شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الخميس 12 ديسمبر 2019م15:08 بتوقيت القدس

لماذا لا يزال الموت يبدو غريبًا في غزة؟

24 نوفمبر 2019 - 20:34

شبكة نوى، فلسطينيات: بقلم- اسماء الغول

توفّي الصحافيّ الشابّ محمّد داوود بنوبة قلبيّة في تركيا، وكان يعمل في الصحافة بعد أن ترك غزّة منذ نحو عام، وتبع الخبر مئات من المنشورات وتغريدات النعي والرثاء لخلقه الدمث وطيبته، وهو ما يبدو جليًّا في صوره، حتّى دون الحاجة إلى تذكّر اللقاء به.

إنّ ما أثار استغرابي هو استغراب المنشورات من هذا الموت، كيف لا نزال نحن أهل القطاع لدينا الجرأة على الاستغراب من الموت، وقد عشنا ثلاث حروب في سبعة أعوام، وبعدها بسنوات قليلة ملحمة مسيرات العودة؛ فتحتضن الأرض أربعة آلاف شهيد وشهيدة؟

أمّا العدوان الأخير فقد انتهى منذ أيّام قليلة، تاركًا وراءه أكثر من 33 شهيدًا من الأطفال والرجال والنساء، عدوان لم يستمرّ أكثر من 48 ساعة، وكأنّ الناس في غزّة يعيشون حتّى إشعار آخر بحرب جديدة؛ فمَنْ نجا من الحروب السابقة لن ينجو في اللاحقة، وكلّنا نقف في الطابور!

ربّما يبدو هذا الحديث فيه تجنٍّ، وكأنّني أقول إنّنا لا نعرف الحياة، لا، بل أقول إنّنا من جودة ما نعرف الحياة خبِرنا الموت أيضًا، بل أكثر من ذلك فإنّ الحياة لَتبدو ظلًّا منكسرًا لعملاق الموت.

كيف – إذن - حدث أنّنا نستغربه، ومصدومون به، ونعاتبه، ونفكّر ثمّ نعيد التفكير، ونتخيّل كيف تسلّل إلى قلب شابّ في الغربة؛ وهو المليء بالأحلام وسط عائلة محبّة وأصدقاء محبّين؟

بالتأكيد لا أمتلك الإجابة، لكن فليجرّب كلّ واحد أن يسأل نفسه لماذا استغربَ موت شابّ جميل في الغربة، وسلّم بموت خمسة أطفال نيام في منزلهم قبل أيّام قليلة، بقنبلة صهيونيّة غادرة!

لأنّ الحرب تجاوزتنا وتجاوزناها بعد أن أكلت معنا، شربت ونامت، علّمتنا، وأنضجتنا، إلى درجة أنّ موتها أصبح مألوفًا يشبهنا، ونشبهه، لكن ليس الموت الطبيعيّ وقت الحياة، ليس نوبة قلبيّة أثناء ضحكة مع الأصدقاء، ليس موت الحياة، بل موت الموت، موت الحرب.

اعتدنا أن نموت على درّاجات ناريّة بصاروخ موجّه، بل متنا آلاف المرّات وأجسادنا أشلاء حولنا بقنبلة، ومتنا في السيّارات أيضًا، ومتنا بجانب زوجاتنا وأمّهاتنا، ومتنا بجانب أزواجنا وأبنائنا، ومتنا ونحن نصلّي في المساجد أو لاجئون في المدارس، كما متنا ونحن نخبز الأرغفة، بل متنا ونحن على سفرة الطعام، متنا ومتنا... ألف مرّة بألف وضعيّة. لكنّها المرّة الأولى الّتي نموت وأحلامنا على أكتافنا، والمستقبل أمامنا زاهٍ، فيباغتنا في القلب، غير مألوف، غريبًا عنّا، إنّه الموت الجديد يا أصدقائي، الموت كما يموت بقيّة العالم... يموتون وهم سعداء، غير مرتعشين تحت القصف، وليسوا مقاومين يعرفون مصيرهم، إنّه ما يسمّونه "وفاة طبيعيّة".

إنّ غزّة منذ أن جرّبت الحرب في 2008، لا تزال كأنّها تستيقظ لتعيش اليوم نفسه؛ فكلّ يوم هو ذات اليوم، مثل تلك الأفلام الّتي تتحدّث عن الرجل العالق بذات الحاضر إلى الأبد، يستيقظ على ذات التفاصيل، والمنبّه، والوقت، يشرب القهوة، يذهب للعمل، حتّى ذات الحديث مع حارس المصعد، غزّة تبدو مثله أيضًا عالقة، منذ تلك الحرب، في ذات البدايات، ذات القصف، ذات الموت، لا شيء يختلف سوى أسماء الشهداء ووجوههم، إلى درجة أنّنا أصبحنا أليفين مع كلّ شيء، لقد روّضتنا الحرب على تقبّل المأساة كاملة الأركان والمصادفات، ورفض المأساة الّتي تشبه بقيّة المآسي.

