شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاحد 18 اعسطس 2019م12:20 بتوقيت القدس

الشباب الفلسطيني والبحث عن الدور الفاعل في الحالة الفلسطينية

29 يوليو 2019 - 09:50
رامي مراد

مهم تناول الشباب كمكون فاعل بحد ذاته، وكذلك كجزء مكون لبنية التفاعل الكلية في السياق الفلسطيني، كما أنه بالإمكان تناوله كذلك باعتباره هدف يسعى لتحقيق وضعية خاصة من خلال بلورة مطالبه في إطارها المرتبط موضوعياً مع مكوناته المحيطة، وذلك من خلال نضاله متعدد الأشكال للمساهمة في البحث عن موقع أكثر قرباً من طموحه ومطالبه، ويليق بدوره ومكانته.

فلا يمكن وضع كل الإشكاليات الاجتماعية– الثقافية، وكذلك السياسية- الاقتصادية للشباب في سلة واحدة وإطلاق حكم معين عليها، بل تغيرت هذه الاعتبارات وتبلوراتها من فترة لأخرى، ومن موضوع لآخر، حسب طبيعة العلاقة التي تحكم النسق العام بين الشباب والنسق السياسي المتشكل والقائم، والمكون الاقتصادي كذلك الذي يتفاعل معه ويندرج ضمنه.

الشباب يجد في الأبعاد الاجتماعية والتربوية والعمليات المرتبطة به مكاناً ثابتاً وهاماً، بحيث يعتبر هذا البعد ملتصق إلى حد كبير بوظيفة الشباب، وأنه كلما اتسع هامش الاعتبارات الاجتماعية والتربوية يكون الشباب أمام خيارات أوسع للتأثير، ومن خلال تناول المجتمع الفلسطيني نجد أن الشباب الفلسطيني اضطلع بأدواره الاجتماعية والتربوية وتأثر بما تأثر به هذا الدور ومكانته وتغيراته ضمن تفاعلات المجتمع التي لم تنفك عن سياقاتها الابوية والبطريركية التي تتعامل مع الشباب كفاعل مستخدم وتأكيد تابعيته لمراكز النفوذ الأبوية والذكورية في الحالة التفاعلية الكلية على مستوى المجتمع.

والمساهمات الاقتصادية والسياسية للشباب الفلسطيني كانت محدودة ليس بالنظر إلى الدور الذي يقوم به في هذا الاسهام، ولكن بمدى حضوره في صناعة هذا النسق والمشاركة في تكوينه وتجسيده، وهنا نجد أن الشباب الفلسطيني وبرغم الأدوار الاقتصادية والسياسية المختلفة التي اضطلعوا بها ما زال غير قادر على تطويع هذه الأدوار والمساهمات في خدمة قضية الشباب ومطالبه، وتحرره من القيود الاقتصادية والسياسية التي تحجم هذا الإسهام المباشر وغير مباشر للشباب المحكوم للبنى الفوقية التي تقرر مساحات التمثيل للشباب على مستويات مختلفة وتحدد طبيعة هذه الإسهامات ومكانها ضمن النسق العام الاقتصادي والسياسي.

إن موقع الشباب من خريطة القوى السياسية والاقتصادية يتحدد ويكون رهين بمدى قدرة الشباب على إيجاد هذا الموقع، ولم تتح له القوى السياسية والاقتصادية مكاناً ثابتاً، وهذا ما يثبته التباين بين دور الشباب السياسي والاقتصادي من منطقة لأخرى، ومن ظرف لآخر، وأن هذه الجزئية أبانت عن مساهمة نوعية للشباب في القاعدة الاقتصادية والسياسية، دون أن يكون له موقع محدد محصور بهذه الخريطة، ولكنه قد يسعى إلى تناسب الدور مع الوظيفة وتناسب الوظيفة مع الموقع والمكانة، وهذا ما لم يتحقق في الحالة الفلسطينية، حيث يعتبر الشباب الفلسطيني أن موقعه لا يتناسب مع إسهامه الفعلي، بالرغم من الخصوصية وبالرغم من أهمية دوره النضالي على المستوى الوطني الذي بقي حبيس البنى الفوقية وسياقه الثقافي المحكوم بالمركزية والأبوية، ظلت مساحات التمثيل والتشكل الشبابي رهينة هذه النظرة التقليدية في تعاطيها مع الشباب كفاعل تابع.

