شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاربعاء 11 ديسمبر 2019م01:53 بتوقيت القدس

مراجعات يوليو.. جلال الانكسار

16 يوليو 2019 - 10:19
عبد الله السناوي

في تجربة ثورة يوليو ورجلها «جمال عبد الناصر» انقلابات حادة في المشاعر والانحيازات لعدد كبير من المبدعين المصريين، انتقلوا بمقتضاها من الكراهية المقيتة إلى المحبة الغامرة.
لماذا وكيف؟
«سيظلّ ذو الوجهِ الكئيبِ وأنفُه ونيوبُه
وخطاه تنقر في حوائطنا الخراب
إلاّ إذا
إلاّ إذا مات
سيموت ذو الوجه الكئيب
سيموت مختنقاً بما يلقيه من عفنٍ على وجهِ السماء».
كانت تلك كراهية لا حدود لها عبّر عنها الشاعر «صلاح عبد الصبور» في أعقاب أزمة مارس/آذار (1954). نُشرت - لأول مرة - ضمن ديوانه «الناس في بلادي» عام (1957).
حتى يتجنب أية مساءلة قانونية، أو سياسية، تنال من حريته؛ أهدى قصيدته الهجائية إلى «الاستعمار وأعوان الاستعمار».
إنه مثقف أخذ موقفاً - في وقته وحينه - من أزمة عاصفة غيّرت معادلات الحكم، وعبّر عنه في قصيدة تحمل مسؤولية نشرها.
غير أن اختبار الزمن غيّر موقفه من نقيض إلى نقيض؛ بعدما رحل الرجل، الذي تمنى موته بعد ستة عشر عاماً، ولم يعد يملك لأحد نفعاً أو ضراً.
«وكان مجيئه وعداً من الآجال، لا يوفي ل مصر ألف عام».
«كأن مصر الأم كانت قد غفت كي تستعيد شبابها، ورؤى صباها
وكأنها كانت قد احترقت
لتطهر ثم تولد من جديد في اللهيب
وخرجت أنت شرارة التاريخ من أحشائها
لتعود تشعل كل شيء من لظاها».
كيف حدث ذلك؟ بأي نظر موضوعي، فإن الفارق هو حجم الإنجاز الاجتماعي والتحرري، الذي تحقق بين عامي (1954) و(1970)، وحجم ما حلق في الأفق العام من آمال وأحلام لامست عمق اعتقاد الجيل، الذي ينتسب إليه «صلاح عبد الصبور».
لم يجر انقلاب المشاعر والمواقف بالوتيرة نفسها في حالة «أحمد فؤاد نجم». أخذ وقتاً طويلاً حتى يراجع نفسه، ويفاجئ قراءه بما كتب.
هو شاعر عامية متمرد و«فاجومي» يقول ما يعتقد فيه، ويدفع ثمنه.
بالأيام الأولى لهزيمة (1967) هجا «يوليو»، وأطلق على «عبد الناصر» اسم «عبدالجبار» في قصيدة لحنها الشيخ «إمام عيسى»، وذاعت في أوساط الحركة الطلابية مطلع سبعينات القرن الماضي:
«الحمد لله خبطنا
تحت بطاطنا
يا محلا رجعة ظباطنا من خط النار».
«أشعار تمجد وتماين
حتى الخاين وإن شا الله يخربها مداين
عبدالجبار».
لم تكن مشكلة القصيدة فيما تضمنته من نقد لنظام «يوليو» و«عبدالناصر»، حتى لو كان جارحاً. كانت مشكلتها مطلعها، الذي نال من جيش جريح، لا ذنب لضباطه وجنوده في الهزيمة التي جرت، فيما هو يعود مرة أخرى لميادين القتال؛ بعد أيام من الهزيمة في معركة «رأس العش».
«نجم» نفسه هجر إنشادها في أية محافل عامة كان يدعى إليها؛ لإلقاء أشعاره. بعد سنوات طويلة من رحيل الرجل الذي عارضه وهجاه في حياته كتب منتصف الثمانينات قصيدة دوت في مصر والعالم العربي.
