شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاحد 15 سبتمبر 2019م13:04 بتوقيت القدس

غزة في القلب

عن لقاء تأخر عشرون عاما...!!

18 اعسطس 2019 - 13:19
هداية شمعون

هذه هي المرة الأولى في حياتي التي أحظى بإجازة حقيقية إجازة من العمل وخارج البلاد تساعدك في صفاء ذهنك والتخلص من كافة الضغوط والأعباء التي تنهال عليك في منطقة تعيش على أعصابها كما غزة، وهي المرة الأولى التي ترافقني فيها أسرتي الصغيرة أولادي وزوجي، المرة الأولى التي يسافر فيها أطفالي، المرة الأولى التي يصعدون بها طائرة...!!

المرة الأولى التي يلتقون بإخوتي وأخواتي وبنات وأولاد إخوتي وأخواتي والأقارب أولاد وبنات الخال، وبالنسبة لي فهذا اللقاء لم يحدث منذ عشرون عاما.. نعم منذ عشرون عاما لم يلتئم شمل عائلتنا فقط لأننا في غزة...!!

لسنا وحيدون ولسنا خارجين عن المألوف ولسنا نحن فقط من حرموا لسنوات عجاف من لقاء عائلاتهم فكل بيت فلسطيني فيه الحرمان يعشعش في قلوب وعقول الجميع رغما عنهم.. هل السبب الاحتلال؟؟!! هل السبب الحصار؟!! هل السبب الانقسام...! والله لا أعرف ولم يعد لدينا الرغبة لنعرف نتائج مريرة نعيشها بحالة الاغتراب القصري عن أهلنا وأحبابنا ...!!

مزيج الفرحة التي عشتها خالجها الكثير من الحزن والألم.. هل فقدنا مشاعرنا بفعل الأحداث السياسية المتسارعة والقضايا الكبيرة التي بتنا نناقشها وكأننا نلقي السلام أحدنا للآخر، نصبح ونمسي في سيرة الفقر والوضع الاقتصادي المنهار، وأفق المصالحة ومفهوم الإعمار وحقائق تتغير على الأرض بهزيمة مئات البيوت والبشر من قاطني قطاع غزة، نحصد أرقام الشهداء والجرحى ونعيد الإضافة كل يوم جديد لعدد الضحايا ممن رحلوا بفعل القصف الإسرائيلي أو نكشف عن قصص مئات الأسر المستورة ونصيغ مجلدات في معاناة السعي للحصول على ماء وكهرباء، ونسينا مشاعرنا في هذا الطوفان اللامتناهي من الأزمات الحقيقية والمفتعلة، مسلوبين بدقائق عمرنا ورهائن لإدارات غبية جعلت الانقسام يتربع في حياتنا ويحدد مصائرنا فبتنا بلا روح!! هل من حقنا أن نعيد اكتشاف مشاعر الحب والدفء العائلي، الفرح الطفولي وأحلام الأخوة والأخوات حين كانوا صغارا..

 لقاء لازال يقهرني من أعماقي لماذا هذا الهدر لسنوات عمرنا ولأحلامنا ولمآقينا؟؟!! لماذا على الفلسطيني في غزة أن يبقى في دائرة لا تنتهي من الحرمان من السفر ولقاء أحبته والعيش بشيء من الفرح.. فراغ كبير يحدق في طاقتنا المسلوبة على الدوام...!! لماذا ولأجل من تمنهج مصطلحاتنا اليومية بتابوهات تجدد الغباء وفقدان البوصلة وتيه كبير يحمله المستقبل لنا ولأطفالنا..

هذا اللقاء ذو العشرون عاما جعلني أقرأ المشهد بطريقة مغايرة تماما للقاء متوقع أن يحمل فقط الحنين والشوق لمن تربيت معهم وفي كنفهم.. سنوات ضوئية ممتدة بين من عاشوا وتسمرت بهم الحياة داخل غزة ومن حلقوا خارجها...!! لن يشعر أحد بالفرق فقط من عاشوا ويلات حروب وحصار ووأد للإنسان في القرن الواحد والعشرون...!!

