فيه الإقرار بوجود عنف إذا تواجد أحد أفراد العائلة.

مدير دائرة إحصاءات النوع الاجتماعي في الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني أ.أشرف حمدان يرى أن العينة كانت ممثِلة لمجتمع الدراسة، وأن دائرة خاصة بالجهاز قامت باحتساب العينات والتقديرات المطلوبة لحجم العينة بحيث تكون ممثِلة للمجتمع الفلسطيني ولكل فئة من النساء بناء على عدد السكان، ويضيف إن زيادة حجم العينة يتطلب المزيد من التكاليف المالية، بالتالي عند تصميم العينة يؤخذ بالاعتبار أن تمثل المرأة في المنطقة والتجمع وعلى مستوى المحافظات.

في المسح أفادت 60% من المبحوثات بتعرضهن أو أحد أفراد أسرهن للعنف من قبل الاحتلال الإسرائيلي، (53% بالضفة الغربية-70% في قطاع غزة)، رغم أن الفترة ما بين الأعوام 2011 و 2019 شهدت زيادة في الاستيطان والحواجز بالضفة الغربية وانتفاضة السكاكين وقتل نساء على الحواجز، إضافة إلى عدوانين على قطاع غزة (2012-2014) واستشهاد وإصابة عدد كبير من النساء إضافة إلى الاعتداءات الإسرائيلية المستمرة على قطاع غزة وعلى مسيرات العودة.

هنا يوضح حمدان إن الحديث يدور عن نحو 28 شكلًا من العنف تم تحديدها بالاستمارة بينها الإصابات والاعتقالات والاجتياحات والشعور بالخوف أو تعرض أحد أفراد عائلتها للعنف بشكل مباشرة.

وفي تفسيره لظهور نسبة العنف ضد الرجال أعلى في أماكن العمل يفسر حمدان بأننا في مجتمع ذكوري وهذه الخصوصية يمكن أن تمنع النساء من الإفصاح، وأيضًا ظهر ما يتعلق بالتحرش الجنسي في عدد من الأسئلة والبعض يتحسس بالتالي المبحوثة لا ترغب بالإفصاح أثناء المقابلة ووجودها في البيت، فهذا قد يترتب عليه مشاكل أخرى.

ويضيف إن المسح يتحدث عن 41 شكلًا من العنف تم تطويرها عن مسح عام 2011 والذي شمل 31 نوعًا، بإضافة أشكال أخرى تخص المجتمع الفلسطيني، موضحًا إن المسح كان يتحدث عن عام 2019 ، وهذا يعني ما تعرّضت له النساء خلال هذا العام.

أما ساما عويضة مديرة مركز الدراسات النسوية في فلسطين، فرأت أن المسح مهم جدًا وهو الأول من نوعه في فلسطين الذي يركز على العنف المبني على النوع الاجتماعي، وهو يقدم مؤشرات للجهات المسؤولة عن وجود العنف وضرورة اتخاذ إجراءات صحيحة إذا تم استثمار النتائج بشكل جيد.

ولم تعقّب عويضة على المنهجية كونها متّبعة عالميًا، والاستمارة طوّرها خبراء، لكن الفكرة في كون المجتمع بحد ذاته يخشى قول الحقيقة أو يقرّ بوجود عنف، إلا أن هذا لا يجعلنا نقول النتائج غير دقيقة، "بالتأكيد هناك انحرافات لكن ليست مؤثرة".

وعلّقت عويضة على الجزء الخاص بصعوبة الوصول إلى أماكن العمل أنها أصعب على النساء في الضفة الغربية، بأن قطاع غزة صغير من حيث المساحة، ولا يوجد انتقال من منطقة لأخرى مرورًا بأماكن خالية، ثانيًا عدم وجود مستوطنات في قطاع غزة كما في الضفة، وهذا يجعل الحركة داخل القطاع أسهل، أما بالضفة فهناك الحواجز واعتداءات المستوطنين.

ويستوقف عويضة ارتفاع نسبة العنف ضد الرجال في أماكن مقارنة بالنساء كما يبرز المسح، لكنها تتساءل إن كان الرجال أجرأ بأن يتحدثوا عن تعرضهم لعنف، أو أنهم قادرين أكثر على تعريف العنف، بينما هناك عنف لا تعتبره النساء عنفًا بسبب العادات الاجتماعية، إضافة إلى أن طبيعة الرجال بين بعضهم تجعل لغة العنف واردة أكثر في تعاملهم.

