شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاربعاء 20 نوفمبر 2019م19:26 بتوقيت القدس

التاريخ الموازي للسردية الإسلامية

05 اعسطس 2019 - 09:29

شبكة نوى، فلسطينيات: منذ أن نشأنا، ونحن لا نعرف عن تاريخنا الإسلامي سوى سردية واحدة، تكاد تتفق عليها جميع المذاهب والفرق الإسلامية، تبدأ بقصة قريش، من مكة المكرمة، في القرن السادس الميلادي، وظهور النبي محمد صلي الله عليه وسلم، ومعه صحابته، ومن بعدهم الخلفاء الراشدون، ثم الأمويون، فالعباسيون، وهكذا.
قد يختلف الرواة والمؤرخون على بعض التفاصيل، والأحداث هنا وهناك، إلا أن السردية بخطوطها العامة تقريباً واحدة، متسقة، متصلة، منطقية إلى حد كبير، ونحن نعرف أهم مفاصلها وأحداثها وشخوصها.. بينما المختصون يعرفون أدق التفاصيل، بالأسماء، والتواريخ، وماذا قال فلان، وماذا رد عليه جاره.
هكذا وصلتنا السردية الإسلامية، من كتب السيرة النبوية، وقصص الصحابة، وأخبار الغزوات.. وبعض تلك الأحداث وردت في القرآن، وبعضها جاء في كتب الأولين، وما تناقله الرواة أباً عن جد.
ماذا لو عرفنا أن هناك تاريخاً آخر مختلفاً عن كل ما نعرفه؟ تاريخ موازٍ، يتناقض مع جميع التاريخ التقليدي الذي عرفناه (أو مع أجزاء كثيرة منه)!! ولا أقصد هنا محاولات البعض لتجميل التاريخ، وإخفاء عيوبه.. أو محاولات آخرين للتنقيب في نفس التاريخ، وإظهار كل عيوبه ومساوئه.. ففي الحالتين ثمة اتفاق على الخطوط العريضة لمسار التاريخ، وعلى تاريخية شخوصه.. ما أعنيه هنا، تاريخ جديد مختلف، مبني على أنقاض السردية التقليدية.
والملفت للانتباه أنّ من يقولون بذلك، لا يشبهون بتفكيرهم السطحي أصحاب نظرية الأرض المسطحة، ولا هم من أصحاب نظريات المؤامرة، إنهم نخب مثقفة من كبار المستشرقين، ومن مؤرخين ومنقبين مرموقين، لهم مكانتهم في الأوساط العلمية. 
وعندما نقول مستشرقين، يخطر ببال القارئ على الفور العداء للإسلام، وحملات التبشير، ومحاولات تشويه التاريخ الإسلامي المجيد.. ومع أنّ هذا صحيح نسبياً، لكن يجب ألا ننسى فضل بعض المستشرقين على إعادة كتابة فصول معينة من تاريخ المنطقة بشكل علمي، أو على الأقل إناراتهم وإسهاماتهم المهمة في الحضارة والثقافة الإسلامية.. فهم ليسو سواء، لكن ما يميزهم أنهم تناولوا التاريخ بشكل مجرد، بمعزل عن المقدس، ودون أي تابوهات.
ويجب التأكيد على أنني لا أدافع عن هؤلاء المستشرقين (سأذكرهم بالتفصيل لاحقاً)، ولا أتبنى وجهات نظرهم بالكامل، ولا أؤيد بالضرورة ما انتهوا إليه، وما أعاد تأكيده مفكرون عرب ومسلمون في مرحلة لاحقة. كل ما في الأمر أن هناك وجهات نظر مختلفة، وقد تكون مفاجئة وصاعقة للبعض، أو ساذجة ولا تستحق الرد من قبل آخرين.. يجدر أن نعرفها، وأن يدور نقاشٌ حولها.. لأن الموضوع من ناحية تاريخية/ أكاديمية خطير ومثير، خاصة لمن يبحثون عن الحقيقة.
لكن هذا التاريخ "الموازي"، أو التاريخ "الآخر" ليس حاضراً على شكل سردية متناسقة متصلة، بل هو مجرد نظريات، تقترح مسارات أخرى مختلفة لتطور أحداث المنطقة، خاصة في المراحل التأسيسية (أي المراحل التي ستؤسس لكل التواريخ اللاحقة).
