شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم السبت 22 فبراير 2020م05:08 بتوقيت القدس

قراءة نقدية لفيلم Joker 2019

الثورة ما بين الضحك المرضي والضلالات

05 ديسمبر 2019 - 08:52

ذهبت الأسبوع الماضي وأصدقائي لمشاهدة فيلم جوكر (2019)، فيلم أمريكي من إخراج Todd Phillips  و بطولة Joaquin Phoenix، وكما أغلب المشاهدين جئت وفي ذهني صورة لجوكر ما، جئت أبحث عن تلك الغرابة في أداء خوان فونيكس وإلى أين ستوصلني، هل ستفي غرض متعتي بالمقام الأول وهل سأخرج وأقول يا له من فيلم عبقري؟، خصوصا ونحن نتحدث عن شكل و خصائص درامية شوهدا سلفا في شاشات السينما، وللتحديد ثيمة الجوكر، السيكوباتي ربما أو كما خلق في"1"  Dc Comics[1]وحادثة وقوعه في النفايات والمحاليل الكيماوية، نحتاج لنرى الجديد في الأداء وفي تكامل عناصر الفيلم من إخراج ونص ومؤثرات صوتية وأزياء، هذا ما تركاه الراحل هييث ليدجر والمبدع نولان تحديا في أزقة وأسطح جوثام، مدينة التكثيف الدرامي والأحداث الاستثنائية، مدينة الأشرار والأبطال، الصالح العام والخاص، مدينة خوان وآرثر فليك.

تتناول أحداث فيلم الجوكر جزءًا من حياة الكوميديان الفقير آرثر فليك، شاب في الثلاثينيات من عمره يسكن في بيت متوضع مع أمه "بيني فليك"، يعمل في شركة خاصة اسمها "هاها"، وهي شركة تعمل في مجال التهريج -إن صح التعبير-، ترسل موظفيها كمهرجين إلى المحال التجارية والمؤسسات، وآرثر أحد موظفي الشركة برفقة مجموعة من ميسوري الحال.

يبدأ الفيلم بإثارة على الصعيد الشخصي، آرثر أمام مرآة يفحص تشكيل الجوكر المعروف في وجهه، وهي الشفاه الممتدة إلى أطراف الذقن، يحضر نفسه للعمل أمام محل تجاري حيث يتعرض لمدايقة مجموعة من المتسكعين ويعلق في أحد أزقة جوثام عند لحاقه بهم، يضربونه في ثلاثة مناطق رئيسية وهي المعدة، الكتف الأيمن والظهر، نلاحظ بعد هروبهم أن خوان يقبض على معدته وكأنها المنطقة الوحيدة التي تعرضت للضرب، تمر نصف دقيقة على هذا الحال ليظهر عندها عنوان الفيلم على كامل الشاشة.
 

التقلقل العاطفي([2]2) أو التأثير البصلي الكاذب وأحد أشكاله الضّحك المرضي، هو اضطراب عصبي يعاني منه آرثر في فترة ما قبل الفيلم، ظهر هذا واضحا في غرفة المعالِجة النفسية عندما يخبرها آرثر عن سوء حالته بعد خروجه من مستشفى الأمراض العقلية، وهذا الاضطراب هو السبب المباشر لأكثر من موقف يتعرض له آرثر خلال الفيلم، نرى استياء السيدة في الباص العمومي، تعرضه للاعتداء في القطار ليلا، وفي مقابلة توماس وين" والد باتمان في القصة المصورة"، قام خوان بأداء هذا الشكل الاضطرابي بصورة مقنعة إلى أبعد الحدود، تكنيك الضحك المخنوق وغرابة تشكيل الوجه، لكنه يتضح خلال الفيلم ومن المشاهد الأولى بأنه يعاني إلى القدر الذي يتناول به سبعة أدوية للعلاج وكنت أفكر، ما الفائدة من تأويل حالة آرثر العقلية هذا بعد أن رأيناه يضع قدمًا في علاج نفسه؟، كان جزءًا من دوري كمشاهد أن أبحث عن هذا التشخيص طوال الفيلم، هل هو سيكوباتي؟، أكاد أجزم بلا، شاب يرعى أمه، يحلم بالصعود إلى المنصات، لم نراه يتلاعب طوال الفيلم، يحاول ترك ابتسامة على وجوه الأطفال، إذن ما هو؟، كمشاهد في القرن الواحد والعشرين أردت معرفة ذاك الاعتلال الذي يدفع الإنسان إلى فعل القتل المتكرر على وجه التحديد، أن يصبح القتلTrend  الشخصية، أن أعرفه بوضوح نصا أو أداءا، ليس قيمًا أن يصبح القتل فعل درامي عادي دون دوافع متفجرة وأسباب يفهمها المتلقي  فالروح البشرية ليست للتأويل، لا أعني تلك الدوافع المتكررة في تبرير القتل التي يعرفها الجميع، بل دوافع الكوميديان آرثر، ماذا يفكر ويشعر حين يتعرض لمدايقة أو تنمر أو اعتداء جسدي، هل هذا آرثر؟، شخص لا يفكر مرتين قبل إزهاق روح أحد، وإن كان، هل من المعقول أن تأثير فعل القتل على القاتل تأثير عادي لا يتراكم للمشهد التالي، كنت أنتظر الشخص الجديد بعد فعل القتل الإجرامي المقصود الأول ولكني لم أجده، بل رأيت المسدس يقع من جيبه  بالخطأ عند جولة تهريج أخرى في مستشفى مع مجموعة من الأطفال وكأنه لم يدرك بأن هذا الشيء وهو المسدس قد غير حياته للأبد.

