شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم السبت 04 ابريل 2020م18:08 بتوقيت القدس

أصدقاء الأرض فلسطين:

أكثر من عقدين من التحديات لحماية الأرض والبيئة

14 اكتوبر 2019 - 21:26

رام الله:

في أحد المكاتب على بعد دقائق قليلة من وسط مدينة رام الله يتوجه د.أيمن رابي لتسليم تقرير عن الجهود الأخيرة لمجموعة الهيدرلوجيين الفلسطينيين. ود. رابي كقائم بأعمال المدير التنفيذي وشريك مؤسس للمجموعة يبيّن بدايات تأسيس المجموعة والجهود الحالية والإنجازات التي حققتها. وبصوت خافت وابتسامة يستذكر قائلاً: "لقد كنا نشرب ونأكل ونعيش في المكتب لمدة اثنين وعشرين يوماً. وواظبنا على العمل والتواصل مع العالم الخارجي كمجموعة هيدرولوجيين".

تأسست مجموعة الهيدرولوجيين عام 1987 في ذروة الانتفاضة الأولى، وفي ظل ازدياد الانتهاكات الإسرائيلية ضد مصادر المياه الفلسطينية. وحالياً، هناك أزمة إنسانية تعاني منها جميع المناطق في أنحاء فلسطين. ففي غزة هناك 1.3 مليون من أصل 1.9 مليون شخص بحاجة لنوع من المساعدة الإنسانية. وتشير مصادر الأمم المتحدة أنّ أكثر من 55% أبلغوا عن نقص في احتياجاتهم المتعلقة بمصادر الطاقة، و47% يعانون من عدم توفر الغذاء الكافي، وفقط مجموعة صغيرة لديها القدرة على الوصول لمصادر المياه. وقالت زينة آغا الحاصلة على زمالة السياسات ضمن مركز الأبحاث "الشبكة"، "أنّ هذا يمثل تمييزاً عنصرياً بيئياً، ففي حين يعيش الفلسطينيون والإسرائيليون في نفس التضاريس إلا أنّ الفلسطينيين المستضعفين، تحت الاحتلال والحصار، سوف يعانون من آثار تغير المناخ بشكل حاد نتيجة لهويتهم العرقية والدينية. “الانقطاع الدائم للكهرباء فاقم الوضع المعيشي في غزة حيث أنّ 90-95% من المياه ملوثة، أما في الضفة الغربية فإنّ ما تقوم به القوات الإسرائيلية من تدمير للبنية التحتية يعيق الوصول للمصادر الطبيعية مثل المياه والزراعة. ولجأ الفلسطينيون لمحاولة خلق حلول مبدعة من أجل العيش" وأصبحت شبكة المنظمات البيئية الفلسطينية – أصدقاء الأرض فلسطين (PENGON-FoE)من المؤسسات الرائدة في تجسير هذه المساعي.

كانت المنظمات العاملة في مجال البيئة منفصلة عن بعضها البعض حتى عام 1996 حين تأسست "شبكة المنظمات البيئية الفلسطينية – أصدقاء الأرض فلسطين" في فلسطين كمنظمة جامعة للتنسيق بين مختلف المنظمات الفلسطينية غير الحكومية التي تعالج قضايا الاستدامة البيئية. ومازالت هي الشبكة الوحيدة التي تعمل في كل من الضفة الغربية وقطاع غزة وتضم أربعة عشر عضوًا. وبالنظر إلى الانفصال الجغرافي بين الضفة والقطاع بسبب الحصار الإسرائيلي على القطاع منذ ثلاثة عشر عاماً، وسيطرة الاحتلال وتحكمه في حرية الحركة من وإلى الضفة الغربية بالإضافة إلى العقبات التي تفرضها إسرائيل في بناء تكنولوجيات الطاقة الزراعية والطاقة النقية المستدامة، ازدادت أهمية وجود شبكة المنظمات البيئية الفلسطينية. فقد قامت شبكة المنظمات البيئية وأعضاؤها بتوفير الكهرباء من خلال الطاقة الناتجة عن حلول بشرية ل 650 أسرة في غور الأردن و 270 أسرة في قطاع غزة.

