شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاحد 17 نوفمبر 2019م14:37 بتوقيت القدس

في اليوم العالمي ......لابنتي

17 اكتوبر 2019 - 08:38

شبكة نوى، فلسطينيات:
ابنتي العزيزة، ريحانة قلبي وقرة عيني، لا أبالغ يا غالية إن قلتُ العبارة التقليدية التي يعبر بها الجميع عن المحبة بأنك توأم الروح، ولكنك كذلك يا حبيبة، لا أدري متى بدأت أكتشف أننا- أي أنا وأنت- وجهان لعملة واحدة، هل تعرفين أن الجدار الذي يفصل بين غرفتينا هو الشيء الوحيد المقيت في العالم الذي يفصلنا؟ لا شيء غير ذلك، فأنا وأنت ومنذ جئت إلى الحياة متقاربتان لدرجة مدهشة، متماثلتان لدرجة أنني صرت أخاف عليك يا صغيرة، أخاف ان يكبر عقلك فيؤلمك مثلما كبر عقلي منذ صغري فآلمني وأوجعني، وجعلني غير قادرة على العيش في هذا المجتمع....
تعرفين كل شيء عني، أستغرب أنك قد حفظت كل محطات حياتي، وبأنك تعيدين سرد كل خطوات أمومتي لباقي إخوتك، وتتحدثين في فخر وإعجاب عن معركتي مع الأمومة حين كنت أربيكم وحيدة، وحين كنت أتعلم وأجرب وأقع وأقف وأستمر، أسمعك كثيراً وأنت تنصحين صديقاتك حديثات العهد بالأمومة بنصائح عشتها معي ولم ترَيْها فقط، أكتشف أنك أُم صغيرة يا صغيرة، فقلبك هذا الجزء العضلي الكامن في صدرك لا يحمل سوى المشاعر الرقيقة، لديك من الصبر والأناة والايثار الكثير مما تتحلى به الأمهات المؤمنات برسالتهن، والحريصات على تربية أولادهن على أفضل وجه.
نعود لذلك الجدار المقيت الذي يفصلنا عن بعضنا، تخيلي أنه عجز عن فصل روحينا، فالليالي التي تقلقين فيها ترغمني على القلق، وعلى أن أخطو نحو سريرك على أطراف أصابعي لكي أجدك تتقلبين، واسألك في همس : ما بك، فتطمئنين أنني بقربك وتخلدين إلى نومك ثانية، وتذكرين تلك الصباحات التي تقسمين فيها أنني لم أقض ليلةً مريحة وان  ألماً قديماً قد عاودني، أو أن وجعاً جديداً قد زارني، ولا أستطيع أن أخفي عليك فأعترف، وهكذا صرنا قريبتين لدرجة أنني أتألم من هذا القرب.
أتألم لأنك حملت المسؤولية معي، لأنك صرت دون أن أخطط الأم الثانية لإخوتك، ولأنك لا تفكرين بنفسك ولكن تفكرين بإسعادهم وبراحتهم مثلما أفعل أنا، وهذا يوجعني يا صغيرتي، لست راضية عن كل هذا، فهذه المشاعر التي تملكينها مهلكة، العالم لا يصفق لأمثالنا كثيراً ولا يقف لينحني رافعاً قبعته أمام النساء المضحيات الباسلات المرهقات العاملات حتى آخر قطرة عرق.
ابنتي الحبيبة يا قرة العين يا ريحانة النفس، أنت كما أنت وكما أردت، فتاة قوية لا يمكن ان تنكسر، ولكن فكري بنفسك، أنت مثالية في عالم أعوج، وأنت معطاءة في عالم أناني، وأنت مناضلة في زمن لا يعطي المناضلات حقوقهن، تذكرين أننا شاهدنا سوياً فيلماً قديماً اسمه «بائعة الجرائد»، هل تذكرين المشهد الذي تهكم فيه بطل الفيلم على البطلة بائعة المسليات الرخيصة وبأنها تستخدم «شغل الهامبكا»؟ هل تذكرين أننا ضحكنا سوياً من هذا التعبير؟ بالفعل يا صغيرتي أنت قلت لي يومها بالحرف الواحد: كثيرات من زميلاتي في الجامعة ينجحن ويحصلن على معدلات عالية بشغل الهامبكا، هل تعرفين معنى هذا التعبير، هو ان تدعي أنك تفعل شيئاً وأنت لا تنجز، أن تسرق مجهود غيرك وتنسبه لنفسك، أن تستخدم أساليب رخيصة لكي تصل لما تريد، هذا هو حال العالم للأسف اليوم يا صغيرة.
 هل عددت كم مرة عدت باكية في كل مرة تقضين فترة تدريب او تطوع أو عمل براتب بخس وأنت تتحدثين عن ضياع العدل والأمانة وانتصار الواسطة والمحسوبية، وبأنك لا تحصلين على حقك ولا أحد يقدر مجهودك، ولا أحد يلتفت إلى تعبك من أجل دفع دفة العمل، وبأن أي عمل يفتقر إلى روح الفريق، ولذلك فهو يفشل وينجح ويصعد على حسابه شخص واحد...
أظنك تذكرين ذلك، وأظنك كررت أكثر من مرة أنك لا تريدين العمل، ولكنني كنت أنهاك عن ذلك، وكنت أقول لك قاومي يا صغيرة، وفي النهاية علّقت في غرفتك على الجدار لوحة لفتاة صغيرة تقاوم وتواجه ثوراً ضخماً، تعرفين قصة هذه اللوحة، ولذلك فعليك ان تعيشي وتتعايشي، وأن تمسكي العصا من المنتصف، تفَكَّري يا ريحانة الروح أنني قد خصصت لك يوماً عالمياً أحتفل به أنا وأنت فقط، أحتفل بأننا أعظم علاقة بين ام وابنة، وبأنك ابنة مقاومة حتى النهاية، وبأنك صادقة مع نفسك وهذا الأهم... ريحانة روحي،،،، كل عام وأنتِ ابنتي، وأنتِ ابنةُ يومي.