«من دا اللي نايم وساكت
والسكات مسموع
سيدنا الحسين؟
ولا صلاح الدين ولا النبي
ولا الإمام؟
دستور يا حراس المقام ولا الكلام بالشكل دا ممنوع؟»
«عمل حاجات معجزة وحاجات كتير خابت
وعاش ومات وسطنا
على طبعنا ثابت
وإن كان جرح قلبنا كل الجراح طابت
ولا يطولوه العدا
مهما الأمور 
جابت».
هناك شاعران عاميان آخران لهما أوفر الأثر في الوجدان العام توصلا إلى الاستنتاج نفسه؛ لكن في وقت مبكر؛ هما: «فؤاد حداد» و«عبد الرحمن الأبنودي».
الأول - يُطلق عليه «أبو الشعراء» ويسلم بريادته الفنية، التي لا تضارع، كل من أمسك قلماً؛ ليكتب شعراً عامياً، أدخل سجون «عبد الناصر» في الستينات؛ لكنه انتسب إلى أحلامه، وأنشد فور رحيله ديواناً كاملاً من جزأين.
«فين طلتك في الدقايق تسبق المواعيد»
«مين اللي أكبر مقامك في قلوب الناس
وإلا مقامهم في قلبك».
في ذلك الديوان لم يُشر إلى تجربته في السجن، ولا بدا أن لها أي ظلال على شعره، أو نظرته إلى «يوليو».
والثاني - شاعر مجيد في بنائه لقصائده. «مش ناصري ولا كنت ف- يوم بالذات في زمنه وف- حينه لكن العفن وفساد القوم
نساني حتى زنازينه».
وهو يستشعر قرب الرحيل قال: «بنيت مقبرتي ويعيش جمال عبد الناصر».
موضوعياً يظل السؤال مطروحاً: لماذا؟
إحدى الإجابات التي لا يمكن نفيها أن هناك شيئاً حقيقياً استدعى مثل هذه المراجعات وولد مثل هذه المشاعر وأبقى عليها لعقود توالت.
هذا موضوع تأمل وبحث لا إنكار وتجاهل.
لم يمض التحول في المشاعر والمواقف في اتجاه واحد - يراجع، أو يصمت.
أخذ التحول - أحياناً - اتجاهاً عكسياً، كما حالة «أحمد عبد المعطي حجازي» شاعر الثورة الأبرز في سنوات صعودها وأول من أنكرها بعد أن انقضت أيامها.
«هذه آخر الأرض لم يبق إلا الفراق..زمن الغزوات مضى، الرفاق ذهبوا
ورجعنا يتامى
هل سوى زهرتين أضمهما فوق قبرك
ثم أمزق عن قدمي الوثاق»
في أحد اللقاءات النادرة، التي جمعت بيننا عام (2009)، جلسنا متجاورين بالقرب من الرئيس الكوبي في ذلك الوقت «راؤول كاسترو». بادرته قائلًا: «ربما يغضبك أن أقول لك إن ما سوف يتبقى منك شعرك الذي أنشدته في عبد الناصر، وأن أحداً لن يتذكر مقالاتك في هجائه».
رد كأنه يؤمن على المعنى: «ممكن». لم تكن ثورة يوليو معصومة من الأخطاء. 
حاكم «عبد الناصر» نظامه في محاضر رسمية، كما لم يفعل أحد من قبل، وعمل على تصحيح الأخطاء الفادحة في بنيته.
كان ذلك ضرورياً حتى يقف البلد على قدميه لتحرير أرضه المحتلة بقوة السلاح، ورفع منسوب الأمل في المستقبل من جديد.
وصف الشاعر السوداني «محمد الفيتوري» ما جرى في يونيو، وما بعده ب«جلال الانكسار».
ذلك التعبير يلخص قوة حضور «جمال عبد الناصر» في السجال السياسي حتى اليوم رغم انكسار تجربته.

 

صــــــــــورة