شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاربعاء 23 اكتوبر 2019م00:27 بتوقيت القدس

في إطار غياب قانون مُلزم بتوفير شروط السلامة

مؤسسات إعلامية عاملة في غزة تُغامرُ بحياة صحافييها

07 اكتوبر 2019 - 11:12
 هدى بارود

على سرير المشفى تستلقي الصحافية (ص.ب) لتتلقى علاجًا بعد إصابتها برصاصةٍ معدنية مغلفة بالمطاط خلال تغطية إخبارية في واحدة من جُمَع مسيرات العودة شرقَ قطاع غزة.

الصحافية التي كانت ترتدي سترة قماشية كُتب عليها بخط أبيض عريض كلمة (press) عند إصابتها آخر مرة بتاريخ 19 يوليو 2019، تعرضت خلال عامٍ ونصف من تغطيتها المستمرة للمسيرات لأشكالٍ مختلفة من الإصابات تتراوح بين الاختناق بالغاز والتعرض لإطلاق النار، وفي كل مرة تعودُ مُجبرةً من إدارة موقعها الإخباري إلى شرق غزة لتواصلَ عملها دونَ تأمينٍ صحي أو أدوات سلامة مناسبة تُعزز من فرص نجاتها من أي إصابة.

قالت (ص.ب) : "الموقع الإخباري الذي أعمل لمصلحته منذ عام 2011 دونَ عقد عمل لم يوفر لي ولزملائي أيًّا من أدوات السلامة الشخصية؛ ما اضطرني بعدَ تعرضي للإصابة مرتين متتاليتين بقنابل غاز إلى تفصيل سترة من القماش مدعمة بالإسفنج ومكتوب عليها كلمة press، على حسابي الخاص".

لم تتلقَّ الصحافية أي تعويض مادي مقابل ما دفعته بدل علاج وخدمات صحية، وتفاجأت بأن مؤسستها لم تؤمن على حياتها وإصابتها، فضلا عن عدم إخضاعها لأي تدريب حول شروط السلامة أثناء التغطية الإعلامية الميدانية في مناطق الخطر والصراع.

(ص.ب) ليست الوحيدة التي لا توفر مؤسستها الإعلامية أدوات السلامة الشخصية لها ودفعتها للتغطية الميدانية دونَ أي وسائل حماية لوجستية ومادية، إذ أن خمسة عشر ممن قابلناهم من المراسلين والمتطوعين والمتدربين في المواقع والصفحات الإخبارية وعلى مواقع التواصل الاجتماعي أجبرتهم إدارات مؤسساتهم على مواصلة عملهم رغمَ إصابتهم ودونَ توفر تأمين على حياتهم أو إخضاعهم لدورات سلامة مهنية أو توفير أدوات السلامة اللازمة من خوذة ودرع وكمامة وأدوات إسعاف أولي.

إصابات متعددة وعمل إجباري

لم يرغب من قابلناهم في الكشف عن أسمائهم الحقيقية خشية انقطاع مصدر رزقهم، ومنهم "محمد.س" وهو خريج حديث في تخصص إذاعة وتلفزيون ويعمل مراسلا ومصورا لموقع إخباري؛ إذ قال "أنا بحاجة لكل شيقل يدخل جيبي، وأحيانا عليَّ المغامرة لالتقاط الصور، وإن تخلفت يستبدلني المُدير بكل سهولة".

وتابع محمد: "قال لي زميل صحفي بعد إصابتي برصاصة معدنية بكف اليد إنني أخطأت بالوقوف بينَ المتظاهرين أثناء التغطية، وإن هناك شروطًا على الصحافي الالتزام بها لضمان سلامته الشخصية، وهي المرة الأولى التي أعرف بها عن شروط السلامة".

ولم يتلقَّ "محمد.س" أي تدريبات خلال عمله الذي امتد لعامين متواصلين مع الموقع الإخباري، بالإضافة إلى أنه لم يتلقَّ "بدل علاج" عن أيٍّ من إصاباته الثلاث عشرة التي كانت تتنوع بين اختناق وإصابات مختلفة بقنابل الغاز التي تعرض لها أثناء تغطيته لأحداث المسيرات شرقَ القطاع.

في الوقت الذي لم توفر أغلب المؤسسات الصحفية لمراسليها في الميدان شروط وأدوات السلامة اللازمة إلا أن بعضها التزم، فالمصور الصحافي لوكالة الرأي عطية درويش الذي أصيبَ بقنبلة غاز في فكه أثناء تغطيته لمسيرة العودة تلقى بعض المساعدة المالية التي وصفها بـ"الكريمة" من وكالته الإخبارية.