وفي مقهى بوسط مدينة رام الله، التقيت بعبير البطمة التي كانت تحمل طفلها الرضيع. تعمل البطمة مع  شبكة المنظمات البيئية الفلسطينية – أصدقاء الأرض فلسطين منذ أحد عشر عامًا، كما أنّها منسقة الحملة الحالية في الشبكة.  حيث شهدت البطمة كل التحديات والانتصارات في الشبكة، وتؤكد قائلة: " إنّ الصمود ورؤية التغيرات يبقينا مستمرين ويعيد تأكيد حقوقنا في أراضينا". وتهتم شبكة المنظمات البيئية الفلسطينية – أصدقاء الأرض فلسطين والمؤسسات التابعة لها بأربعة مناحٍ: فهي تركز على حقوق المياه، والحفاظ على التنوع البيولوجي، والعدالة في الوصول إلى  مصادر الطاقة، ومواجهة مختلف أشكال التلوث في فلسطين.

وفي الآونة الأخيرة تركز شبكة المنظمات البيئية الفلسطينية – أصدقاء الأرض فلسطين على دور المرأة في الاستدامة البيئية. وتشرح البطمة قائلة: "تشارك المرأة في جميع جوانب الحياة، وهي الأكثر تضرراً من التلوث البيئي، وتلعب دورًا مهمًا في زيادة الوعي وإرشاد الجيل الأصغر سناً". ومن خلال التركيز على دور النساء وتمكين القادة في مجال الاستدامة البيئية والطاقة النظيفة؛ تتجه شبكة المنظمات البيئية الفلسطينية – أصدقاء الأرض فلسطين نحو تغيير الهياكل التشريعية والسياسية للتأكيد على ديناميات النوع الاجتماعي في فلسطين.

وبابتسامة من القلب، تفكر البطمة في الجانب المتعلق بالنوع الاجتماعي من عملهم، مؤكدة بثقة: " إنّ ما نقوم به هو تعزيز دور المرأة في التأثير وإعادة تشكيل السياسات والبرامج المؤسساتية، كمنظمة داعمة ورائدة". ومن خلال التشبيك ما بين عمل المنظمات داخل الشبكة في الاستدامة البيئية والتركيز على تمكين المرأة، يسعى عمل شبكة المنظمات البيئية الفلسطينية – أصدقاء الأرض فلسطين على إعادة هيكلة العلاقات الاجتماعية.

وعند تسليط الضوء على الجهود البيئية المرتبطة بالنوع الاجتماعي، على شبكة المنظمات البيئية الفلسطينية – أصدقاء الأرض فلسطين التنقل في منطقتين مهمشتين في فلسطين. وبالنظر إلى الممارسات الشاملة للاحتلال الإسرائيلي وانتهاكات حقوق الإنسان المتزايدة من قبل الاحتلال الإسرائيلي والمستوطنين، فإنّ قضايا البيئة والمرأة غالباً ما تصبح قضايا واهتمامات ثانوية. وتعترف سلطة الطاقة الفلسطينية بأهمية القضايا المتعلقة بالنوع الاجتماعي فقط، وتساهم شبكة المنظمات البيئية الفلسطينية – أصدقاء الأرض فلسطين بتطوير وتشجيع الأبحاث والاستشارات السياساتية حول تغيير نهج المؤسسات لأخذ النوع الاجتماعي بعين الاعنبار. وتتناول الشبكة المواد التشريعية لتحديد مواطن الضعف فيها وكذلك تقديم الحلول بالتنسيق مع وزارة شؤون المرأة.

وما يميز شبكة المنظمات البيئية الفلسطينية – أصدقاء الأرض فلسطين (وكذلك المنظمات الأعضاء فيها) هو نهجهم في العمل مع المجتمعات الفقيرة في فلسطين. فتعمل المؤسسات مثل مجموعة الهيدرلوجيين الفلسطينيين بشكل مباشر مع المجتمعات التي تهدف إلى مساعدتها. ويعني هذا تواجدها في الميدان والانخراط مع مجموعة متنوعة من الحقائق في النسيج الاجتماعي الفلسطيني، ويقول د. رابي أنّ "هذا هو السبب أيضا في أنّ أي تدخلات ننفذها تكون من خلال المجتمعات". ومن خلال هذه الطريقة، تحافظ شبكة المنظمات البيئية الفلسطينية – أصدقاء الأرض فلسطين وأعضاؤها على نهجهم: "نحن لا نفرض أي شيء لا يريده المجتمع، ولا نذهب للمواقع لتزويدهم بالمساعدة التي لا يحتاجونها أو لا يريدونها أو لا يفكرون بها". ومن خلال ذلك، لا تعمل شبكة المنظمات البيئية الفلسطينية – أصدقاء الأرض فلسطين على تعزيز رسالتها فحسب، بل على إنشاء علاقات مبنية على الثقة والاحترام المتبادل ضمن التنوع الاجتماعي في فلسطين.

