شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاحد 15 سبتمبر 2019م12:53 بتوقيت القدس

أستاذة من تل الحكايا

08 سبتمبر 2019 - 09:08
صالح مشارقة

منقول عن ألترا فلسطين:

"كان لي جدٌ يناديني: تعالي يا بنت الشيوعي... تعالي يا بنت العرص، والله أبوكِ غير يوزع مرج البلد على الناس ويخلينا على الحصير".

"كان لي أبٌ لم ينجبني بيولوجيًا فقط، بل ولد في أحشائي مثل إبني، تخيلت كيف يعذبونه في السجن بأن يجلسوه على بابور الكاز وهو مشتعل، أو كيف يقطعون جسمه، أو يرمون جثته في الشارع".

"كانت لي أمٌ بسيطةٌ وقرويةٌ وزوجة أسير سياسي، تتحايل على الفقر والجوع، وتتغلب على البرد في الليل بأن تجعلنا ننام مثل بنات الشدة، رأسٌ وقدمين على كل طرف كي يكون الفراش دافئًا".

"كان حلمي الوحيد وأنا بنتٌ صغيرة، أن أنتسب للحزب، أدخل عملية "الفوّلذة"، وأصبح مناضلة تقدمية أسجن ويتم تعذيبي ولا أعترف وأقاتل وربما استشهد. ويكتبون عني الروايات".

بهذه السرديات الصغيرة، عزيت نفسي صباح يوم الأحد الماضي عندما انتشر خبر اعتقال الزميلة وداد البرغوثي. ذهبت بشكلٍ عفويٍ إلى مكتبةٍ جانبيةٍ في المطبخ، لأفتش عن روايتها "تل الحكايا"، طاقةٌ هائلةٌ دلتني على الكتاب بدون نظارة، وجلست اقرأ وأتضامن لأعرف كيف ستصمد في التحقيق وتقتل الوقت في الزنزانة.

رواية تل الحكاية نموذجٌ للسردية الفلسطينية التي تحفر في الصوان على رأي السوفييت، لفرط صدقها وطهارتها. صدقٌ ورهبةٌ تجعلك ترتجف وأنت تقرأ الكلمات، أنت معها الآن على الطاولة، ترتجف عندما اكتشف والدها أنها دخلت الحزب الشيوعي الذي خانه، يقرعها بهمس: لماذا تركت أوراق الانتساب مكشوفة في حقيبتها، أنت معها عندما نادت عليها معلمةٌ ستجندها للحزب، وعندما جاءت معلمةٌ أخرى إلى الغرفة، رفعت المعلمة الحزبية صوتها قائلة: "سلمي على إمك يا نجاة".

في الرواية فوجئ بشابٍ شيوعيٍ اسمه سعيد في الرواية وعادل البرغوثي في الحقيقة، يترك القرية وهو "أبو البنات الثلاثة" بلا أولاد ذكور، يقود تيارًا عسكريًا داخل الحزب الشيوعي من نقطةٍ ميتةٍ قرب جامع العين في مدينة البيرة، فيخذله رفاقه في الحزب لأنه قاد "نهجًا تدميريًا" لتوجهات الحزب السلمية في فلسطين.

وفي "كان" التي تكتبها وداد عن ذلك الزمن، تركب السيارة من كوبر إلى رام الله، مع أبٍ يدبر حقيبة ملابس بالدّيْن لابنته الذاهبة غدًا للدراسة في الاتحاد السوفييتي، ترى وجوه أقارب وجيرانٍ يقاطعون العائلة لأنهم يرسلون ابنتهم الصغرى إلى بلد الشيوعيين، وفي عمان ترى مكاتب الجوازات والمخابرات، وتُمنع من السفر من المطار وتسافر إلى سوريا برًا كي تلتحق بالدراسة في وقتها.

في الرواية ثمة نقدٌ لم يسمعه أحدٌ لقيادة الحزب التي انتقدت العمل العسكري الفلسطيني. د. وداد المحاضرة الجامعية التي تقاتل حركة فتح الآن على كل صغيرة وكبيرة، ذات زمن اختلفت مع مسؤولتها في الحزب، لأنها تهجمت على "أبو جهاد" وعملية دلال المغربي على الساحل المحتل.

ستترك دراستك، أو ستتركين دراستك، وستذهب/ين مع الشباب من موسكو إلى بيروت، للمشاركة في صد الاجتياح الإسرائيلي. ستكون لك مجموعة فدائية في طرابلس، وفي موجة قصفٍ تقع قذيفةٌ على الخلية، تصحو من الدوي بضحكاتٍ على ماء الثلاجة الذي غطى بنطال أحد الرفاق، وتسمع أحدهم يهد الخوف بالمزاح: "عملها على حالو". في تلك الليالي ترى شبانًا فلسطينيين في الثمانينات، يقفون على أسطح العمارات في بيروت وينظرون جنوبًا، وكلما رأوا ضوءًا يقولون: "هذه حيفا.. إلى هناك سنذهب".

وداد الشيوعية المسكونة بـ"الفولذة الحزبية" لا تنفكُّ تأتيك بسرديات نساءٍ من صوان، رجال من شجرة، جدةٌ رفضت أن تبكي عندما أعدم البريطانيون ابنها، راعي أبقار شيوعي يفضل أن يترك الماء للوضوء أكثر من الشرب، يتيمُ أحد الذين أعدمهم الإنجليز وأمه الأرملة يعيشون "ايفوبيا" ربط أي خيط على يد، أو سنسال على رقبة، أو حبل على شجرة.

تقرأ وتشعر أن وداد تسقي الصوان على طريقة الشيوعيين، تقول لك كل شيءٍ بجذريةٍ وأصلانيةٍ وثأرٍ من معنى سائد يجب تغييره.

اقرأ رواية تل الحكايا، وأتابع كم ينتظرون في هذا التل عودة "العمة" من السجن، وأعرف كم الحزن الذي يلف دائرة الإعلام في جامعة بيرزيت، هذه الدائرة التي فيها ساجي شهيد وعبد الكريم أسير، واستبرق ولينا أسيرتان محررتان، ونهيل ودينا عصفورتان في الأبد، أعرف كم يتم انتظار الأستاذة القادمة من تل الحكايا.

الأستاذة من تل الحكايا سجنت مع ابنيها كرمل وقسام، ومع طالبتها القادمة أيضا من مخيم حكايا، مع الصغيرة المجروحة على أخيها وابن عمها الشهيدين ميس أبو غوش. نحن في انتظارهم جميعًا.

صــــــــــورة