في الأيام الأولى اضطررنا للبقاء في القاهرة حتى نتمكن من إعادة حجز الطيران بعد أن كادت أن تنتهي تواريخ الفيزا الخاصة بالإمارات، وكنا محظوظين بسفرنا في الأيام الأخيرة قبل انتهائها، لقد مكثنا ما يقارب الشهرين ننتظر أسماءنا في الكشوف الصادرة من الداخلية دون جدوى، وجاء عيد الفطر وانتهت إجازته ونحن في حالة ترقب دون جدوى...!! أيضا هذا ليس حالنا وحدنا فتسجيل السفر أشبه بحالة تعجيزية للمواطن الغزي، فإذا كانت لديه فيزا أو تأشيرة فهي لم تعد ميزة في ظل أعداد المسافرين المهول والمسجلين منذ أشهر وصلت بالبعض 6 أشهر كاملة دون جدوى أن توضع أسماؤهم في الكشوفات...!! الغريب في الأمر أن لكل حصته من المسافرين في كل مرة، وأيضا حصة مناسبة للمؤسسات أو بعضها.. أما من يحاول السفر لسبب عائلي فهو ليس سبب مقنع على ما يبدو ليكون تسجيلك مهما النظر فيه من الأساس؟! لقد وصلنا لمرحلة تجزئتنا وتشيئنا وكأننا ريبوتات فمن الممكن أن يساعدك منصبك الوظيفي أو النقابي بشكل أو بآخر، وربما لو كنت مريضا ولديك أوراق ثبوتية ربما تكون محظوظا أن يتم الالتفات لك، ولو كنت طالبا قيد الدراسة لست متأكدة أنك ستكون قادرا على السفر أيضا، لكن أن يكون سبب السفر لم شمل عائلي ومؤقت، فهذا أمر غير مهم وفيه الكثير من الترف عليك ألا تعاند الأطر الجديدة في مفاهيم من يسافر ومن لا يسافر...!! إن قولبة المعايير كل حين، إنما يدلل على العجز الحقيقي لدى المسؤولين في إدارة شؤون الحياة الإنسانية والقبول بأدنى المعايير ليس من شيم المهنية والمنطق في شيء...!! أكتب هذه الكلمات وقلبي يختنق مما نواجهه في سبيل حرية الحركة والتنقل كحق آدمي لكل البشر في غزة.. لقد أصبح الحق ترفا حق التنقل والسفر، الحق في العلاج والحق في الحياة والحق في التنفس بحرية!!.. كل ذلك أصبح مفصلا وقابلا للتجزئية فقط لأننا في غزة...!!!

على صفيح نار نصحو ونكابر لنعيش حياة أقل من عادية انتزعت منها بهجتها لكثرة مسببات التنغيص، ليس ترفا أن يحلم الأطفال أن هنالك حياة بأكملها خارج أسوار غزة، والأصل ألا يكون مستحيلا أن يفكر أي منا للسفر والعودة بحرية كما باقي البشر، فحين نتحدث عن معاناة غزة قصتها الأبدية في التفاصيل اليومية تكاد تتوقف أنفاسك؟؟!

 كيف يفهم الآخر روايتنا وكيف يمكننا أن نذكرها بكل تفاصيلها الدامية ولكثرتها تقفز عن الكثير من الملامح المقهورة تلك التي باتت تحمل سمة الحاضر، هل تبدأ من بقايا البيوت المغبرة بفعل مقتل المئات من أمثالها كليا أو جزئيا...!! حتى البيوت تحزن لفقد مثيلاتها، أم هل تبدأ بحكايات الجيران المقطعة أوصالهم، أم عن حكاية كل يوم جمعة ووجع الأمهات والعائلات على من يغادروا الحياة قسرا، هل تبدأ بمن يدفنون بعضا من أجسادهم ثم يتركون وحدهم يلوكون قهر المعيشة دونما رفيق، أم هل تبدأ بحكايات الحب الهارب من بيوت باتت تقاسي لقمة العيش وحدها، فلا تجدها وتجد الكثير من الفقر والقهر والشكوى، هل تنسى كل ذلك وتبحث عن وجوه تبحث في الظلام عن حبة دواء عله يسند مرضها، أم عن قلوب نامت مقهورة من ظلم لا طاقة لها به...!!

حسنا قد تجد نفسك في إحدى الحوارات تتوقف عن التفكير بكل القهر والوجع والألم الذي يحملك أنت وتود أن تمارس سطوتك بأن تلغي ذاكرتك لبعض الوقت، لتنهل من الفراغ حولك ما قد يلهمك في رحلة أخرى.. تشعر وكأنك خارج للنقاهة من جسدك ومن ذاكرتك اليقظة دوما، وتحاول أن تنساب في سبات يومي تقليدي لكنه ظالتك الآن..

حين تتحسس وجه أخيك بعد عشرين عاما تعود لتتحسس عمرك الذي احتجز في سنوات الحرب واللاسلم الموت والحرمان الاقتتال وسحابة صيف ألقت بغبارها على سنوات طويلة من قلبك فتجد أنك استنزفت حياتك فيما اقترفه الآخرون في بلدك...!! تتحسس وجوه الصغار الذين باتوا شبابا وأنت جئت تحمل صور بعضهم أطفالا وبعضهم لم تلتقطه كاميرتك فقد تجاوزك الزمن.. أنت الآن في زمن آخر وحلم لشخص آخر فماذا تنتظر؟

_________________

(*) كاتبة وإعلامية فلسطينية

صــــــــــورة