لم أفهم المسدس حق الفهم، رأيته هدية بين زملاء في العمل كواقي ذكري أو حبوب منشطة، يقوم راندال زميل آرثر في الشركة بعرض مسدس وعدد من الطلقات لآرثر لحماية نفسه بعد أن علم  تعرض زميله  للاعتداء من مجموعة متسكعين في أزقة المدينة، ودون اعتراض أو تردد "واضح" يقبل آرثر، كأن تقدم لك الشوكولاته فتمتنع في المرة الأولى وتقبل الثانية في جوفك، ولم نفهم من الضخم راندال، ليس من السهل على أي شخص جلب مسدس، لا نعرف ما الدافع لتقديمه دون ثمن فوري، هل الأسلحة في جوثام أشياء سهلة المنال؟، حيث أنّا لم نرى لها استخدامًا بين الجموع المحتجة في المدينة، وهنا استسهال معالجة الظرف "الحصول على أداة الجريمة"، وكأن أحدا يدفع آرثر دفعًا إلى فعل القتل بلا عناء وتفكير، لا يجد مفتاحًا فيوقع مسدسًا في النص كما وقع بين الأطفال، وأمرٌ آخر، ألا يخطىء آرثر في التصويب؟، رأيت بأنه يستخدم السلاح دون أخطاء ودون تردد.

ثلاثون عاما على أزمة آرثر، يتبين لنا خلال الفيلم بأن آرثر ليس ابنا لبيني (المرأة التي يقطن معها) بل هو طفل متبنى، تبنته أثناء عملها في منزل توماس وين، تبدأ الأمور هكذا، تقع في يد آرثر رسالة تنوي بيني إرسالها لتوماس تبلغه فيها سوء حالتها الصحية وسوء حالة بيتها المادية، تطلب منه المساعدة وتستند في خطابها بأن آرثر ابنا لتوماس، يغضب آرثر فيحاول مقابلة توماس وين في بيته فلا يستطيع بعد مشادة جسدية مع خادم البيت حيث ينتبه الأخير لآرثر وهو يحاول مداعبة طفل توماس ويدعى بروس وين "باتمان كما في القصة المصورة" عند بوابة المنزل التي تفصله عن الباحة الداخلية ، ثم يحاول آرثر ثانيةً مقابلة توماس في صالة عرض موجودة في المدينة وينجح دون عناء، يتسلل إلى الداخل مفلتًا من الشرطة في الخارج والحراسة في داخل صالة العرض، لم أرى جهدا في دخوله أو حتى في استيلائه على الزي الرسمي للحرس، يقابل توماس في حمام الصالة وحينها يبلغه توماس بأن بيني تبنته وأنها كانت تعاني آنذاك من مرض عقلي، يرفض آرثر في بادىء الأمر كلام توماس ويظنه يتهرب من مسؤولياته كوالد، لكنه لاحقا يدرك حقيقة ما قاله توماس في مستشفى آركام للأمراض العقلية، وهنا هروب آخر دون ملاحقة ينجح به آرثر، حيث ينتزع ملف المريضة "بيني فليك" من موظف الاستعلامات ويدرك حقيقة إصابتها بالذهان[3]،وأنه سُجّل لها سوء معاملتها ووحشيتها مع طفلها المتبنى، يقرر آرثر قتلها أثناء تلقيها العلاج في المستشفى وكيف؟، وحده في الغرفة يخنقها بوسادة دون تدخل أحد، دون إنذار أجهزة الضغط والقلب، دون ملاحقة الشرطة، ألم يراه أحد يدخل غرفة بيني ويخرج منها؟ أين المفوض جوردن عن خراب جوثام؟.

لم يوضح الفيلم دور الأمن والسلطة في المدينة، لم نرى قبحها، علمنا فقط تراكم الزبالة في أزقتها وارتفاع أسعار المحروقات، لم نرى فقرها وظلامها بل شاهدنا آرثر فقط في معظم الفيلم، أين دور الشرطة في الفيلم وسياقه الدرامي، محقق جوثام الشهير ليس موجودا في أي بزة رسمية، شيء ما يبعدني منطقيًا عن إمكانية نجاة آرثر بهذا الشكل من ثلاث جرائم قتل في المحطة، غرفة المستشفى، بيته وقتله لزميله راندال، قد أغمض النص عين الشرطة عن آرثر إلى أن وصلنا النهاية، وهي عندما يقتل آرثر بيل موري في بث مباشر بعد مرور أربعة دقائق على تصريحه المباشر بأنه قاتل الشبان الثلاثة في القطار، علمًا بأنّا شاهدناه ملاحقا من قبل الشرطة قبل توجه لبرنامج موري، ألا تتأهب شرطة جوثام؟، تمسك به الشرطة وكيف يفلت مجددًا؟، بحادث مرور غير مفهوم، هل هو مخطط؟، هل تحدث الثورة عن طريق الخطأ وهل نختار أيقونة الثورة عن طريق الخطأ أو الصدفة، هل كان يحلم؟، لم أعرف نهائيا، لماذا يمجّد آرثر في نهاية الفيلم بين الجموع الغاضبة وينصبونه الهًا للمدينة، شعرت كأنها لعبة أطفال "كل يوم زعيم للصف".

