شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاحد 17 نوفمبر 2019م14:38 بتوقيت القدس

المؤامرة والطائفية بين مفهومين

05 نوفمبر 2019 - 09:23

قبل عامين وأكثر احتفل النظام العربي بانتصاره على انتفاضات الشعوب، وقد أبلى بلاء شديدا في استخدام منظومة التدخل والتشويه والقمع والكبح.
وكانت رسالته التي قدمها للشعوب تقول إن تغيير الأوضاع من شبه المستحيلات. ودعم رسالته القهرية بقيود أو تسهيلات اقتصادية وعلى صعيد الحريات مفادها أن الاستكانة للأنظمة المستبدة والفاسدة لها جدوى أفضل بما لا يقاس من  التمرد ومحاولة التغيير.
النتيجة هي صناعة ثقافة بقاء الاستبداد، وثقافة خوف ورعب ستبقي النظام العربي على حاله إلى ما لا نهاية.
هذه الثقافة تتكون من مجموعة ثوابت. يرددها أقطاب النظام العربي في مختلف البلدان، وهي تدعي أن كل انتفاضة تندلع هي مؤامرة من الخارج أو تتحول إلى مؤامرة تحبكها أميركا وإسرائيل بدعم أموال عربية، وطالما وجد استعمار ووجدت دولة إسرائيل ووجدت أنظمة تابعة لها فإن التغيير محظور ويحال المطالبون بالتغيير إلى بند المؤامرة والتدخلات الخارجية، حتى لو كانوا شعبا كاملا، حتى لو كانت أميركا وإسرائيل مع بقاء ذلك الصنف من الأنظمة.
ويتشارك النظام الإيراني مع الأنظمة العربية في هذا الادعاء عندما وصف الولي الفقيه خامنئي ما يحدث في لبنان والعراق بأنه مؤامرة أميركية.
هذا يعني ليس فقط الإبقاء على النظام وحسب بل تقديسه. فلا يوجد في سورية إلا عائلة ورئيس وحيد، ولا يمكن تخيل استمرار البلد إلا على يد هذا النظام ورئيسه.
وإذا كان من الصواب الحديث عن تدخل استعماري تاريخي في شؤون الشعوب فإن التدخل الروسي الذي يريد تثبيت نظام ورئيس سوري إلى ما لانهاية، وكذلك التدخل الإيراني في سورية والعراق ولبنان واليمن. نظامان يتدخلان لفرض بقاء أنظمة بالية وفاسدة ومستبدة هما الوجه الآخر للتدخل الاستعماري الأميركي ويلتقيان معه ضد انتصار ثورة الشعوب.  لقد أصابت شعوب السودان والجزائر ولبنان والعراق عندما فككت ثنائية نظام مستبد وفاسد أو مؤامرة وتدخل خارجي يخرب البلدان، برفض كليهما وبتقديم حرية الشعب وحقه في تقرير مصيره كخيار وحيد قابل للحياة.
دحضت مقولة الانتفاضات المؤامرة، وفضحت المخادعين الذين يعترفون بمطالب عادلة ويحيلون التغيير المرغوب إلى النظام.
الشعوب كشفت استنكاف تلك الأنظمة عن إصلاح بنيتها الفاسدة والمتعفنة، كما كشفت كذبة الإصلاح الذي بات لونا من ألوان الفساد المتراكم منذ عقود وعقود. 
وعرّت الطبقات الحاكمة والمستفيدين من فسادها وأصحاب العقول الخاملة والوكلاء الذين حاولوا إعادة الشعوب المنتفضة إلى نظامها الذي يصدق القول عليه، وأنت الخصم والحكم.  
هذا ما فعله حزب الله والرئيس عون اللذان دعوا المنتفضين للحوار في قصر بعبدا، ووضع المطالب في عهدة الرئيس والحكومة ومجلس النواب.
وهذا ما فعلته روسيا وإيران في سورية والعراق. وهذا ما فعلته الولايات المتحدة في كل البلدان من خلال الأنظمة التابعة لها. 
وكان وزير الخارجية اللبناني جبران باسيل قد افتخر بإنجازاته أمام حشده الطائفي الفئوي.
لم يكتف معالي الوزير برفض إرادة أكثرية الشعب العابرة  للمسميات الطائفية والمطالبة بإسقاط الحكومة بكل وزرائها والمطالبة بعدم عودتهم للحكومة الجديدة، خلافا لذلك. والغريب العجيب أن  الوزير باسيل حاول القفز بخفة عن أهم إنجاز حققه المنتفضون اللبنانيون وهو التمرد على الهوية الطائفية للنظام والعمل على الانتقال إلى الهوية المدنية والمواطنة، باسيل حاول إعادة الاعتبار للطائفية بحشده الجماهيري الحزبي «المصنع» أمام قصر بعبدا والذي لا يقارن بحشد مئات الألوف في مراكز المدن والبلدات الذين خرجوا للرد عليه، وشتان بين الحشدين والموقفين.