وتعزو عويضة ضعف تردد النساء على المؤسسات النسوية وقلة معرفتهن بوجودها، إلى أكثر من سبب، أولها طبيعة أن هذه المؤسسات تتواجد في المدن ووصول النساء إليها يتطلب موافقة الأهل وموارد مالية وهذه معوقات، وثانيًا أن هذه المؤسسات لا تتواجد في كل الأماكن مثل الريف والمناطق المهمشة بالتالي لا تعرفها النساء، وثالثًا الخطاب التحريضي ضد المؤسسات النسوية الذي يمارسه البعض.

الباحثة زينب الغنيمي مديرة مركز الأبحاث والاستشارات القانونية للمرأة حملت رأياً مختلفًا حول المسح، فهي بالمقارنة مع حالات العنف لعام 2011 ترى أن العنف لم ينخفض، كما أن المسح اعتمد التعامل مع النساء المتزوجات وهؤلاء ليسوا كل المجتمع.

وانتقدت الغنيمي حجم العينة التي اعتمدها المسح واعتبرتها غير كافية، فهو اعتمد سيدة من كل الأسرة قد تكون ليست هي المعنفة، كما أن هناك نساء لا يدلين بمعلومات إذا تواجد أي من أفراد الأسرة خاصة ذوات الإعاقة والمطلقات، وهو أمر تعرفه المؤسسات النسوية من خبرتها بأبحاث سابقة، وهذا كان يجب أن يؤخذ بالاعتبار.

ولاحظت الغنيمي بعض التناقض في موضوع نوع العنف الواقع على النساء، فمثلًا تقول النسبة إن 15% من النساء في قطاع غزة واجهن صعوبة في التنقل، مع أن كل قطاع غزة محاصر والنساء لا تستطيع المغادرة إلا إذا تم التنسيق من خلال مؤسسة أو كانت مريضة أو مرافقة لمريض وأحيانًا لا تتمكن.

وانتقدت كذلك إشكالية عدم ربط التحليل بالواقع السياسي الذي نعيشه، وفي المقدمة الاحتلال وما يسببه، فحين نقول أن 60% من النساء المتزوجات تعرضن لأحد أشكال العنف من الاحتلال، الأصل أن تتضح تفاصيل أكثر، وحتى في جزئية العنف في الأماكن العامة لم يتم توضيح نوع العنف هل هو عنف لفظي أم تحرش أم تنمر.

وتعتقد الغنيمي أن ثمة ملاحظة منهجية تطرح تساؤلًا هل تجاوب الرجال مع الأسئلة بشكل أفضل، أما داخل المؤسسات التعليمية، فهي تعتقد أن الطلبة بوجه عام (ذكور وإناث يتعرضوا لعنف ومن الممكن أن تكون الفتيات في مرحلة الثانوية فقط أقل تعرضًا للعنف.

تقول النسبة الحالية إن 29% من النساء تعرضن للعنف، وهنا تنفي الغنيمي تمامًا، أنه سليم، إلا إذا كان هناك خللًا في مفهوم العنف، وربما لم يتمكن فريق البحث الميداني من الشرح بشكل جيد، والسؤال الآخر هل أجابت المبحوثة بوجود طرف آخر، حتى تظهر لدينا مشكلة عدم الإفصاح، هناك عنف لم يؤخذ بالاعتبار مثل انقطاع الكهرباء واضطرار النساء لفترات طويلة من الاعتماد على بابور الكاز بسبب انقطاع المحروقات عن قطاع غزة، وانقلاب جدولها بحيث تستيقظ خلال اوقات الكهرباء حتى لو كان ليلًا وما يخلفه كل هذا من مشاكل عائلية ينعكس على شكل عنف ضدها، وكل هذا لم يؤخذ بالاعتبار.

أما بخصوص الإساءة لكبار السن، فهي تؤكد أن هذا موجود، فهم ليس لديهم دخل ليعيشوا منه، وجزء منهم يعانوا من أمراض، وقد ظهرت في النسبة أن الإهمال الصحي كان الأعلى بالتالي هذا يزيد العنف ضدهم وخاصة النساء.

المسح على أهميته يحمل مؤشرات مهمة ينبغي أن تكون مدخلًا لبرامج المؤسسات النسوية في المرحلة القادمة، على أنه بحاجة إلى مزيد من الدراسات التي تقترب أكثر من واقع النساء وتكون أكثر واقعية في تقديم وتحليل أشكال العنف الذي تعانيه المرأة والبحث في أسبابه وتداعياته.

كاريكاتـــــير