بعض تلك النظريات تبدأ من قبل ظهور النبي محمد، بمسار مختلف كلياً، وبعضها تبدأ من يوم دخوله المدينة، ولكن باعتبار أن الهجرة أتت من الشمال، لا من مكة! وبعضها تبدأ بعد ذلك بقرن، ثم تعود لفترة النبوة بأثر رجعي، ولكن بمنظار جديد.. رغم كل هذه التناقضات، إلا أن تلك النظريات تطرح أسئلة محيرة بالفعل، وتلفت الانتباه لتفاصيل لم نكن نتنبه لها، أو تكشف عن ثغرات في السردية التقليدية، أو عن تناقضات بين أجزائها، أو تقدم أدلة تاريخية مادية يصعب إنكارها.. وهذا ما يدعونا للتفكير بجدية، وإعادة نبش تاريخنا من جديد.
النقاط التالية، أهم ما جاء في تلك النظريات، وباختصار:
مكة لم تكن موجودة قبل القرن السابع الميلادي، قريش قبيلة سكنت بادية الشام.. الإسلام بدأ من البتراء.. العرب، أو الهاجريون، أو البدو بقيادة النبي محمد تحالفوا مع اليهود لطرد الرومان من القدس.. الدولة العربية بدأت فعلياً مع معاوية، معاوية كان مسيحياً، يدفع الجزية لبيزنطة، استقل معاوية عن بيزنطة، بعد انحسارها عن المنطقة، نتيجة حروبها مع الفرس، تلك الحروب أنهكت الطرفين، ما فتح المجال للعرب ليبنوا دولتهم لأول مرة في التاريخ.. الإسلام دخل تدريجياً الدولة الأموية في العهد المرواني.. العباسيون هم من أكمل بناء وتثبيت الإسلام.. كتب السيرة والتفسير والفقه ظهرت لأول مرة في العصر العباسي.. لغة القرآن تأثرت بالسيريانية.. عبد الله بن الزبير تقريباً هو مؤسس مكة، بعد أن تصادم مع الأمويين.. إلخ.
قد تبدو تلك الأطروحات غريبة، ومستهجنة، لكن من يطرحونها يستندون إلى ما اعتبروه أدلة دامغة، وإذا كانت تلك الأطروحات قد ظهرت قبل قرن أو أكثر، وظلت مهمشة، فقد بدأت مؤخراً تتكاثر أصوات من يؤمنون بها، حتى صار لديهم عشرات الكتب، والدراسات، وعشرات الأفلام التوثيقية على قنوات اليوتيوب. 
معظم من ردوا عليهم، لجؤوا لأسلوب التهجم والقذف، وتوجيه الاتهامات، وتسفيه تلك الآراء، وهذا خطير، ليس لأني أشفق على أصحاب تلك النظريات، بل لأن أسلوب التهجم وصب اللعنات، أو الرد بشكل سطحي وكلمات إنشائية، وتوصيفات أخلاقية أيديولوجية، وعبارات جاهزة منقولة حرفياً.. هذا الأسلوب يصب في مصلحة أولئك الذين يروجون لنظرية التاريخ الموازي، خاصة أنهم يتحدثون بأسلوب وأدوات العلم.. لذا، أطرح الموضوع هنا، لفتح نقاش عقلاني، هادئ، يفتش عن الحقيقة، دون تعصبات.
ثمة ثغرات قاتلة في تلك النظريات، والعديد من التناقضات، والكثير من الأسئلة التي لم تجب عنها.. لكن هذا لا يقلل من خطورة وأهمية تلك الأطروحات، فقد يتمكن بعضهم من ردم تلك الثغرات، أو الإجابة عن أسئلتنا بشكل مقنع.. هذا غير وارد حالياً، لكن لا توجد ضمانة لأن تتطور الأمور مستقبلاً بأشكال غير متوقعة.
لقد تمكن المنقبون من هدم الرواية التوراتية، وهناك مؤرخون يعيدون كتابة تاريخ المسيحية.. وعلينا أن ندرك أن كتابة التاريخ تعتمد فقط علم الأوركيولوجيا، أي على ما يجده الباحثون من أدلة مادية، وما يتوصل إليه العلماء من ربط منطقي بين الأدلة وما تحلله الأجهزة الحديثة، وما يتقاطع، ويتفق عليه مختلف حقول العلم.. ولن ينفعنا الاحتماء بالنصوص والأيديولوجيات فقط.
هذه دعوة لمن لا يريد دفن رأسه في الرمال.
هذا كل ما في الأمر.

كاريكاتـــــير