هل علي كمشاهد أن أتضامن مع آرثر أو حتى مع مفهوم الحرية بداخلي، هل سأحلم بعد مشاهدة الفيلم بوطن محرر من مفاهيم العبودية والفساد والتنمر؟ من انتظر كمشاهد؟ البطل أم القاتل؟، عندما تأخذ الدراما الثورة كقيمة، نريد أن نبكي لما نراه أو أن نتخيل أنفسنا أبطالا في هذا العالم القميء، أو حتى أن نشعر بثورة على صعيد ملابسنا، لم تقنعني هذا الأقنعة الكثيرة الموحدة في الفيلم كما فعلت في V for Vendetta، ما زلت حتى الآن أحتفل في الخامس من نوفمبر.

الكثير منا لا يتعاطفون مع فعل القتل، كيف لي أن أفهمه بتمريره عبر الاضطراب النفسي، لا أعتقد ولا أرى بأنهم قتلة متسلسلين، على الأقل ليس علي أن أخاف من شخص يضحك أمامي دون سبب، رأيت شخصا وإنسانًا يتحول لقاتل بخطوات سريعة لا أستشعر بها معنى الزمن ومروره، كان من الأفضل أن أرى آرثر جوكر بلا قتل، أن أشاهد عملا يؤول كل مفاهيم الغرابة لقيمة الخير والعدل، كنت سأتضامن أكثر، أين القيمة الفنية؟، هل هي "إن واجهك المجتمع بسوءه، اقتل وسيلحقك المتعطشون وتحدثون تغييرا؟" هو نفسه آرثر يصرح بأنه لا شأن له لما يحدث خارجًا، إن كانت هذه عبقرية بأن الاختيار يقع على من ليسوا بالحسبان ليديروا الفعل الجماعي، فهي تضرب صوابية الخلاص، من مسيحنا المنتظر؟ أهو جوكر قاتل؟، كنت أفضل أن يرتقي الفيلم لقيمة الخير وتمريرها من خلال الاضطراب، المضطربون هم رواد العالم الجديد، ولكن عندما أرى القتل، تجرد صديقي في شاشة السينما من تضامني وأصبح شيئا مجردًا، كسكين يجب إبعادها عن الأطفال.

لا شك بأن خوان قام بأداء جيد في هذا الفيلم، استعداده وخسارته للوزن بشكل ملحوظ، أداءه الحركي وتعابير جسده التي شاهدناها في الرقص، طرائق سيره التي اختلفت مشهدا تلو آخر، لكني رأيت بأن الفيلم اعتمد كليا على شخص خوان، لم نر حتى ممثلًا مساعدا، لم نر الأشياء وشعرت بالملل، هو فيلم لخوان"لا شك بأن خوان قام بأداء جيد في هذا الفيلم، استعداده وخسارته للوزن بشكل ملحوظ، أداءه الحركي وتعابير جسده التي شاهدناها في الرقص، طرائق سيره التي اختلفت مشهدا تلو آخر، لكني رأيت بأن الفيلم اعتمد كليا على شخص خوان، لم نر حتى ممثلًا مساعدا، لم نر الأشياء وشعرت بالملل، هو فيلم لخوان وحده، هذا ليس سيئا ولكنك تحتاج إلى جهد مضاعف لتنتج فيلما ممتازا يدور حول دوافع الفرد الواحد، لم تطرح جوثام وحيدة في الأعمال السينمائية والقصص المصورة، كان خوان وحيدا، وحيدا إلى الدرجة التي تقتل إيقاع الأحداث.وأما عن المشهد الأخير شعرت بأن آرثر يصل الأماكن تماماً كما تصل كاميرات التصوير."

 

_______________

[1]   ) دي سي كوميكس: تعد من أقدم وأنجح شركات القصص المصورة الأمريكية، وتقوم على صراع الشخصيات الخارقة والشريرة فيما بعضها مثل باتمان، سوبرمان، المرأة العجوز، الجوكر، دارك سايد ورأس الغول، ويكيبيديا.

[2] ) التقلقل العاطفي: هو اضطراب عصبي يتميز بحدوث بكاء لاإرادي أو نوبات غير مسيطر عليها من البكاء أو الضحك، أو أي إبراز آخر للمشاعر بشكل غير متحكم به، ويكيبيديا.

 الذهان: حالة غير طبيعية للعقل تؤدي إلى صعوبات في تحديد ما هو حقيقي وما هو غير حقيقي، ويكيبيديا.[3]

صــــــــــورة
كاريكاتـــــير