شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم السبت 04 ابريل 2020م18:19 بتوقيت القدس

رانا الرملاوي.. ترسم بـ "الرمل" للحرية والسلام

24 ديسمبر 2019 - 15:18

غزة:

هبّت نسمةُ هواءٍ باردة لفَحت وجه "رانا" فنفضت عن قلبها غبار التعب، بمرونةٍ وحذر بدأت تمرر أصابعها بين حبيبات الرمل على اللوح الزجاج، في محاولةٍ لتشكيل جسم رجلٍ يُقاتل. عادت إلى الخلف بضع خطوات تتأمل تفاصيل اللوحة، وابتسمت بفرحٍ حين أيقنت أن سهر الليالي الأربع الماضية لم يضع هباء.

نفضت الشابّة كفيها وملابسها من حبّات التراب، ثم جلست على طاولةٍ وسط ساحة بيتها الفسيحة ترتشف فنجان القهوة برفقة والديها. سألها والدها: "ماذا سيكون عنوانها؟"، فأجابته دونما تردد "حرية".

لم تكن تلك اللوحة وغيرها من لوحات الرمل الأخرى نتاج فكرةٍ طارئة خطرت في البال مرةً وانتهت، بل هي وأخواتها بنات أيامٍ طوال عاشتها الفتاة تفكر في سؤالٍ واحد :"كيف يمكن أن أقدم فنّي للناس في قطاع غزة؟ وهل سيتقبلونه كونه فنٌ مختلف عن ما ألفوه من رسم الريشة والألوان؟".

بضع دقائق مرّت على الفتاة بعدها، تحاول أن تلتقط للوحتها صورةً قبل أن يزيح الهواء تفاصيلها كالعادة، ووالدتها قربها تعطيها الملاحظات حول أي صورةٍ هي الأفضل للنشر عبر فيسبوك؟ ربّتت أمها على كتفها بعدما انتهت ودعت لها بمزيدٍ من التوفيق بعد أن صار اسمها يتردد في المحافل المختلفة داخل قطاع غزة باسم "رانا فتاة الرمل".

بصعوبةٍ كانت رانا خلال السنوات الماضية تمارس مواهبها الفنية في الرسم باستخدام الصلصال، كونه غالي الثمن، سيما وأنها تعيش في ظلٍ أسرةٍ وضعها الاقتصادي متخلخل كمعظم سكان القطاع، تأثرًا بالحصار الإسرائيلي المفروض عليه منذ قرابة 13 عامًا.

أكوام الرمال الكبيرة التي كانت تتجمع في ساحة منزلها، لم تكن بعيدةً عن خياراتها طوال الوقت، لكنّها رهبة البداية التي لازمتها كثيراً، هي لا تزال تذكر ذلك اليوم الذي أخذت فيه أول حفنةٍ وبدأت تشكّل بها رسوماتٍ مختلفة، بالاستعانة بفيديوهات لفنانين عالميين يرسمون بواسطة الرمل.

بدأت العشرينية أول خطواتها بالرسم على الرمل، بلوحةٍ فنية جسدت من خلالها عروسًا في يوم فرحها، لكنّ ملامحها بدت حزينة، وأرادت من خلالها إيصال رسائل لها علاقة بحقوق الفتاة وطريقة معاملتها في المجتمع.

وانتقلت بعد ذلك لرسم لوحاتٍ أخرى، عالجت بمجملها وقائع من الشارع الفلسطيني، وتلامس حياة ومشاعر أبنائه، فيما كانت تنشر صورها عبر مواقع التواصل الاجتماعي، فتلقى تفاعلاً عالياً من جمهورها الذي تجاوز عدده الآلاف خلال الفترة القصيرة الماضية.

تتنقّل رانا بين لوحاتٍ صارت تزين فناء المنزل على الدوام، تتمتم بصوتِ الرضا بـ "الحمد لله" لما وصلت إليه خلال فترة وجيزة، وتمشي نحو طريقٍ تظن أنّها بدأتها بالشكل الصحيح.

تستطيع رانا اليوم وبكل إتقانٍ أن تشكّل مجسمات كاملة باستخدام الرمل، رجلٌ يضحك، أو فتاة تأكل الآيس كريم، أو عائلة بأكملها تهرب من قصف الطائرات الإسرائيلية. لقد تطور الأمر كثيرًا عن كونه رسمٌ للوحة.

تشعر رانا بالسعادة عندما ترى أعمالها بدأت ترى النور خارجياً، وتتمنى في كلّ لحظةٍ تمرّ عليها، أن تتمكن من السفر لرؤية العالم لأن التطورات الفنية لا تتوقف.

لطالما أخبرت رانا أمها التي لا تفتأ تشجعها عبارتها المعهودة التي تؤمن بها كثيرًا: "بحر الأمنيات لا نهاية له، وأنا في كلّ صباح أخطو فيه خطوةً أكون على يقين بأنني اقتربت من اجتيازه كله".

 

كاريكاتـــــير