وقد تعززت هذه القضايا والاهتمامات بشكل كبير نسبة إلى واقع الحال الذي تأسست عليه هذه المنظمات. ففي ذروة الانتفاضة الأولى في الثمانينات والتسعينات، كان المجتمع المدني الفلسطيني قائماً على الجهود الجماعية للصمود ضد الانتهاكات الإسرائيلية. وفي الوقت الحاضر، أصبح الوضع أكثر سوءًا من حيث القدرة على الوصول للمصادر وحرية التنقل، ويوضح د. رابي أنّه: "علينا أن نأخذ اعتبارات مختلفة الآن، فهناك خطر أكبر ولذا علينا أن نخطط على نطاق أوسع وبعناية وذلك ليس بالأمر السهل، وهذا أيضا بسبب تعرض الموظفين لخطر كبير". وكما تلاحظ أغا: "ترتبط الحقائق البيئية ارتباطاً جوهرياً بالحقائق السياسية في الأراضي المحتلة ". وعلى المؤسسات مثل شبكة المنظمات البيئية الفلسطينية – أصدقاء الأرض فلسطين أن تتواجد في ظل التقسيم الجغرافي والسياسي في الأراضي الفلسطينية المحتلة.

ونتيجة لتقسيم الضفة الغربية إلى ثلاثة أقسام؛ المناطق (أ) و(ب) و(ج)، يعيش معظم الفلسطينيين الأكثر تهميشاً في الضفة الغربية في المنطقة (ج) الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية. ويعني ذلك أنّ أي جهود تنسيق أو تصاريح بناء يجب الحصول عليها من سلطات الاحتلال الإسرائيلي، وهي صعبة المنال. وعلاوة على ذلك، فإنّ التجمعات الفلسطينية في هذه المناطق هي الأكثر ضعفاً، وتعتمد على القرارات الإسرائيلية من حيث التبعية. وهذا يترجم إلى عدم القدرة على شراء الطاقة النظيفة والمستدامة لأنّه لا توجد سيادة على الموارد الطبيعية الفلسطينية،  وتكون المشاريع في هذه المناطق معرضة لخطر الهدم. فعلى سبيل المثال، في أغسطس من عام 2019، هدمت قوات الاحتلال الإسرائيلية البنية التحتية للمياه التي شيدتها إحدى المنظمات الأعضاء في شبكة المنظمات البيئية الفلسطينية في  الجفتلك في غور الأردن.

وإنّ منطقة غور الأردن على وجه الخصوص تعاني من عمليات الهدم الإسرائيلية، والقيود المفروضة على الأرض والمياه والخدمات الأساسية، ومنع سلطات الاحتلال منح التصاريح، وبناء جدار الفصل، كل ذلك يزيد من التحديات التي يجب على الفلسطينيين مواجهتها هناك. وهذه الحوادث ليست حالة شاذة، ولكنها القاعدة كما يوضح د. رابي: "لقد اعتدنا على هذه المضايقات". وعلى الرغم من ذلك، تظل شبكة المنظمات البيئية الفلسطينية – أصدقاء الأرض فلسطين ثابتة في مواجهة هذه العقبات، "اتبعنا هذا النهج النابع من حق الإنسان في الحياة ولأنًنا جزء من الشعب الفلسطيني الذي لديه الحق في السيطرة على موارده وأراضيه. فكل ما نفعله، صغيرًا كان أم كبيرًا، يخدم هذا الهدف والرسالة التي تركز على الحقوق الفلسطينية ".

__________

* مريم البرغوثي: باحثة وكاتبة مقيمة في رام الله

كاريكاتـــــير