قال درويش: "عقد العمل بيني وبين الوكالة لا يشترط توفيرها لأي من أدوات السلامة الشخصية، أو تعويضي في حال الإصابة، وهو عقد سنوي"، مشيرًا إلى أنه يستعير أدوات السلامة -الدرع والخوذة والكمامة- من أحد أصدقائه.

ولا تشترط عقود العمل في بعض المؤسسات الإعلامية التي تابعناها تأمين حياة وإصابات مراسليها، أو توفير أدوات السلامة لهم أو تعويضهم في حالة الإصابة، وهي أشبه بعقود منفعة يقدم فيها المراسل الصحافي الخدمة الإعلامية للمؤسسة مقابل مبلغ مالي.

القانون الفلسطيني المسؤول عن تنظيم عمل المؤسسات الإعلامية لا يشترط عليها توفير أدوات السلامة المهنية لمراسليها إذ لم يكتب المشرعون أي فقرة في "قانون المطبوعات والنشر الفلسطيني 1995" تتعلق بسلامة العاملين في المؤسسات الإعلامية، واكتفى بتفصيل شروط إدارية ومالية للحصول على تراخيص، فضلا عن عدم إقرار المكتب الإعلامي الحكومي المسؤول عند منح التراخيص للمؤسسات الإعلامية أي اشتراطات جانبية تحفظ حق الصحفيين في الحماية والتوعية والتأمين على حياتهم.

مدير التراخيص في المكتب الإعلامي الحكومي في غزة أحمد رزقة قال " نعتمد على قانون المطبوعات والنشر الفلسطيني في ترخيص أي مؤسسة إعلامية في القطاع، وهي قوانين لا تلزم المؤسسات بتوفير شروط السلامة الشخصية للعاملين لديها".

قانون غير داعم

القانون الفلسطيني الذي تفتقر بنوده إلى بند يلزم المؤسسات الصحفية بتوفير أدوات السلامة أعفاها من مسؤوليتها عن سلامة صحافييها العاملين في الميدان، وجعلَ من المقبول أن تشتري المؤسسات أدوات بث وأجهزة تكلفها مئات الآلاف من الشواقل دونَ توفير دروع وخوذ وكمامات وصناديق إسعافات أولية أو تؤمن على حياة العاملين لديها.

ووفق متابعتنا لصحيفتين مطبوعتين في غزة، و3 مواقع إخبارية و4 صفحات إخبارية على الفيس بوك تبينَ أن أيًّا منها لم توفر أو تستمر بتوفير أدوات السلامة لمراسليها رغمَ تغطيتهم المتواصلة لأحداث مسيرة العودة، وكانت الوكالات الإعلامية الكبيرة والتي تقدم خدماتها لعدد من الصحف والمواقع الإخبارية الأجنبية الأكثر التزامًا بتوفيرها، إلا أن بعضها يتجنب التأمين على حياة المراسلين.

صاحب أحد الصفحات الإخبارية والذي يعمل خريجو الصحافة لمصلحة موقعه بالقطعة أو تطوعًا قالَ إنه لا يعرف أي تفاصيل عن شروط السلامة، ولا عن شروط الترخيص، وإنه موقع إخباري على الفيس بوك ولا يحتاج فيه إلى أكثر من جوال حديث واشتراك انترنت، في حين رفضَ صاحب موقعٍ اخباري أن يتابع حديثه معنا عندما سألناه عن سبب رفضه كتابة عقود عمل لمراسليه.

مراسلو الصفحات الإخبارية على مواقع التواصل الاجتماعي من العاملينَ في الميدان والذين تواصلنا معهم أكدوا إنهم إما استعاروا دروعًا أو اشتروا سترات مدعمة بالإسفنج تُشبه الدروع، وهم كانوا الأكثر تعرضًا للإصابة بينَ العاملين في تغطية أحداث مسيرة العودة.

عضو الأمانة العامة للصحافيين ومدرب السلامة المهنية منتصر حمدان أكدَ أن الدروع الواقية للرصاص والخوذ التي يستخدمها الصحافيون أثناء التغطية الميدانية مشروطة بمواصفاتٍ معينة تمنعُ وصول الرصاص إلى أجساد ورؤوس مرتديها فهي تحتوي على طبقات تتفتت فيها الرصاصة قبلَ الوصول للجسد، وأنّ ما يتم استبدال الدروع بهِ من سترات قماشية مُدعمة بالإسفنج خطرة جدًّا إذ لا تحمي الصحافي من خطر الموت إن تعرضَ للإصابة.

وتابع " هناك مقاييس كذلك للدروع، وتاريخ صلاحية، ويختلف سعرها وفقًا لحداثة تصميمها، ويبلغ متوسط سعر الدرع والخوذة 1500 دولار".