الطائفية في لبنان والعراق واليمن وسورية التي استخدمتها الأنظمة لتثبيت سيطرتها أو لاستبدال سيطرة بأخرى بدعم طائفي خارجي، كانت هذه الطائفية عنواناً لتشويه بنية الدولة بمختلف مؤسساتها، ونقيضا للدولة المدنية وللمواطنة. 
الطائفية ساهمت في تفكيك مكونات الشعب ونسيجه الاجتماعي وكرست أشكال الفساد المختلفة التي دفعت شعوب تلك البلدان ثمنا باهظا لها.
ومن حسن الحظ أن الانتفاضات رفضت الطائفية وطرحت بديلها المدني كمطلب رئيس، غير أن هذا المطلب قوبل برفض من قبل تلك الأنظمة التي تعتبر الطائفية ثابتا من ثوابتها الأساسية. 
ما قبل الانتفاضات قالوا إن زوال الطائفية غير ممكن بل ومستحيل، وأثناء الانتفاضات وبعدها تمسكوا بالطائفية ورفضوا كل مساس بها، لأن التراجع عنها وهي أداة سيطرة سيغير قواعد اللعبة السياسية وسيطيح باحتكار أمراء الطوائف وعائلاتهم ونخبهم لتقاسم السيطرة على الدولة وسيفتح المجال أمام الكفاءات والقوى الحية غير الطائفية داخل المجتمع لتولي إدارة الدولة بمعايير حقوق المواطن.
وزوال الطائفية سيعيد بناء الدولة التي ستستند إلى منظومة قوانين لا مكان فيها للطائفية.
قبل الانتفاضات رفضوا طرح قضية الطائفية واعتبروها ملازمة للنظام، وسابقا عندما طرحت أجزاء من الحركة الوطنية اللبنانية الخلاص من الطائفية اعتبروا ذلك موقفا مغامرا سيجلب الدمار للبلد.
الآن بعد الانتفاضات الشعبية خرج أكثر من مليوني لبناني وملايين العراقيين مطالبين بإسقاط الطائفية، هؤلاء الذين ذاقوا الأمرين جراء السيطرة الطائفية، لاسيما أن إرهاب داعش والقاعدة والحرب الطائفية البشعة كانت نتاجا للطائفية. 
أثناء الانتفاضات ورغم انبثاق إرادة شعبية صريحة، فإن أمراء ووزراء ووكلاء ونخبا اقتصادية منتفعة مضافاً إليها الأحزاب الطائفية والتحالفات بين طوائف، رفضوا جميعا الخروج من النظام الطائفي وهم الآن يقاومون عملية إسقاط الطائفية، دفاعا عن امتيازاتهم وسيطرتهم وسرقاتهم، ودفاعا عن رعاة الطائفية الإقليميين الذين يستخدمون الطائفية كأداة سيطرة ونشر نفوذ.
ولنا أن نتخيل قانون أحزاب يحظر الأحزاب الدينية والطائفية يفتح الأحزاب لكل المواطنين بمعزل عن جنسهم وديانتهم وعرقهم حيث يستطيع أي لبناني دخول حزب الله والوصول إلى أي منصب قيادي، وتصبح قوات حزب الله جزءا من الجيش الوطني الذي سيضطلع بالدفاع عن البلد ضد أي عدوان.
ويستطيع كل عراقي الوصول إلى أي مركز من مراكز الدولة بحسب كفاءته، وينتفي بذلك وجود حشد شعبي (ميليشيا طائفية) ووجود حرس ثوري إيراني يعبث بوحدة الشعب العراقي.
جيش العراق هو الذي سيدافع عن العراق إذا ما تعرض لعدوان، وليس القواعد الأميركية وليس حرسا طائفيا غير ثوري. 
وينتفي وجود مليشيا للحوثيين في اليمن، الشيء نفسه ينطبق على الطابع الطائفي للأحزاب الأخرى اللبنانية واليمنية والعراقية والسورية.
لماذا يقاومون السيطرة الطائفية والتحزب الطائفي والحكم الطائفي. شكرا للشعبين اللبناني والعراقي اللذين أجابا عن السؤال من خلال انتفاضتيهما العظيمتين.
الإجابة التي تقول إن الطائفية هي أحد أشكال السيطرة والتدخل وتعزيز النفوذ والاستخدام من قبل أنظمة إقليمية ووكلائها الداخليين، الطائفية تعني تجاهل مصالح السواد الأعظم من الشعبين.
[email protected]