لقد أدت التغيرات الفوقية على مستوى طبيعة النظام السياسي القائم والمعادلات التي تحكم نشأة وعمل السلطة الفلسطينية، والعلاقة مع الاحتلال التي فرضتها شروط التسوية السياسية، إلى كشف النقاب عن حجم دور وفعل مختلف مكونات الحالة الفلسطينية، وكان الشباب أحد أهم المكونات التي نالت نصيب من التغير على مستوى شكل النضال ومضمونه، وعلى مستوى موقعه من خريطة القوى السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي أحدثها نشأة السلطة الفلسطينية، حيث زاد التأكد من أهمية الفصل النسبي بين المؤثرات المختلفة والمنجزات المتحققة. فبالرغم من تجربة الانتخابات على المستوى السياسي، إلا أنها لم تنتج حركة شبابية سياسية وازنة تستطيع التأثير على صناعة وصياغة القرار السياسي، وبالرغم من انخراط الشباب في بنية السلطة ومؤسساتها، إلا أنهم لم ينالوا نصيبهم الوافي في مراكز صنع القرار والدرجات الوظيفية العليا، والهيئات القيادية، كذلك ما تعلق بالمتغيرات الاقتصادية، فقد اضطلع الشباب بأدوار لم تنعكس على وضعيتهم الاقتصادية الكلية، وحتى الاستقلال المالي الذي حاز عليه بعض الشباب لم يكن كفيلاً بتحرر الشباب من قيود جاثمة تحد من فعاليتهم ودورهم الاقتصادي في البناء الوطني.

ومع استهداف السلطة بشكل مباشر من قبل الاحتلال، ومع عملية الحصار الاقتصادي والسياسي، وتصاعد وتيرة العدوان الإسرائيلي، ومع حجم المتغيرات الداخلية من انقسام وفلتان وانهيار القيم المجتمعية وتدني مستوى خدمات التعليم والصحة، والأخطار البيئية، والكثافة السكانية، وكلها قضايا أثرت بشكل مباشر على الشباب بحد ذاته وعلى دورهم العام، وتحولت أجندات العلاج ذات طابع دولي لم يراعِ إلى حد كبير خصوصية الشباب الفلسطيني، وواقعه السياسي وبذلك انصبت هذه المعالجات في أغلبها إلى تحسين الطابع المعيشي وليس الأدائي، وبمعزل عن الاحتلال كمعيق للتنمية، بل في كثير من الأحيان تعاملت هذه الأجندات مع الاحتلال كشريك في التنمية. وانصب الاهتمام أكثر بالعلاجات الآنية الاغاثية دون أن تتبنى رؤية تنموية واضحة لنهضة الشباب، وإعادة دمجهم في المركب العام بوظائفهم المتعددة، ولم يأتِ هذا الحكم إلا بعد استقراء سريع لأوجه الانكشاف الذي بات الشباب الفلسطيني يعيش به، فهو بات ضحية كل هذه المتغيرات، وما يؤكد ذلك ارتداد كثير من القاعدة المجتمعية-الجماهيرية إلى السلفية، وتجدد ظهور إشكاليات قديمة أعادت إنتاج ذاتها بفعل المناخ المضطرب الذي يتعاطى مع الشباب باعتباره بند مهمل ومهمش له دور وظيفي أدائي بحت، بعيد كل البعد عن صناعة القرار، وهذا ما جعل الشباب أنفسهم وقود للانقسام، وهو ذاته من يدفع باستمرار فاتورة غياب ثقافة التسامح والحوار، وظل التعاطي مع الشباب محكوم للبنى الفوقية والثقافة الأبوية والتي أخذت بفعل أجندات التمويل شكلاً حداثوياً روج لاعتبار الشباب مكون منفصل بذاته ولذاته عن سياق مكونات المجتمع وقضيته المركزية المرتبطة بالنضال لإنجاز التحرر الوطني.

وامتدت سنوات العمل مع الشباب على مستويات أثرت بشكل كبير في خطاب ليس فقط المؤسسات الأهلية التي خضعت بوعي لهذه الرؤية، وإنما أيضاً في خطاب وبرامج الأحزاب السياسية التي تعاطت ربما دون وعي مع خطاب تمييز الشباب وتأطيرهم في بنى تنظيمية واجتماعية ونقابية منفصلة عن باقي مكونات الحزب وأطره التنظيمية والنقابية، وتصاعد هذا الخطاب الذي أسس لنخبة شبابية بدأت تتحدث عن حزب شبابي وقائمة شبابية... الخ وتجاوزت بشكل مقصود الصراع الطبقي ودوره في تأطير الشباب غير المنفصل عن مكونات مجتمعه وشرائحه المختلفة. وضمن هذه الرؤية لا بد من إعادة تنظيم العلاقة مع الشباب وفقاً للتالي:

تسليط الضوء وتركيز الاهتمام على الأبعاد الاجتماعية والتربوية لدور الشباب الوظيفي في الحياة العامة، وتعزيز قدراته في هذا المجال، من خلال دعم وتطوير برامج العمل المجتمعي، وتوسيع نسبة المشاركة الاجتماعية للشباب بالعمل الخيري والطوعي والمنظم والذي لا ينفصل عن أهمية إعادة بناء وتفعيل الأطر النقابية والاتحادات الطلابية.

العمل مع المجموعات والمؤسسات القاعدية لتقريب الشباب من العمل العام والتأثير في برامج هذه المجموعات والمؤسسات، وبالتالي تعزيز دوره في التأثير على الحيز الأوسع وهو المجتمع وتحفيزه الى الانخراط في الأطر والاتحادات والنقابات.

التعاطي مع قضية الشباب باعتباره جزء صانع لعملية التنمية وليس مجرد هدفاً آنياً لها، بمعنى دمج الشباب وزيادة نسبة تمثيله في المجالس والهيئات المختلفة للمؤسسات المختلفة والمشاريع والبرامج التنموية التي تستهدف الشأن العام باعتباره جزءاً فاعلاً ضمنها وليس منفصلاً عنها.

توسيع رقعة المشاركة الاقتصادية للشباب يستدعي دعم المشروعات الصغيرة كمدخل لانخراط الشباب في البنية الاقتصادية المنتجة وهذا لن يكون كافياً ويجب أن يترافق مع التغيير التدريجي عبر نضالات ثقافية واجتماعية في خلخلة الثقافة البطريركية والذكورية.

تعزيز البعد الاجتماعي للصراع مع الاحتلال، وإعادة تظهير مضامين الفعل الاجتماعي الفلسطيني، كمدخل لإعادة توضيح دور الشباب، وما يمكن أن يساهم في بنائه لمصلحة القضية الوطنية بشكل عام، مع التأكيد على أن توسيع هامش ومساحة الاشتباك مع الاحتلال تعيد البوصلة مرة أخرى إلى مكانها الطبيعي وتعيد بناء العلاقة والثقة بين القطاعات الاجتماعية وأطرها النقابية والتنظيمية بما يعيد تفعيل دورها.

التأكيد على تلازمية الأدوار المختلفة للشباب، وأن كل منهما يغذي الآخر، فالأدوار الخاصة جزء من الدور العام للشباب، وأن الدور الغير مباشر في الفعل العام، يتحول عند فحص تأثيره إلى دور مباشر، وكذلك عملية التأثير والتأثر.

لا يمكن فصل الشباب عن السياق الموضوعي الذي يحيا به وعن مجمل التغيرات التي تصيب المقومات الاقتصادية والسياسية للمجتمع، فهو ليس مجرد جزء من هذا المجتمع فحسب، بل يتكلف بأدوار اضافية تفوق قدرته الطبيعية، وهذا ما يستدعي البحث عن مكانة لائقة بما يقدمه الشباب الفلسطيني.

 إجمالًا يبقى الشباب الفلسطيني مضطر للتعاطي مع الشأن العام، والبحث عن التمكين وامتلاك القدرة على توسيع الخيارات المتاحة أمامه، وهو في سعي دائم ونضال مستمر على مختلف الأصعدة مع إشكاليات مترابطة ومتداخلة لا يمكن فصلها تتمثل في اعتبارات مادية يمكن التحكم بها، وأخرى لا يمكن تغييرها بسهولة وهي تحتاج إلى تحولات فكرية كبرى تعيد تصحيح وفلترة كل الأفكار السائدة حول الشباب ودوره.

فلسطينياً لا يمكن للشباب الفلسطيني أن يتغنى على أطلال دور نضالي وطني يستحق الاحترام، بل يجب أن يبقى في حالة نضال مستمر على المستوى الوطني وعلى المستوى الاجتماعي والحقوقي بشكل مترابط يدفعه للحضور في الشأن العام والتأثير فيه، بمختلف الوسائل والأدوات وقنوات المشاركة المتاحة بتوسيعها وتفعيلها وفي القلب منها تفعيل الدور النضالي الوطني للشباب ضمن أطر وأحزاب وطنية تعتبر النضال ضد الاحتلال أساساً وأولوية.

كاريكاتـــــير