في حين لم يأتِ القانون الفلسطيني على إلزامية المؤسسات الإعلامية في القطاع بتوفير متطلبات السلامة والتأمينات اللازمة تتجاهل المؤسسات الأمر؛ في انتهاكٍ صارخٍ لحقوق العاملين فيها ولأخلاقيات المهنة، رغمَ أن الاتفاقية الدولية الخاصة بسلامة الصحافيين والعاملين الإعلاميين ألزمت الدول الأطراف بها ومن ضمنهم فلسطين بـ "اتخاذ جميع التدابير الممكنة عملياً لمنع التهديدات، والعنف، والاعتداءات على الحياة والسلامة الجسدية للصحفيين (....) عبرَ اعتماد تشريعات جنائية وتدريب الموظفين المكلّفين بإنفاذ القانون المتعلّق بسلامة الصحفيين"، إلا أن أيًّا من المشرع القانوني ومدراء ومُلاك الوسائل الإعلامية لم يوفروا قانونًا أو إجراءات حماية للصحافيين.

إهمال وعدم اكتراث

مدرب السلامة المهنية في غزة سامي أبو سالم قال: إن "هناك حالة أشبه بالإهمال من المؤسسات الإعلامية العاملة بالقطاع في الحفاظ على سلامة مراسليها، فأكثر المؤسسات تتجاوز مسألة توفير التأمين الصحي للعاملين لديها، وقليل من العاملين في الميدان يتلقونَ دورات في السلامة المهنية، بالإضافة إلى أن أكثر الصحافيين الذين ينقلون الأخبار من المناطق الساخنة لا يحملون شنطة إسعافات، ولا يتقن أكثرهم أساسيات الإسعاف الأولى، فضلا عن عدم توفير المؤسسات للدروع الواقية للرصاص والخوذ وكمامات الغاز".

 وأرجع أبو سالم غياب إجراءات السلامة وأدواتها في المؤسسات الصحفية إلى "ارتفاع ثمن الأدوات والمنع الإسرائيلي من إدخالها إلى القطاع، بالإضافة إلى اعتبار المؤسسات أن التدريبات على السلامة المهنية تسرق من وقت عمل مراسليها، فإما تمنعهم من حضورها أو ترسلهم في وقت إجازاتهم".

أثناء متابعتنا لتغطية بعض المراسلين الميدانية على حدود غزة الشرقية تبينَ أنهم يمارسونَ أخطاءً كان يمكن تجنبها لو تلقوا تدريبات سلامة مهنية، ومن أبرزها كان التهور والوصول إلى نقاط قريبة من جنود الاحتلال، والبقاء بين المتظاهرين، والاقتراب من مناطق إطلاق الرصاص والمصابين لالتقاط الصور، ذلكَ بالإضافة إلى أن الغالبية العظمي من المراسلين كانوا يرتدونَ سترات قماشية مصنوعة محليًّا، وبلا خوذ أو كمامات.

ذلكَ الدور المهني المنوط بالمؤسسات الإعلامية العاملة في غزة كتدريب الصحافيين على شروط السلامة المهنية أو الإسعاف الأولى وجدَ الصحافيون أنه غير جاد ؛ إذ لم تكن خلفه جهة ضاغطة، كنقابة الصحفيين والمكتب الإعلامي الحكومي في غزة.

مدير نقابة الصحافيين في غزة لؤي الغول قال إن أقصى ما يمكن للنقابة تنفيذه لمصلحة الصحافيين في سياق الانقسام الفلسطيني هو توعيتهم بإرشادات السلامة المهنية عبرَ منشورات على موقع النقابة وصفحتها الالكترونية، بالإضافة إلى دورات سلامة مهنية تنفذها بالتعاون مع بعض المؤسسات المحلية.

وتابع: "إضافة توفير أدوات ووسائل السلامة المهنية كشرط أساسي لحصول المؤسسات الإعلامية على ترخيص من وزارة الإعلام يلزمه تشريع، وهذا للأسف لا يمكن تحقيقه، غير أننا في النقابة نجتهد لنرشد الصحافيين ومؤسساتهم لضرورة الأمر وأهميته".  

وأشار الغول إلى أن الاتحاد الدولي للصحافيين وفرَ بعض معدات السلامة قبلَ الانقسام الفلسطيني كانت توزع على المؤسسات الصحفية المُرخصة العالمة في غزة، إلا أنّ منع الاحتلال إدخال معدات السلامة بعدَ أحداث الانقسام الفلسطيني جعلَ من الصعوبة بمكان توفير عدد كاف من معدات السلامة، لذا تلجأ بعض المؤسسات لشراء معدات السلامة من الصحافيين الأجانب الذين يدخلون القطاع بها.