سأعدّد لكم كم موتًا ألفناه، وكم موتًا لم نألفه: ألفنا في مأساتنا المثاليّة أن يغرق الشباب في البحر هربًا من الحرب، ألفنا الموت حرقًا بالشموع الّتي تضيئها الأمّهات حين تنقطع الكهرباء، أو نحرق أنفسنا لأنّنا يئسنا من قدوم التغيير، ألفنا الموت في مشاجرة بين فصيلَين أو عائلتين أو حكومتين.

 إنّ الاستثنائيّ عند الآخرين يبدو تفصيلًا معروفًا لدينا، أمّا ما لم نألفه، كنوبة قلبيّة في الغربة أو الوطن، جريمة قتل، موت بعد المرض، فكم نبدو هنا مشدوهين ونبقى نسأل: لماذا؟ كيف حدث هذا؟ كأنّها خبرتنا الأولى معه، وكأنّنا بريئين منه وهو بريء منّا.

سرحت كثيرًا بتلك "البلوزات" الصوفيّة، الّتي كان أطفال عائلة السواركة (أبو ملحوس) يرتدونها، حين انتُشلوا من تحت التراب بعد قصف منزلهم وهم نيام وموتًى معًا، فجر 14 تشرين الثاني (نوفمبر) الجاري، أعرفها جيّدًا تلك البلوزات بخسة الثمن، بل إنّ معظمنا ارتدى مثلها، سواء اشترتها أمّهاتنا من "سوق السبت"، أو "سوق الجمعة"، أو "سوق فراس"، وقد بدت مألوفة، وكم هي تحمي من البرد في منزل الصفيح ذلك، العَتِم الّذي لا تصله الكهرباء في أغلب الوقت!

لقد بدت لي معروفة جدًّا على هذه الأجساد الصغيرة الليّنة الّتي تبدو حيّة، لكنّها خاوية من الروح، هذه البلوزات أعتبرها أكثر الأشياء شبهًا بنا، أمّا ذلك الموت فلم يعُد يشبهني، لم أعد أنتمي إليه ولا ينتمي إليّ، إنّه عاد ليكون غريبًا، وحشيًّا، فادحًا، وهذا يسعدني إلّا أنّه شديد الألم، فلم تعُد ميكانيزمات الدفاع النفسيّة لديّ، أو الّتي لدى محيطي، تتبنّى أيّ حيلة كي تخفّف منه، وتصدّق أنّ كلّ شيء على ما يرام.

كذلك الطفل المُلقى بجانب والده الميّت بعد قصف درّاجتهم الناريّة، وأمّه تصرخ عند رأسه، لن تجد هذا المشهد في أشدّ الروايات والمسرحيّات تراجيديا، سيبقى فريدًا في كابوسيّته، ولن يتحوّل إلى "ربّنا يصبّرها ويعوّضها"، أو إلى "أمّ صامدة"، أو إلى "يلّا يلّا يا خالتي، ودّعيه وادعيله بالرحمة"؛ لأنّ هذه الضغوط الجماعيّة، والشعارات المكرّرة الّتي نردّدها هي ما تجعل هذا الموت يبدو عاديًّا، ولن يعرف أحد كم هي نار متّقدة في قلوب المحبّين!

أمّا تتويج هذه الحكايات من التصعيد الأخير في غزّة؛ تلك العروس الصغيرة الّتي قالت وهي تودّع جثمان زوجها، متحسّسة وجهه للمرّة الأخيرة: "يا وردي عليّ شو عملوا فيك... شو يا حبيبي استشهدت... حسبي الله عليهم... إيش يا عمري... لمين تركتني؟"، هادئة، وادعة، تشفق على حبيبها من الموت؛ فقد رأته كاملًا وحشيًّا مرعبًا، أكل عريسها في لحظة، وحرمها منه ما بقيت حيّة.

ليس من الضرورة أن نكون أقارب هؤلاء الشهداء كي نرى موتهم فاجعة، وليس من الضرورة أيضًا أن نسافر ونبتعد عن الحرب كي نرى ذلك؛ فمن الممكن أن نرى ذلك ونحن نشهد على الحرب في جغرافيّتها وزمانها، بأن نكفّ عن تربية الموت بين أحضاننا وكأنّه قطّ سياميّ، أن نكفّ عن تلك الألفة المريبة معه وكأنّه منّا ونحن منه؛ فالموت واحد، ليس ثمّة موت أقلّ من آخر أو أكثر، ويجب ألّا نستعجل الوداع أو نجعل البكاء كأنّه عار، بل فلنُعطِ الحزن زمنه ووقته وهيبته، فلن يصيب الضمير الجمعيّ مصاب جلل، إذا ما قلّلنا من شعوبيّة الجنازات، والوصاية على جثامين الشهداء.

هذه الأرواح الّتي تصعد إلى السماء أفواجًا عامًا بعد آخر، أو عند كلّ حرب، ما هي إلّا سرّ قوّتنا، سرّنا الأبديّ لتعلّمنا قيمة الحياة، ليصبح الموت العاديّ مفجعًا، والمفجع عاديًّا.

إنّ هؤلاء الموتى يحرسوننا، أو كما قال الشيخ في صلاةِ واحدةٍ من الجنازات الأخيرة "الشهداء رأس مالنا"

*موقع فسحة

https://www.arab48.com/

 

صــــــــــورة