شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم السبت 18 يناير 2020م06:14 بتوقيت القدس

نور عشتار وظلام الفكر في جامعة النجاح

11 ديسمبر 2019 - 20:16

في مقاييس الحضارة، تقيم المجتمعات بعدد المسارح والمعارض في مدنها وبكم ونوع الفنانين الذين يضيفون بفنهم بصمة خالدة على شجرة الحياة الإنسانية في هذا العالم. وحتى يكون هذا التقييم ممكنناً وحتى تستطيع المجتمعات والثقافات أن تزدهر، يتوجب عليها خلق مساحات للإبداع والفكر الحر وهذه المساحات تبدأ في المدارس ثم تنمو وتصبح فضاءات لا محدودة في الجامعات وتحديداً في كليات الفنون والأدب وكل ما يتصل بالإبداع الثقافي.

أما في فلسطين، هناك من نصّب نفسه وصياً على الثقافة والفنون وحاكماً وحكماً ومقيداً لفضاءاتها ونورها في حياتنا. اليوم، يزدهر الفن في وطننا بالرغم من المؤتمنين عليه ويسطع نور الحرية والفكر الحر بالرغم عنهم وليس بفضلهم، وهذه مفارقة مؤلمة بالنظر لتاريخنا العريق في الإبداع والفن والتعليم رغم الاستعمار والاقتلاع والملاحقة والاحتلال. في زمن ليس ببعيد، كان الفضاء الفلسطيني الممتد في كل أركان الوجود "المنفي قسراً" عنواناً للإبداع والفن والابتكار. وقبل ذلك، كانت فلسطين منارة للتعليم والفن والإبداع والحداثة رغم أنف الاستعمار البريطاني والعثماني من قبله.

منع الفنانة عشتار المعلم من تأدية عرضها المميز على مسرح جامعة النجاح في الحفل الختامي لحملة الستة عشر يوماً لمناهضة العنف ضد المرأة خير دليل على حلكة الحالة الثقافية التي وصلنا إليها وحجم التحديات المهولة التي يفرضها من نصبوا أنفسهم أوصياء على الفن والثقافة والوطنية والحرية.

بعد أن حاول التدخل في العرض ووقته وممارسة التخريب والتشويش بإطفاء الضوء على عشتار وهي على المسرح وتعريض حياتها للخطر، خرج عميد كلية الفنون على مئات الطلاب والناشطين والشخصيات ومنهم وزيرة المرأة ليبرر فعلته بأعذار أقبح بكثير من ذنبه.

تحدث العميد عن تاريخه في توظيف النساء وكأن توظيفهن منة منه أو أن النساء لم يكن جديرات بتلك المناصب، ثم أتبع هذا الاستعراض بحديث مجتر عن خصوصيات المجتمع والجامعة! دافع العميد عن فعلته بالقول إنه طالب باختصار العرض، معتبراً أن هذا الطلب ليس تدخلاً سافراً ورقابة مرفوضة على عمل فني جميل سبق وأن عُرض على مسارح في فلسطين! ثم أكمل العميد استعراضه للظلام الفكري الذي دفع به وبجامعته لهذا الموقف المشين بإقحام الوطنية في النقاش، وكأن الفن ومناهضة العنف ضد المرأة يتناقض مع الوطنية واختتم خطبته العصماء بالقول: "بتقدري تصيحي كيف بدك!  والي مش عاجبه، البوابة مفتوحة بيقدر يروح عالبيت!"

كل هذا العنف والتعنيف حصل على مرأى ومسمع من وزيرة المرأة وممثلين عن مؤسسات نسوية ولم يكن لهم أي اعتراض أو تدخل لوقف هذه المهزلة. لكن الطلاب من كافة جامعات الوطن احتجوا بأعلى صوتهم وأبقوا على قليل من الأمل أن قوى التنوير والفكر الحر لا زالت حية وتقاوم الظلام. لكن صمت المؤسسات الرسمية والمعنية بحقوق المرأة وبالتعليم والثقافة يدعو للإحباط والغضب الشديدين ويعكس إحجاماً مخيفاً عن المسؤولية وهو أمر غير مقبول وغير معقول!

أمام ما حدث، كان لزاماً على من حضر من المسؤولين أن يغادر احتجاجاً وانتصاراً لعشتار والفن والفكر الحر وكان لزاماً على من قدم عرضاً بعد عرض عشتار الذي تم بتره علانية ألا يقبل الصعود على المسرح. كان يفترض أن يكون هناك موقف واضح وغير ملتبس من هذا الاعتداء لكنه لم يحصل وبكل أسف. لكن مئات الناس انتصروا لعشتار ولحقها في الإبداع ولحقنا كمجتمع بأن ننعم بما تقدمه ويقدمه غيرها من الفنانين والمبدعين.

الأمر لا يتعلق بمدى رقي العرض المسرحي الذي قدمته عشتار بكل حرفية ومهنية وجمال بل بالمبدأ الأساسي الذي لا يقبل بتجزئة الحريات ويرفض الوصاية. ليس المطلوب أن يعجبنا هذا العرض أو ذاك، وليس بالضرورة أن نتفق مع ما تطرحه هذه الفنانة أو تلك الرسامة. لكن واجبنا جميعاً هو أن ندافع عن حقهم في الإبداع وحقنا في هذا الفضاء. من واجبنا أن ندافع على شعورنا بالأمل بأن في حياتنا ما هو جميل وحر ومبدع رغم أنف القهر والاحتلال والرجعية، لأن هذه المساحة الحرة هي مساحة فلسطين في الإرث الإنساني والحضاري والتهجم أو الوصاية عليها هو تهجم على تاريخنا وحاضرنا ومستقبلنا.

وبعد كل هذا وفي خضم الاحتجاج الشعبي العارم والمشرف، يحق لنا أن نسأل: ما هي المعايير التي تستخدمها وزارة التعليم العالي لترخيص الجامعات وكلياتها المختلفة؟ وما هي المعايير التي تستخدم لتوزيع المساعدات الحكومية التي تأتي من دافعي الضرائب الفلسطينيين على الجامعات؟ وكيف لجامعة لها إرث متراكم من القمع والوصاية الفكرية والرقابة أن تنال من مال الشعب الفلسطيني لترسيخ نهجها غير المقبول؟ وكيف لكلية الفنون فيها أن تخرّج أجيالاً من الفنانين إذا كان هذا الفكر الرجعي هو من يقودها؟!

لم ينل الاستعمار منا ولم تجهز على روحنا آلة الاقتلاع والانكار الاستعمارية لكننا، ونحن نواجه من يريد القضاء على وجودنا الثقافي والحضاري، نواجه أيضاً من يريد لنا أن نكون نسخاً مملة وبالية عن تعريف خشبي للمقبول فنياً وثقافياً غير مدرك أنه بفرض الرقابة يقتل ما بداخلنا من عنفوان وحرية.

إطفاء النور على عشتار هو عنف موجه ضد كل ما هو حر وجميل فينا وهو تعبير صريح عن تبني كل ما يتناقض مع متطلبات وجود وأساس عمل أي جامعة. هذا الاعتداء لا يخص الفنانة وحدها ولا يخص مسرح عشتار ومواجهته بحزم واجب على كل الجهات المختصة، وأولها وزارات التعليم العالي والثقافة والمرأة. أين أنتم وأين هي أصوتكم؟ وإن كان الصمت خياركم فما حاجتنا لكم؟

صــــــــــورة
كاريكاتـــــير