أثناء متابعتنا لشروط ترخيص المؤسسات الإعلامية على اختلافها "موقع إلكتروني، ومطبوعة وإذاعة وتلفزيون، ووكالة أنباء" تبينَ أنها تشترط عقود عملٍ قانونية مصدقة من وزارة العمل، وهو شرط لم تحققه أكثر المواقع الإخبارية الالكترونية، وكل الصفحات الإخبارية على مواقع التواصل الاجتماعي، وهما الجهتان اللتان كانتا أكثر إهمالًا بحق مراسليها.

المهندس شادي حلس، القائم بأعمال المدير العام للتفتيش والحماية بوزارة العمل، والتي تمنح المؤسسات الصحافية عقودَ عملٍ لمراسليها، قالَ: إن قانون العمل الفلسطيني رقم 7 لعام 2000 يُلزم المؤسسات الصحافية بتوفير شروط السلامة المهنية وفق المادة 90 أو 91.

هي عبارة عن جميع المستلزمات والمتطلبات والخاصة بتوفير بيئة عمل آمنة، والتي من ضمنها توفير وسائل الوقاية الشخصية من خوذة ودرع وكمامة والإسعاف الأولي بالإضافة إلى الشروط الصحية اللازمة في أماكن العمل والفحص الطبي للعمال، تبعًا لحلس.

وأشار إلى أن وزارته تنفذ حملات تفتيشية مستعينة بخمسة أقسام تفتيش تعمل لديها واصفًا إياها بغير الكافية، وقال: "أقسام التفتيش الخمسة تُعنى بالبحث عن أي تقصير في جميع المؤسسات المُرخصة لدى وزارة العمل، وتبدأ بالقطاعات ذات الخطورة العالية كقطاع البناء".

 وأكد حلس أن الالتزام في المؤسسات الإعلامية بتوفير شروط السلامة نسبي غير أن وزارته وفق الباب العاشر من قانون العمل القانون يحق لها أن تنبهها وإن لم تستجب تنذرها، وتنفذ بحقها إجراءات ضبطية توصلها للنيابة العامة في حال واصلت عدم التزامها.

ومن الجدير بالذكر أن الباب العاشر من قانون العمل الفلسطيني يلزم المخالفين لبنوده بدفع غرامات تتراوح بين 100 إلى 300 دينار عن كل المخالفات.

وفي الجدول التالي قائمة بالمؤسسات الإعلامية المُرخصة لدى المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، كانت المواقع الإلكترونية المرخصة فيها 17 فقط في حين عددها أكثر من 20 موقعا ووكالة تعمل فعليًّا في مجال التغطية الإخبارية ونشر الأخبار.

مدير التراخيص في المكتب الإعلامي الحكومي في غزة أحمد رزقة، قالَ إن دورهم في المكتب الإعلامي حكومي ضابطً للعمل الصحفي المُرخص، وهم جهة تجتهد في تنظيم العمل الإعلامي غير أن المواقع الإخبارية الالكترونية والصفحات الإخبارية جهد شخصي لمجموعة عمل تتكون من صحافيين أو خريجين ومتطوعين، ومن الصعب بمكان ضبط عملهم لأنهم عبارة عن مساحة الكترونية"، وهو ما اتفق معه مدير نقابة الصحفيين في غزة لؤي الغول، مؤكدا أن على أن النقابة والمكتب الإعلامي أن يتعاملا مع أي شكوى يقدمها صحفيو ومتطوعو تلك المواقع بجدية.

وكانت أغلب الشكاوى يقدمها صحافيون حرمتهم المواقع والوكالات الإخبارية التي يعملونَ معها بعقود ودونَ عقود من رواتبهم الشهرية أو المقابل لمنتجاتهم الصحافية، أو فصلتهم من العمل بشكلٍ تعسفي، ولم ترد شكاوى من الصحافيين حولَ إجبارهم على التغطية الإخبارية في المناطق غير الآمنة دونَ توفير أدوات السلامة.

غياب القانون الذي يُلزم المؤسسات الإعلامية بحماية مراسليها في الميدان عن طريق توفير أدوات السلامة وإخضاعهم لدورات معرفية حولَ شروط السلامة وتأمين حياتهم جعلَ الحديث عن أمن الصحافيين غير جاد، فعلاوة عن أن التراخي الرسمي في متابعة الظروف القانونية للمواقع الإخبارية والصفحات الالكترونية الإخبارية جعلَ الصحافيين يقبلونَ التعرض للخطر أثناء تأديتهم مهامهم الصحفية دونَ أي حمايةٍ تذكر.

اخبار ذات صلة
صــــــــــورة